الاتحاد

عربي ودولي

العــــالم امـرأة

ليين ستيوارت ··
الخصـم والحكـم
السعد عمر المنهالي:
من أقسى حالات الظلم أن لا تجد من تشكو إليه، غير أن الأشد وطأة من تلك القسوة أن يكون خصمك القاضي، فالألم هنا يتكرر، من فعل الظلم نفسه، ومن غياب الحَكم، ومن اضطرارك لتنفيذ حكم من ظلمك· هذه الحالة من الألم تمثلت في دموع المحامية الأميركية ليين ستيوارت البالغة من العمر 65 عاما، عندما وقفت أمام دار العدل في مانهاتن في الحادي عشر من فبراير الجاري 2005 وأمام وسائل الإعلام، لتؤكد بدموعها المخنوقة مقولة لمن تشكو إذا كان خصمك القاضي؟!! ·
ولدت ليين فيلتايم ستيوارت في مدينة بروكلن بنيويورك في الولايات المتحدة الأميركية في الثامن من أكتوبر عام 1936 لعائلة من الطبقة المتوسطة ذات اصل ايرلندي· عاشت طفولتها في بيلروز أحد أحياء كوينز بنيويورك، وفيها تلقت تعليمها المبكر في المدارس العامة بالولاية، ومن مدرسة مارتن فان بورين العليا حصلت على شهادتها الثانوية· وفي عام 1960 تخرجت من كلية هوب في ميشغان لتصبح معلمة في مدرسة بحي هارلم ·
وعلى رغم أن والديها كانا معلمين، فقد تركت ليين ستيوارت مهنة التدريس في أوائل السبعينات بعد أن التحقت بكورس في السياسة في الجامعة الأميركية، فدرست القانون في جامعة روتجيرس وحصلت على شهادة فيه في يونيو عام ،1975 وفي نفس العام حصلت على ترخيص لمزاولة مهنة المحاماة في نيو جيرسي ، بينما حصلت على ترخيص المزاولة في نيويورك عام ·1976
بدأت تظهر أفكار ليين الثورية قبل ذلك بكثير، ولعل تدريسها للفقراء والمسحوقين اجتماعيا في حي هارلم الفقير كان له دور في توجهها المهني فيما بعد، خاصة وأن اهتمامها بالقضايا المتعلقة بالحقوق المدنية أخذ في التصاعد مع تزايد زبائنها من ذوي الأفكار اليسارية، كما أن تعاطفها مع الأفكار الاشتراكية على حساب الرأسمالية أكد توجهها الراديكالي والذي لم تجد في إعلانها عنه أي حرج· فقد كانت قد أعلنت في مناسبات وعلى الملأ، أنها تعتقد أحيانا أن العنف ضروري ومهم لإحداث التغيير في عالم امتلأ بالتمييز العنصري وطمع أصحاب الشركات·
كل شيء تغير!!
غير أن فكرها الأكثر راديكالية كان في تأكيدها المستمر على حق المستضعفين في استخدام المقاومة للدفاع عن أنفسهم، وإن كانت مقاومة عنيفة، ومتى تم تحقيق الهدف بتحرر المستضعف من من يستضعفه، فأنه يستحق الإشادة، وقالت تعقيبا على فكرها هذا في احدى المقابلات، أنا لست مسالمة في حد ذاتي·· غير أني لست عنيفة!· بدت أفكار ليين ستيوارت الثورية غير مناسبة لزمن ما بعد أحداث 11 سبتمبر، فتوجهات الحكومة الأميركية والقوانين التي صدرت بحجة توفير أميركا أكثر أمن عارضت في روحها ما ظل دعاة الحرية المدنية يصارعون لأجله منذ بناء أميركا، وهذا ما جعل ليين وأمثالها من النشطاء المدافعين عن الحرية المدنية في خط المواجهة مع الحكومة، سيما وأنها ظلت ولفترة طويلة وقبل تلك الأحداث بسنوات طويلة تقبل قضايا كان غيرها من المحاميين يتجنبون العمل فيها!!·
يقول عنها أصدقاؤها، أنها تملك مشاعر أسطورية في الإشفاق على الآخرين، قلة من المحامين من يعرفها، ولهذا كان توليها لحالات الدفاع في قضايا أثارت الرأي العام، في قضايا حساسة وشائكة كان موكليها في هذه القضايا من الفئات المنبوذة اجتماعيا، وربما كانت القضية التي تولت الدفاع فيها عن المواطن الأميركي لاري ديفيس من أصل إفريقي، بعدما اتهم بجرح وقتل ضباط شرطة نيويورك عام 1986 كانت الأكثر شهرة، سيما بعد أن جادلت ليين كثيرا لتثبت أن ما أقدم عليه موكلها إنما كان مبررا بعدما أقدمت شرطة نيويورك على استخدام العنف ضده، ليتحول الأمر إلى قضية رأي عام ضد التمييز العنصري·
