الاتحاد

عربي ودولي

الإصلاح العربي حتمي·· وليس كلمة حق يراد بها باطل

القاهرة ـ محمد عز العرب:
لا ينبغي ان يصاب العرب بالحساسية المفرطة من دعاوى الاصلاح·· ولا ينبغي لهم التذرع بأي مبرر لتأجيل أو إلغاء الاصلاح·· والاصلاح من الخارج أو الداخل مسائل شكلية لا يجب ان تؤخذ في الحسبان·· والمهم في الأمر ان هناك حاجة ماسة إلى اصلاح عربي شامل·· وان هذه الحاجة شعبية داخلية لا يقلل من شأنها أنها التقت مع ضغوط خارجية للاصلاح·
وفي مائدة مستديرة حول الاصلاح العربي- نظمها المجلس المصري للشؤون الخارجية على هامش مؤتمره السنوي- أكد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ان اهتمام أميركا وغيرها من الاطراف الفاعلة والمؤثرة دوليا بتنشيط حركة الاصلاح في العالم العربي، لا لوم عليه، وينبغي الاستماع له باهتمام، لكن الخوف ينبع من ان يكون شعار الاصلاح 'مقولة حق يراد بها باطل'، مشيرا إلى ان العالم أصبح متشابكا في عصر العولمة وما يجري في العالم العربي من أحداث وتطورات يلقي بظلاله على مناطق اخرى، لكن ما يثير الشكوك بشأن جدية أميركا في موضوع الاصلاح العربي ان الإدارة الأميركية الحالية تتحالف مع إسرائيل بشكل لا نظير له وهو ما يلحق آثارا سلبية بالحق العربي·
وقال ان العالم العربي يتطلع بكل قوة وتصميم للاصلاح ويتجاوب مع رغبات ذاته لا أوامر غيره، واصدرت قمة تونس العربية الأخيرة وثيقة تؤكد التنمية والتطور والتحديث، وانفتحت الأبواب أمام منظمات المجتمع المدني وعقدت منتديات ومؤتمرات كثيرة مثلما حدث في صنعاء والاسكندرية ومراكش ودبي، وفي قمة الجزائر القادمة ستقدم الدول العربية بيانا بما تم انجازه على صعيد الاصلاح الديمقراطي واحترام حقوق الانسان وتمكين المرأة والتنمية المستدامة والشفافية ومحاربة الفساد، والنهوض بالتعليم·
واضاف بأن هناك بعض الشائعات التي تربط الاصلاح الداخلي في الدول العربية بالتوصل الى تسوية شاملة وعادلة ودائمة للقضية الفلسطينية، إلا أن ذلك لا أساس له من الصحة، مشيرا الى ان القضية الفلسطينية لا تعوق حركة الاصلاح، والاصلاح لا يهمش اهتمامنا بهذه القضية المصيرية، والمطلوب في المرحلة المقبلة هو المضي قدما في الاصلاح الشامل والاصرار على حل القضية الفلسطينية لانها مسألة سياسية واستراتيجية ونفسية وضميرية· فلا توجد معركة بين الدول العربية واميركا فيما يتعلق بالاصلاح وإنما الخلاف الحقيقي يتعلق بالقضية الفلسطينية التي تمثل ضمير الاجيال العربية وتشكل فكرها السياسي، ولا تجد المجتمعات العربية مبررا لتقديم فلسطين للكيان الاستيطاني الاسرائيلي·
وقال السفير عبدالرءوف الريدي- رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية- ان قضية الاصلاح في الدول العربية قضية أمن قومي بغض النظر عن مطالبة اميركا وان مسيرة الاصلاح الاقتصادي في مصر تعثرت لغياب الديمقراطية وغياب الدور الذي يجب ان يقوم به البرلمان المنتخب في مراقبة ما تؤديه الحكومة رغم ان مصر عرفت المجلس النيابي المنتخب منذ عام ·1866
اصل وصورة
وأكد د· مصطفى الفقي- رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري- ان على العرب مسؤولية كبيرة في تكوين الصورة النمطية عنهم وانها في كثير من الاحيان صحيحة- وان كانوا لا ينكرون انها تنطوي على تعميمات مطلقة وتهويل اعلامي- فالعرب منهم من لا يحترم المرأة ومنهم من يقوم بأعمال ارهابية ومنهم من ينفق ببذخ والحل الوحيد من اجل تحسين تلك الصورة هو تحسين الاصل، لان الاصل السيئ تنتج عنه بشكل منطقي صورة سيئة·
