الاتحاد

دنيا

رجل ذو مبادئ

اتصل بي عباس الشماشرجي غاضبًا ليقول لي:
ـ«عيب يا أخي هذا الذي تكتبه»
حاولت جاهدًا تذكر ما فعلته.. على قدر علمي أنا لم أكتب أي مقالات جنسية لمجلة هسلر أو بلاي بوي منذ ستين عامًا، فماذا وجده وأين؟
قال لي في غيظ:
ـ قلت إن الولايات المتحدة اغتصبت أرض الهنود.. لماذا تستعمل ألفاظًا مثل «اغتصبت»؟.. يمكنك لو كنت حريصًا على أخلاق القارئ أن تستعمل لفظة «استلبت» أو «سرقت».
اعتذرت له كثيرًا على وقاحتي ووعدته بألا أكرر هذا الخطأ.. لنفس السبب أحجمت عن كتابة مقال يذكر أن عوامل «التعرية» «كشفت أستار» الصخور الأرضية.
في مرة أخرى اتصل بي قائلاً إن الصحف تنشر الكثير من الصور المشينة.. قال لي أن أفتح جريدة «الصرصور السعيد؛ صفحة 12 لأرى المصيبة. بحثت عن الجريدة وفتحتها فوجدت جثة إرهابي مزقتها طلقات الرصاص وقد تلوثت الرمال بالدماء.. يبدو أنه قتل على شط أو مكان كهذا، وفي خلفية الصورة وبحجم ظفر إصبعك الصغير كانت صورة لامرأة ترتدي المايوه البكيني وتراقب المشهد. عباس الشماشرجي لم ير الجثة الغارقة بالدم ولكنه وجد المرأة.. هذا نوع خاص من العبقرية بلا شك.. يبدو أن هذا الرجل صالح ليعمل مع وحدات الاستطلاع الخاصة بالأقمار الصناعية.
بعد هذا قال لي ذات مرة إن هناك قنوات فاضحة على الديش.. مثلاً هناك قناة مخصصة فقط للرقص الشرقي. أنا لم أر هذه القناة قط، والبحث عنها يحتاج لعدة ساعات مرهقة. وعلى كل حال هناك حل سهل دائمًا: لا تذهب هناك..
اتصل بي الشماشرجي من جديد يؤكد أن القمر الأوروبي يعرض أفلامًا مشينة. ليس عندي القمر الأوروبي. لو لم ترد مشاهدة برامج جنسية فما جدوى القمر الأوروبي على كل حال؟.. الحل السهل هو ألا تشاهد هذا القمر..
لكن صاحبي هذا مُصر على مشاهدة القمر الأوروبي وعلى انتقاد برامجه المشينة. كان هذا الرجل ينتمي لطراز معروف من الناس.. لقد قام أديب بريطاني بكتابة قاموس كبير، وفي حفل دار النشر تقدمت منه سيدة احمر وجهها خجلاً، وقالت له:
ـ«كيف سمحت لنفسك أن تضع لفظتي كذا وكذا «لفظتان بذيئتان» في القاموس ؟»
قال لها في غيظ:
ـ«إذن عندما حصلت على القاموس كان أول شيء قمت به هو أن بحثت عن هاتين اللفظتين؟»
هذا هو ذات نمط عباس الشماشرجي.. إنه يتابع الفضائيات في نهم شديد بحثاً عن أشياء تثير غيظه وحفيظته. يقلب الكتب صفحة صفحة بحثًا عن كلمات مخجلة يغضب من أجلها .. يقوم بشراء قمر أوروبي ويقوم بتركيبه كي يلاحق البرامج المخجلة التي يقدمها الغربيون..
أمثال عباس الشماشرجي كثيرون في مجتمعنا العربي.
إنه يشاهد كل شيء.. لكنه يقنع نفسه أنه يريد فقط معرفة مدى السوء الذي يمكن أن تنحدر له الأمور. ذات مرة كتبت في أحد مواقع الإنترنت الإنجليزية أن الممثلة الأميركية فلانة جميلة. سرعان ما وجدت سيلاً من الكلام على شبكة الإنترنت يظهر عبارتي مع دائرة حمراء حولها.. وترجمة عربية حولت كلمة «جميلة» إلى «شهية».. مع حشد من الشتائم لي لأنني أضيع وقتي في التغزل بالممثلات الأميركيات الشهيات. بصراحة انبهرت بثقافة من كتب هذا الكلام.. إنه قد فتش في المواقع السينمائية بعناية.. ثم بحث عن اسمي.. ثم وجد هذا التعليق، ومعنى هذا أنه دخل صفحة هذه الممثلة الأميركية فلماذا دخلها؟
هذه أمور لن أستطيع فهمها أبدًا لأنني لا أملك كل هذه المبادئ والغيرة على الأخلاق.. ربما بعد أعوام أصل لهذا المستوى..




د. أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا