الاتحاد

تقارير

وادي بردى.. منعطف جديد للأزمة السورية

في «وادي بردى» السوري، لم تجلب الأيام الستة التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار عبر البلاد سوى مزيد من القنابل. إذ يقول السكان إن القنابل باتت تتهاطل على منطقتهم بشكل يومي، مما يفاقم البؤس الذي تسبب فيه الحصار الحكومي الذي أدى إلى فراغ رفوف الأسواق من المواد الغذائية وجعل السكان يعتمدون على الخشب من أجل الاستدفاء في برد الشتاء القارس.
كما يهدّد القتال بنسف اتفاق الهدنة الذي رعته روسيا وتركيا، والذي كان يهدف إلى تحفيز مفاوضات السلام في وقت تسعى فيه القوى العالمية جاهدةً لإيجاد حل لنزاع بدأ قبل خمس سنوات. وكان وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو قد دعا الرئيسَ السوري بشار الأسد وداعميه الأربعاء إلى إنهاء «انتهاكات» اتفاق وقف إطلاق النار. وقبل ذلك بيوم واحد، كان الثوار قد هدّدوا بتعليق المشاركة في مفاوضات السلام الجديدة، التي من المزمع أن تجري في عاصمة كازاخستان هذا الشهر، في حال استمرت الاشتباكات.
«المرصد السوري لحقوق الإنسان» الذي يوجد مقره في بريطانيا قال إن مروحيات الحكومة السورية ألقت قذائف و15 برميلاً متفجراً على الأقل على المنطقة، بينما اشتبك مقاتلو «حزب الله» اللبناني مع الثوار على الميدان. كما قال أحد السكان الذي طلب عدم الكشف عن اسمه خوفاً على سلامته: «لا توجد كهرباء ولا أدوية هنا. ولا يوجد سوى القليل جداً من الطعام»، مضيفاً «إن القنابل المتفجرة تتهاطل علينا، واتفاق وقف إطلاق النار لم يغيّر أي شيء».
في المجالس الخاصة، يعترف بعض المسؤولين الغربيين بأن الاتفاق لم يكن يعني شيئاً من البداية في المناطق التي ترغب فيها الحكومة، حيث كان الجيش السوري يقول إن الهدنة لن تشمل مجموعات مرتبطة بتنظيمات إرهابية، مثل «جبهة فتح الشام» المرتبطة بـ«القاعدة»، وهي مجموعة توجد في مناطق المعارضة عبر البلاد، وإنْ بأعداد صغيرة على ما يبدو حول وادي بردى، الذي يقع شمال غرب العاصمة دمشق.
هذا التحذير يبدو أنه يمنح الجيش السوري وحلفاءه غطاءً للسعي لتحقيق أهداف استراتيجية، مثل محاولات استعادة السيطرة على عين الفيجة في وادي بردى، التي تمثل نحو 70 في المئة من المياه العذبة التي تغذي دمشق.
وعلى الرغم من أن الحكومة والثوار كانوا قد التزموا من قبل باتفاق يقضي بعدم قطع خدمات المياه، فإن ذلك انتهى عندما ضربت قوات الأسد و«حزب الله» حصاراً على الوادي العام الماضي.
غير أن ذاك الحصار بات يضاعف معاناة السكان في وقت انخفضت فيه درجات الحرارة إلى ما دون الصفر. وفي هذا السياق، يشير محمد البرداوي، وهو ناشط من المنطقة، إلى أن الطعام أخذ ينفد، إذ يقول: «لم تتبقَّ أي أطعمة معلّبة تقريباً لأننا سارعنا لشرائها عندما بدأ القصف»، مضيفاً «إن الناس يعيشون على كميات ضئيلة من الطعام في المنازل ويتدفؤون عبر التجمع والتكدس أو التحلق حول النار التي نشعلها». وادي بردى، الذي كان في وقت من الأوقات مكاناً تقصده العائلات الدمشقية من أجل أسماكه الجيدة وطلباً للاسترخاء والاستجمام، كان قد تخلّص من السيطرة الحكومية في أوائل 2012، أي بعد أقل من عام على بدء الانتفاضة على حكومة الأسد.
ويقول سكان حاليون وسابقون إن وادي بردى والمناطق المحيطة به أصبحت ترمز إلى التظلمات التي دفعت الناس عبر البلاد إلى الانتفاض على النظام أصلاً، مشيرين إلى إهمال الحكومة وفسادها واستيلائها على أراضيهم، حيث تقول عائلات إن مئات الأفدنة من الأراضي الخاصة صودرت من قبل الدولة وفق قوانين جديدة. وعلى سبيل المثال، فقد تحوّلت إحدى المناطق إلى نادٍ للخيول بينما تحوّلت أخرى إلى فندق فخم، ما زالت تُنشر إعلاناته على «فيسبوك» باعتباره «مكاناً مثالياً للاسترخاء».
ويقول محمد رباع، وهو صحفي من المنطقة يعيش في السويد الآن: «لقد كان الناس جد محبطين عندما رأوا كثيراً من الأراضي تذهب إلى الحكومة»، مضيفاً «والأمر يتعلق بعمليات تطوير عقاري فخمة على أراضٍ تعود ملكيتها لأشخاص آخرين».
واليوم، أخذ اتجاه المياه يحوَّل على نحو متزايد إلى دمشق أيضاً في وقت تضاعف فيه عدد سكانها. ويقول أحد سكان المنطقة رفض الكشف عن هويته: «لقد جعل ذلك الناسَ يستشيطون غضباً»، مضيفاً «ولهذا السبب كنا من بين الأوائل الذين انضموا إلى الثورة». ويوم الأربعاء، كانت المعركة على الموارد قد أكملت دورة كاملة في وقت كانت تحارب فيه القوات الموالية للحكومة من أجل استعادة السيطرة على أهم عين في المنطقة. ويقول رباع: «عندما كنا أولاداً صغار، كنا نسبح في تلك المياه الجميلة. أما اليوم، فقد أصبحت جائزةً في حرب».

* مراسل «واشنطن بوست» في بيروت
* مراسل «واشنطن بوست» في ستوكهولم
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا