أدت جائحة كورونا، في غضون أسابيع، إلى دفع اقتصاد عالمي مستقر وغير مميز إلى حالة من التراجع، مسببة بؤساً وقلقاً جديدين لملايين الأشخاص القلقين أصلاً على صحة وسلامة أحبائهم.
وتعطلت سلاسل التوريد المتطورة بسبب إغلاق المصانع على نطاق واسع وصعوبة نقل المكونات عبر الموانئ وعبر الحدود. لقد أدت إجراءات التباعد الاجتماعي الطارئة إلى خفض الطلب على السلع بشكل كبير، حيث يبقى الناس في منازلهم ويتوقفون عن الإنفاق، بينما تغلق الشركات غير الأساسية أبوابها.
نحن نتوقع أن يتراجع مستوى التجارة بشكل حاد في كل المناطق حول العالم. حتى في أفضل الحالات، فإننا نرى أن التجارة العالمية سوف تتراجع بنسبة 13% في عام 2020، وقد يصل هذا التراجع إلى ما نسبته 32% إن الإجراءات المتخذة من قبل الحكومات والشركات سوف تكون حاسمة في تحديد المسار الذي سنتبعه.

حزم التحفيز
وقد كشفت الحكومات عن حزم التحفيز المالية والنقدية لمواجهة الآثار الاقتصادية للوباء - ولمنع أن تتحول هذه الضربة المفاجئة للشركات والأسر إلى أزمة مصرفية جديدة. قدمت حكومات مجموعة العشرين دعماً بقيمة تريليونات الدولارات لدعم المستهلكين والمستشفيات والعمال والشركات من جميع الأحجام. كما قامت البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم بتخفيض أسعار الفائدة وجعلت كميات هائلة من السيولة متاحة للبنوك حتى تتمكن من مواصلة الإقراض.
هناك قطاع من الاقتصاد يتزايد فيه الطلب استثنائياً وهو السلع والخدمات الطبية، إذ تعمل الحكومات والشركات على زيادة الإنتاج بدءا من الأقنعة ومعدات الحماية الشخصية الأخرى إلى أجهزة التهوية وأدوات الاختبار والأدوية - ونتمنى أن يشمل ذلك أيضاً العلاجات واللقاحات.
أما على صعيد السياسة التجارية، اتخذ أعضاء منظمة التجارة العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وكولومبيا وكندا والبرازيل عشرات التدابير لتسهيل التجارة في المنتجات الطبية المرتبطة بالوباء، وخفض رسوم الاستيراد، وكبح أعباء التخليص الجمركي، وتخفيف الإجراءات المتعلقة بالترخيص والموافقة. مثل هذه الإجراءات تساعد على جعل هذه السلع في متناول المستهلكين المحليين.
ومن ناحية ثانية، ستؤدي التدابير الأخرى - بما في ذلك من قبل بعض الدول نفسها - إلى إبطاء التجارة، لا سيما القيود المفروضة على الصادرات التي فرضتها الحكومات على الأدوية ومعدات الحماية والمراوح في محاولة لتعزيز توفر هذه المواد محلياً. وتسمح قواعد منظمة التجارة العالمية بمثل هذه القيود في حالة النقص أو التهديدات الصحية. لكن تقييد الصادرات من الموردين المحتملين يمكن أن يعطل سلاسل التوريد ويسبب مشاكل خطيرة في البلدان الأكثر فقراً وضعفاً التي تعتمد بشكل كبير على الواردات من أجل تأمين المعدات الطبية. ولهذا كان من المهم عندما اتفق قادة مجموعة العشرين من الاقتصادات الرئيسية الأسبوع الماضي على أن التدابير التجارية المتعلقة بالوباء يجب أن تكون «مركزة ومتناسبة وشفافة ومؤقتة».
والحقيقة هي أن التجارة يجب أن تكون جزءاً من أي استجابةٍ سريعة لوباء كورونا بشكل فعال وأقل كلفة. يشير البحث الذي أجراه اقتصاديو منظمة التجارة العالمية إلى أن التجارة الحالية في المنتجات الطبية الضرورية لعلاج كورونا هي مرتفعة، في عام 2019، تداولت الدول منتجات بقيمة 597 مليار دولار مثل أقنعة الوجه والقفازات، صابون اليد والمطهر، معدات واقية، وأقنعة الأكسجين، والمراوح، وأجهزة قياس النبض.
وبينما تحاول دول العالم زيادة إنتاج الإمدادات الطبية، فإن الاستفادة من شبكات الإنتاج والتوزيع عبر الحدود المتوفرة حالياً تعد أمراً منطقياً.
نحن نفضل أن يركز مصنعو أجهزة التنفس الصناعي على صنع أكبر عدد ممكن منها، وليس معرفة كيفية الحصول على المكونات محليًا، أو التساؤل عما إذا كانت الأجزاء المستوردة ستعلق عند الحدود. نريد الحصول على أكبر عدد ممكن من معدات الحماية التي يحتاجونها في أقرب وقت ممكن -أما من أين تأتي فهذا أمر غير ذي أهمية في الوقت الراهن.

التعرفة الجمركية
ولدى الحكومات بعض المجال للعمل محلياً على خفض كلفة مكافحة الجائحة، إذ تشير بياناتنا إلى أن متوسط التعرفة الجمركية المطبقة على جميع السلع الطبية ذات الأهمية لمكافحة الوباء يتراوح ما بين 4.8% - 11.5% لمعدات الحماية الشخصية و17% لصابون اليد.
لكن الحكومات لا تستطيع القيام بما يكفي من العمل بمفردها، لذا فإنه لمن مصلحة جميع البلدان التعاون على إبقاء التجارة في المنتجات الطبية مفتوحة على نطاق واسع، إذ أنه لا توجد دولة مكتفية ذاتيا، مهما كانت قوية أو متقدمة، فالتجارة تسمح بإنتاج وتوريد الإمدادات والمعدات الطبية بكفاءة مع انتشار المرض بفترات زمنية مختلفة من دولة إلى أخرى، كما أن التجارة هي أيضا وسيلة مهمة للحصول على الغذاء والطاقة.

ميزانيات الأسر
إن الضربة الحالية للمالية العامة وميزانيات الأسر المعيشية سيئة بما يكفي لذلك لا يجب جعل اللوازم الضرورية أكثر ندرة وأكثر تكلفة.
تقوم منظمة التجارة العالمية بدورها لمساعدة الحكومات. سوف تساعد الشفافية بشأن السياسات التجارية الحكومات والشركات على تخطيط قرارات المصادر والإنتاج. هذا هو السبب في أنني كنت أحث أعضاء منظمة التجارة العالمية على تبادل المعلومات على الفور حول سياسات التجارة المتعلقة بوباء كورونا.
إن المهمة التي تنتظرنا مهمة وشاقة ولكن من خلال السياسات الصحيحة والقيادة القوية والنهج الجماعي، يمكننا الحد من الضرر والبدء معًا في عملية التعافي.

* المدير العام لمنظمة التجارة العالمية