الاتحاد

دنيا

بانوراما تراثية في مهرجان الحصن تجسد مشاهد الحياة القديمة

أسماك المالح حاضرة للبيع في دكاكين المهرجان

أسماك المالح حاضرة للبيع في دكاكين المهرجان

تفوح فعاليات مهرجان الحصن بعطر، مغموس في ماء الورد، ودخان دهن العود، في ساحة امتدت على مساحة 18 ألف متر مربع، تحتضن بيئات أبوظبي كلها، فكانت الصحراء حاضرة بشموخها والبحر بغموضه، والواحة بزهوها، استطاعت أن تأخذ الزائر، بل تفصله عن زمنه، تسافر به إلى الماضي، حيث الدكاكين القديمة، من بائعي الحلويات، والمأكولات الشعبية، وغيرها من الحرف، التي تشكل جانباً مهماً من الذاكرة الإماراتية، وتفردت بها عن بقية دول العالم.

تستمر فعاليات الاحتفال بمرور 250 عاما على إنشاء قصر الحصن في أبوظبي ضمن إطار مهرجان الحصن، حتى 9 مارس الجاري، متيحة لزوارها التسوق بين جنبات أكثر من 60 دكاناً لبيع المنتجات التراثية والتقليدية، توزعت في بانوراما تراثية للحرف اليدوية، من السمك المملح، وصناعة البخور والعطور، والسدو والتلي، والبهارات والقهوة العربية، وأدوات الزينة، والصابون الطبيعي، والمنتجات التذكارية، وغير ذلك من الصناعات، التي أثثت ساحة مهرجان قصر الحصن، وشهدت إقبالاً من الصغار قبل الكبار.
وعن حرفة تربية النحل، يقول علي الظنحاني صاحب كتاب «العسال» ومحمية الظنحاني للعسل البلدي، لحماية النحل الحر، بالفجيرة إنها خبرة امتدت من الأجداد إلى الأحفاد، الذين خبروا مسارات النحلة، وأصبح لهم باع طويل في تقفي آثارها للحصول على عسل الجبال والكهوف المشهود له بجودته العالية، موضحاً أن لعسل الإمارات البري جودة عالية لا يضاهيها أي منتج عسل مستورد، كما اعتبرها مهنة وهواية لدى البعض الذين ارتبطوا بالأرض وخيراتها، وأن منطقة الفجيرة حباها الله بالمقومات الطبيعية، مما جعلها مرتعاً خصباً للنحل.
تربية النحل
وأضاف: وددت أن أنقل كل تجاربي في مجال تربية النحل، فألفت كتاب العسال، وهو يتحدث عن تربية النحل البري في جبال الفجيرة، وكيفية التعامل مع العسل في الجبال، ويتضمن أيضاً تفاصيل وخطوط البحث عن العسل، وهي طرق قديمة جداً.
ولفت الظنحاني إلى أنه نقل تجربته الشخصية ليتقاسمها مع باقي «العسالين» ليغني بها الساحة الثقافية في جانبها التراثي، ويذكر بعض تفاصيل جمع العسل، وطرق تتبع آثار النحل ومعرفة مكان العسل، الأولى منها تعتمد على التنقيب، حيث يتم تتبع مواقع النحل عن طريق موارد المياه، وينتظر العسال عند منبع المياه إلى حين قدوم النحلة لتشرب ومغادرتها، حيث تمشي في طريق مستقيم إلى الكهف، والثانية تستند على اقتفاء مكانها عن طريق الشمس، وتسمى هذه الطريقة «المعاشات»، فعند طلوع الشمس تخرج النحلة من الكهف باتجاه المراعي في الصباح، ويطلق على النحلة في هذه الفترة «السارحة»، بينما في المساء «الرايحة» إذ تروح عند غروب الشمس لكهوفها، أما الثالثة فهي عن طريق تنقيط الرحيق من أجنحتها ويطلق عليها «نقط»، حيث يمكن للعسال تقفي مسير النحلة من خلال ما ينقط وينزل من رحيق من أجنحتها على الصخور، التي تقوده مباشرة لكهفها أو للجبل، فيخمن العسال بالتالي مكان وجودها.
جودة عالية
ويشير الظنحاني إلى أنه استثمر خبرته الكبيرة في مجال العسل في إنشاء محمية طبيعية تمتد لتشمل الجبال والأشجار والصخور والكهوف لتوفير البيئة الملائمة لإنتاج عسل بجودة عالية، حيث أقمت المحمية للحفاظ على النحل الحر، وهي محمية طبيعية وفرت بها البيئة المثالية من برك مائية وأشجار ونباتات وشجر السدر والسمور.
وبين أنه بذل في سبيل إحيائها الكثير من الوقت والجهد والمال، بزراعة ما يقارب 30 ألف شجرة من السدر والسمر، وجمع فيها كل المقومات، التي تجعل منها مرتعاً طبيعياً للنحل بهدف إنتاج أفضل أنواع العسل الطبيعي الصافي، القريب لعسل الكهوف، موضحاً أنه يعشق هذا المجال الذي امتدت خبرته فيه سنوات تجاوزت الثلاثين تمتد إلى الطفولة.