غير أن شهرتها وصلت مداها خارج حدود الولايات المتحدة والمجتمع الأميركي المدني بعد أن كلفتها المحكمة الاتحادية عام 1994 بالدفاع عن الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن الزعيم الروحي لحركة الجهاد الإسلامي بمصر بعد أن تركاه محاميان قبلها- من تهمة التخطيط لمهاجمة أهداف أميركية منها تفجير مركز التجارة العالمي عام ،1993 غير أنه أدين بعد توليها القضية بعام واحد وحكم عليه بالسجن المؤبد·
وعلى الرغم من انتهاء القضية عند هذا الحد بعد إدانته إلا أن المحامية ليين ستيوارت ظلت متمسكة بتمثيل موكلها عمر عبد الرحمن، وقد كانت قد بينت سبب استمرارها في تمثيله إلى غرضين، الأول متعلق بالتأكد من ظروف حبس الشيخ الضرير والمريض بالسكري، والغرض الثاني محاولة العمل على إقناع الولايات المتحدة لتسليم الشيخ لوطنه مصر· ولذا استطاعت ليين وبعد سنوات في عام 2000 من وزارة العدل على إذن باستئناف زياراتها للشيخ عمر، غير أن ذلك بشرط الموافقة على التقييد ببعض القيود والإجراءات الادارية الخاصة المشرعة عام ،1996 والتي يمنع بموجبها السجين من الاتصال بالعالم الخارجي!·
هذان الغرضان واللذين حملت همهم على عاتقها لعقد من الزمان لم يكن لتناسب مع نفوذ المتشددين في الإدارة الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سيما وأن هدفيها لم يكونا ليتحققا دون استمرار تذكير الرأي العام بقضية الشيخ الضرير، وهو ما وجدته الادارة الأميركية المتمثلة في المدعي العام جون آشكروفت الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 2001 أي بعد شهر واحد من أحداث نيويورك وواشنطن، وذلك بالقيام بتغيير التعليمات الموجهة لمكتب السجن بإجراء مراقبة صوتية ومصورة باتصالات المعتقلين في السجون الاتحادية مع محاميهم، ولم تكن التعليمات الصادرة ضد الأشخاص المدانين فقط، وإنما تعدى الأمر إلى كافة الأشخاص المحتجزين وينتظرون المحاكمة وذلك بدعوى العمل على ردع أي أعمال عنف أو إرهاب في المستقبل·
سبب ونتيجة
في ابريل عام 2003 أعلن المدعي العام جون آشكروفت لائحة اتهامات وجهها إلى محامية الشيخ عمر عبدالرحمن وشخصين آخرين احدهما احمد عبد الستار مساعد محام والمترجم محمد يسري، تفيد بأن الأشخاص الثلاثة قدموا مساعدات للشيخ الضرير مكنته من مواصلة التخطيط لجرائمه الإرهابية من زنزانته في سجن ولاية منيسوتا ، وأن المحامية ليين ستيوارت عملت كقناة اتصال بين لشيخ وقادة الجماعة الإسلامية في مصر!·
لم تنكر المحامية ليين ستيوارت قيامها بإجراء مكالمة هاتفية مع صحفي من وكالة رويتر في مصر، وقراءتها عليه بياناً للشيخ عمر عبدالرحمن في مايو عام ،2003 ابلغ خلاله جماعته بتوقفه عن دعم وقف إطلاق النار الذي كانت الجماعة الإسلامية في مصر قد أعلنه في أعقاب هجوم الأقصر عام 1997 فراح ضحيته 62 شخصا بينهم 58 أجنبيا، غير أنها أكدت أنها قصدت بهذا العمل تفعيل قضية الشيخ في وسائل الإعلام لكي تستطيع تحقيق هدفها في تحسين ظروف حبسه أو إعادته إلى بلاده، كما أنها أكدت أن هذه المخالفة التي ارتكبتها كان عقوبتها كأقصى حد قطع اتصالها بالشيخ وليس اتهامها بالتآمر للقيام بعمل إرهابي!!·