وأوضح ان اخطر ما نتعرض له في هذه المرحلة هو ان نقوم- ربما بغير وعي- بمساعدة الغرب في تأكيد ما يسعى اليه وما يتجه لتحقيقه بينما الاصل في العلاقة بين الحضارات انها تقوم على التواصل البناء والتبادل المشترك والنظرة الايجابية، مشيرا الى انه لا يتصور احد ان يوضع الاسلام في خندق الارهاب بينما الذين برعوا فيه وزرعوا بذوره هم الذين يتحدثون عن الحريات، كما انه ليس من العدل ان يجري تعميم سلوك فئة محدودة في العالم الاسلامي، لكي تكون هي دون غيرها التعبير الوحيد عن حضارة شامخة وتراث ضخم ودين جنيف·
وقال د· اسامة الغزالي حرب -رئيس تحرير مجلة 'السياسة الدولية'- ان مفهوم الاصلاح شامل من حيث مكوناته والقوى المبادرة به أو الداعمة له، فالاصلاح -وإن احتل الشق السياسي موقع الصدارة فيه- إلا انه ايضا اصلاح اقتصادي واجتماعي وتعليمي وثقافي، والقوى المدعوة للمبادرة بالقيام بالاصلاح تضم الحكومات، مثلما تضم قوى المجتمع المدني والقطاع الخاص·
وأوضح ان الاميركيين -في سعيهم لاكتساب المساندة الدولية ولتقليل المعارضة الاسلامية العربية لخططهم إلى حدها الادنى- سلموا بأن الاصلاح لا يمكن فرضه من الخارج ويجب ان يكون نتاجا لحركة القوى الداخلية في مجتمعاتها وان تراعي عمليات التغيير خصوصية وتفرد المجتمعات محل التغيير، بل واختلاف درجة نضجها وتقبلها للتغيير وسلم الاميركيون بأهمية انهاء الصراعات المزمنة في المنطقة، وعلى رأسها الصراع العربي -الاسرائيلي كشرط محفز لعمليات الاصلاح·
وأكد ان الاصلاح الديمقراطي والاقتصادي والثقافي يسعى ان يكون مطلبنا ومصلحتنا فإذا كان الاخرون يطالبوننا به، حماية لمصالحهم ودعما لامنهم، فلا بأس وليقوموا هم بواجباتهم التي ألزموا بها مثل العمل الجاد لانهاء الصراع العربي -الاسرائيلي وانهاء احتلال العراق والمعاونة في انهاض وتنشيط اقتصاداتنا المنهكة في لحظات تحولها الصعبة، وفي هذه الحالة لن يكون علينا سوى ان نمضي بحسم وجدية على طريق الاصلاح، فليس هناك طريق اخر·
وقال د· محمد شاكر -نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية- إن الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع ديمقراطيات معادية كخيار أو بديل أفضل من التعامل مع ارهاب مستتر، مضيفا ان تعبير الشرق الاوسط الكبير ظهر منذ خمس سنوات في دراسة اعدتها وزارة الدفاع الاميركية 'البنتاجون' وناقشها المعهد الملكي البريطاني للدراسات الاستراتيجية وجاء فيها أن اسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة أو واحة الديمقراطية وسط صحراء شاسعة من الديكتاتورية، وهو ما يبرز مدى الحاجة لتحول ديمقراطي حقيقي ومجتمع مدني اصيل وصريح يسعى لتحقيق مصالح بلده·
واشار د· محمد السيد سعيد -نائب مدير مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية- الى تغير الادراك الاميركي لمصر بعد احداث 11 سبتمبر، حيث كانت مصر واحدة من اكثر المجتمعات التي تتسم بالعقلانية والبرجماتية والسلام وفجأة انتقل الامر بـ 180 درجة بحيث اصبح المجتمع المصري ينتمي الى الارخبيل العربي الاسلامي الذي ينتشر فيه الفساد والتطرف الديني والتدهور التعليمي والتخلف الاقتصادي، مضيفا ان مصر لم تستفد من 70 مليار دولار معونات اميركية بسبب الفشل الاقتصادي علاوة على تآكل النفوذ الثقافي المصري، وهو ما يؤكد الحاجة لمشروع نهضوي ذي مكون عربي اسلامي يمتزج بالقيم الغربية·
وأكد ان مشكلة الجالية العربية في الولايات المتحدة هي العداء للثقافة الغربية وعدم امتلاك ثقافة الديمقراطية والمشاركة السياسية وصعوبة الاندماج مع الاخر والانغلاق والتقوقع على الذات في الوقت الذي تمثل فيه الولايات المتحدة ابرز نموذج للمجتمع التعددي·
وقال د· مراد غالب -وزير خارجية مصر الاسبق- ان الرئيس الاميركي الراحل جون كيندي ارسل خطابا الى الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر عام 1963 حدد فيه المطالب الاميركية من مصر وتلخصت في ان تقبع مصر داخل حدودها مع تحديد حجم وتسليح القوات المسلحة المصرية والتفتيش على المنشآت النووية والصلح مع اسرائيل، مشيرا الى ان هذه المطالب نفذت بالكامل حاليا، وهو ما يعني تكريس 'القطرية' في العلاقات الدولية ورغبة الولايات المتحدة في التعامل مع الدول العربية 'دولة دولة'·