خيرات الطبيعة
استطاعت النساء أن تتفنن وتبدع مما حباها الطبيعة من مواد، بل تطوعها وتحولها إلى عطور وبخور، بل اجتهدت في صناعة مواد غذائية ذات جودة العالية خالية من المواد الحافظة، حيث تقول مريم سري صباح الهاملي صانعة قهوة عربية وبهارات وأجار «مخلل» من المانجا والروبيان، وآخر من التمر، إنها تعلمت هذه الحرفة من جداتها اللواتي برعن في تحميص القهوة العربية وتطعيمها بالمنكهات والمطيبات من جوز طيب، وهيل وزعفران حر، وزنجبيل، موضحة أنها مارست هذه المهنة التي كانت هواية في البداية، ثم انتقلت إلى صنعة وتزاولها منذ أكثر من 30 سنة.
وتنوعت بضائع محل مريم بين منتجات الخوص اليدوية، ومشغولات أخرى ذات علاقة بصناعة كل ما هو تراثي، من إنتاج أجار وهو عبارة عن مخلل من التمر والمانجا، والمانجا بالروبيان، وتضيف عليه بعض البهارات الهندية وزيت الخردل، حيث تشهد هذه المنتجات إقبالاً كبيراً.
وتتابع: كما نصنع دهن الغنم، عن طريق مخض الحليب، ثم استخراج الزبدة ثم طبخها، وإضافة مجموعة من البهارات الخاصة عليها، وهذه المنتجات تنتشر في بيوت الإمارات، وهي تتوارث من جيل لآخر، وكما تعلمتها من جداتي فإنني أعلمها لأبنائي.
حماية الرضيع
فاحت رائحة البخور وتعطر المكان رغم فساحته ورحابته، انتشرت بانتشار أكشاك صناعة خلطات الشعر والجسم والدخون من خلال مجموعة كبيرة من السيدات اللواتي برعن في صناعة هذه الخلطات وفرشن عطورهن في انتظار المقبلين عليها من زوار قصر الحصن ولم تمانع من تجريبها لتختلط الروائح وتكون خلطة خاصة بمهرجان قصر الحصن، حيث تقول آمنة محمد الرميثي مبدعة من أبوظبي وتخرجت من مدرسة الأسر المنتجة بالاتحاد النسائي العام، إنها تجهز أنواعاً مختلفة من الخلطات للشعر والجسم.
وتضيف: هناك العديد من الأسماء، منها محلب وهو يخلط بالماء ويصب على الشعر ليعطره، وهناك خلطات لاستعمالات صحية منها البضاعة، وهي تتكون من مسحوق المسك، والورد، وتوضع في قطعة قماش، وتلف بها رقبة الطفل الرضيع ، قبل أن يتجاوز عمره شهرين، لتحميه من التهابات اللوز، كما أنه تم استعمال محلب سابقا للتخفيف من مرض السكري.
وتشير الرميثي إلى أن قصر الحصن يشكل جزءا من ذاكرتها الطفولية، حيث كانت الساحة المفضلة لها ولصديقاتها لممارسة الألعاب الشعبية، موضحة أن المكان مفتوح على البحر، الذي كانت صخوره موقعاً لغسيل الثياب، وقت أن كان والدها صياداً للسمك في تلك الأيام الجميلة.
طعام أهل الساحل
يعتبر سمك المالح صناعة غذائية خليجية، اكتسبت أهميتها من كونها الأرضية الغذائية الآمنة التي أسهمت في التصدي للمخاطر الغذائية، التي كانت تتهدد المجتمع في سنوات الضنك وشظف العيش، وازدهرت عند أهل الساحل، وفي هذا الإطار يشير سليمان راشد محمد إلى أن مهنة تمليح السمك يلزمها خبرة وحرفية، ووفق سليمان، فإن السمك المالح يشهد إقبالاً كبيراً من طرف الجمهور خصوصا الخليجيين.
وعن الأصناف التي يتم تمليحها يقول سليمان: أصناف الأسماك المطلوبة، التي تعطي نتيجة جيدة في التمليح هي: القباب، والكنعد، والصدا، والبياح، بحيث يتم تنظيفها وإزالة الأشواك منها وتشريحها، ورشها بالملح ووضعها في إناء «سطل»، يحتوي على كمية من الملح، ويتم الضغط على الأسماك داخل الإناء لتخرج ما فيها من الماء فتصبح على درجة من الصلابة، ومن ثم القيام بتغطية السطل بإحكام لمدة 60 يوما وما فوق، وعند فتحه تكون الأسماك غارقة في محلول الملح والماء، ويكون قد اكتسب الرائحة والمذاق المطلوبين، موضحاً أنه يتم تناوله مع صالونة أو عيش أبيض ويفضل البعض عصر الليمون عليه، حيث يكتسب نكهة طيبة.