أطلق سراح المحامية فيما بعد بكفالة مالية، وبعد خروجها من قاعة المحكمة تحدثت إلى وسائل الإعلام بنبرة متحدية قائلة: أعتقد أن هذه القضية ستكشف المدى الذي يمكن أن تصل إليه الحكومة في محاكمة من لا تحبهم ، وبالفعل كان تعليق المدعي العام يسير في اتجاه إثبات أن للحكومة غرضاً آخر من اتهام المحامية، فقد قال لوسائل الإعلام: أن قضية الشيخ عمر ستستغل كأول فرصة لتطبيق قانون جديد يسمح لمكتب السجون بمراقبة المحادثات التي تدور بين المحامين والسجناء الذين يحتمل أن يرتكبوا جرائم إرهابية في المستقبل· وذلك رغم عدم دستورية هذا القانون الذي أجيز بالفعل!!·
وعلى عكس ما سعت المحامية ليين خلال عملها كوكيلة للشيخ عمر بمراقبة سجنه وجعل قضيته مثارة باستمرار أمام الرأي العام، اختفى الشيخ الضرير من سجلات السجون الاميركية، وذلك بعد أسبوعين فقط من توجيه التهمة لها في ابريل عام ،2002 مما أكد على استغلال الفرصة لتحقيق أغراض أخرى سياسية، سيما وأن هذه السجون لم تعرف مثل هذا العمل، فحسب ما صرحت به بعض المصادر القانونية في تلك الفترة، أن أخطر الإرهابيين المحتجزين في الولايات المتحدة يعرف محاموهم وعوائلهم مكان احتجازهم !!·
لو عاد الزمن!!·
في نوفمبر عام 2003 عدل القاضي الأميركي جون كولتل لائحة الاتهام الموجهة إلى المحامية ليين فاسقط تهمة تقديم دعما ماديا للإرهابيين، وعدلت التهمة إلى دعم جماعة إرهابية بتسهيل اتصال بين الزعيم الروحي عمر عبدالرحمن وقادة الجماعة الإسلامية في مصر واتهم بالتزوير وتقديم بيانات كاذبة· وفي التاسع من فبراير الجاري 2005 أدانت هيئة المحلفين التي مثُلت ليين ستيوارت أمامها، ووجهت إليها خمس تهم تصل عقوبتها إلى 40 عاما كحد أقصى، وذلك بعد أن أصرت على الدفاع عن نفسها وتأكيدها أن عملها في هذه القضية جاء نتاج لقناعتها بأن كل شخص يستحق دفاعا جيدا مهما كان مكروها بين العامة، وأن استمرارها بالعمل مع الشيخ الضرير يأتي ضمن حلقة من إصرارها على الدفاع عن الكثيرين ممن لا يجدون أحد يدافع عنهم، وقالت تأكيدا على ذلك أنها خلال الثلاثة عقود الماضية دافعت عن ثوار وأفراد عصابات ولصوص ومعتدون على ركاب مترو الأنفاق ·
وبعد محاكمة طويلة استمرت لأكثر من سبعة اشهر في المحكمة الاتحادية في مانهاتن ومرافعات هيئة الدفاع عن ليين وما قالته المحامية عن نفسها لم يكن كافيا لتعتبر هيئة المحلفين أن المحامية ليين ستيوارت غير مدانة، فبعد مشاورات دامت أكثر من 13 يوما استمرت خلال أربعة أسابيع أقرت محكمة مانهاتن ادانتها ومن المقرر أن يصدر الحكم بحقها في الخامس عشر من يوليو المقبل ·2005
وفي الوقت الذي اعتبر البرتو جونزاليس وزير العدل الأميركي أن الإدانة تعد بمثابة رسالة واضحة بان مؤسسته ستلاحق الذين يقومون بأعمال إرهابية ومن يساعدونهم، اعتبرت فيه ليين بعد خروجها وأمام المحكمة إن الإدانة فرصة لإيقاظ البلاد من غفوتها، وقالت وهي تحبس دموعها لن يكون بإمكانهم سجن جميع المحامين ، ورغم تأثرها الشديد بالإدانة إلا أن لهجتها المتحدية ظلت في كلماتها وحتى في لقاءاتها التي قامت بها مع وسائل الإعلام بعد خروجها من المحكمة، فقد قالت سأواصل الكفاح ولن استسلم، وقالت: اعرف بأني لم أرتكب جرماً، وأن ما قمت به صحيحا، وما قمت به هو ما يفترض أن يتصرف به أي محام ، مصرة في الوقت ذاته على أنه لو عاد الزمن ثانية لكانت ستقوم بنفس الفعل-كما سألها احد الصحفيين- مؤكدة أنها كانت تقوم بعملها كمحامية !!·
Als_almenhaly@emi.ae

اقرأ أيضا

رئيس البرلمان العربي يدعو برلمانات العالم للاعتراف بدولة فلسطين