وقال د· عليّ الدين هلال -وزير الشباب المصري السابق- ان دعوة الولايات المتحدة للاصلاح الديمقراطي في العالم العربي بدأت في التسعينيات وتحديدا مع مجيء ادارة كلينتون وجاءت احداث 11 سبتمبر لتعطي زخما للموضوع حيث امطرت السماء مبادرات ما بين اميركية واوروبية وعربية، مشيرا الى ان هناك نوعا من الاضطراب في التفكير الاميركي بشأن الاصلاح والاوضاع القائمة في العالم العربي، فالولايات المتحدة حائرة بين الرغبة في نشر الديمقراطية والخوف من ان تؤدي ديمقراطية حقيقية الى وصول اتجاهات اسلامية معارضة للسلطة·
واضاف ان الولايات المتحدة راغبة في نشر المفاهيم الديمقراطية اخلاصا لمبادئها وافكارها ولكنها تدرك ان الحكومات التي تصفها بانها غير ديمقراطية تعمل كحاجز يحميها من مشاعر معادية يمكن ان تنفجر في أي لحظة، مشيرا إلى انه لم يعد مقبولا التذرع بأي حجج للاستمرار في طريق معاداة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في العالم العربي، وهو ما يتطلب توفير الإرادة مثلما حدث في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية وأوكرانيا، وغيرها·
وقال عبدالعليم الأبيض- وزير مفوض بوزارة الخارجية المصرية- ان الاصلاح السياسي والاقتصادي والتربوي هو مصدر قوة البلاد العربية، وبدون التركيز في المرحلة المقبلة على التطوير الداخلي سيستمر الوضع العربي على حالته المتدهورة، ولا يوجد برنامج زمني محدد للاصلاح في دولة عربية واحدة والمنتديات التي تعقد في العواصم العربية لا تلزم الحكومات بتقديم 'آليات' لتنفيذ ما تطرحه، موضحا ان عمليات الالهاء والمراوغة التي تتبعها الحكومات تزيد من حين لآخر، وهو ما يدفع المواطنين إلى الاحجام عن المشاركة السياسية·
وذكر عاطف الغمري -الخبير في الشؤون الاميركية- ان هناك توجها شموليا في الفكر السياسي الأميركي تجاه العالم العربي انطلاقا من مقولة 'من ليس معنا فهو ضدنا' وهو تكريس لنزعة الانفرادية بالإضافة إلى تجاهل دور الأمم المتحدة والإجراءات التي اتخذتها أميركا ضد مؤسسات اعلامية عربية في تغطية حرب العراق وموقفها من تقرير التنمية الإنسانية العربية الأخير الذي يناقض دعوتها للاصلاح العربي·وأشار د· السيد أمين شلبي -المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية- إلى الجدل الذي ثار في المجتمع الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وخلص إلى ان العناصر الإرهابية التي ضربت مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع هي محصلة مجتمعات غابت عنها الديمقراطية والمشاركة السياسية، فأصيبت هذه العناصر بأمراض اليأس والاحباط في الوقت الذي تنتشر فيه البطالة ويزداد الفساد ويتدهور التعليم لدرجة انه يحض على الكراهية وعدم التسامح ونفي الآخر، وهو ما يتطلب خلق مجتمعات جديدة عبر مشروع 'الشرق الأوسط الكبير'·
وأوضح السفير د· مصطفى عبدالعزيز -مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق- ان طرح الولايات المتحدة لقضية الاصلاح يهدف إلى تمزيق ما تبقى من روابط بين الحكام العرب والشعوب وأهمها الاحتضان العربي للقضية الفلسطينية من خلال الاشغال التام والالهاء للدول العربية بالدفاع عن النفس والحصول على صك البراءة المتمثل في التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يجعل المبادرات الأميركية تحمل 'التآكل' في مصداقيتها مستقبلا، مطالبا بالربط بين الاصلاح السياسي والتطور الاقتصادي ضمن برنامج زمني محدد والبعد عن 'المكياج' السياسي، لان الوجه الحقيقي لا بد ان يظهر في المرايا·

اقرأ أيضا

مقتل سائح فرنسي وإصابة جندي في عملية طعن شمالي تونس