زهبة العروس

أطلت فعاليات العرس التقليدي، من نافذة فعاليات مهرجان الحصن، على زواره، حيث تجمعت النساء لإعداد زهبة العروس، وسط فرحة عارمة من الأهل والأصدقاء، عنوانها التلاحم والتعاون.
وأبرزت الفعالية المهارة اليدوية للمرأة في تلك الأيام وكيف كانت تستمد أدواتها من البيئة المحلية، فانتجت وحققت الاكتفاء الذاتي، من حيث توفير كل مستلزماتهن من أدوات زينة وأثواب لا زالت تتوارثها الأجيال، إذ تعلن حضورها في كل المناسبات السعيدة، إلى ذلك تقول خديجة صالح الطنيجي، التي تشغل كل ما يتعلّق بزهبة العروس يدويا ما يقارب 25 سنة، إن هذه المنتجات يدوية وأصيلة ولم يلفها النسيان، بل لا زالت متواجدة تقاوم التحضر والانجذاب إلى الماركات العالمية من طرف هذا الجيل. وتضيف: نشغل الكندورة بالتلي، والشيل، البادلة، الكندورة، ثوب العروس، الكريمات والمخلوطات المعطرة للعروس يوم عرسها سواء المتعلقة بالشعر أو بشرتها، موضحة أنها تتوفر على معمل صغير في البيت، تصمم بنفسها، وترفض أن تغير في الكندورة أو في مفروشات العروس التقليدية، بينما تعمل على حياكة بعض ألأكسسوارات عبارة عن كندورة صغيرة، أو عقال أو غترة كهدايا وتذكارات من الإمارات، ولتقريبها من جهة ثانية لهذا الجيل، ويدخل ذلك في إطار تطوير التراث والدعاية له، مؤكدة أن المنتجات تشهد إقبالاً من طرف السياح ومن طرف هذا الجيل أيضاً، كما تعرض بعض المنتجات التراثية الأخرى كالكاجوجة والدلة، والبراقع، والمداخن المزينة بالتلي، وتعمل أيضاً على صناعة كتيبات من التلي، وحافظ أجهزة الهاتف المحمول، والحقائب وغيرها من المبتكرات التي تجذب الناس.

اقرأ أيضا