صحيفة الاتحاد

ثقافة

مبدعون ومثقفون يستعيدون الإسهامات والمواقف الثقافية للراحل أحمد راشد ثاني

سالم بوجمهور (يمين) وخالد البدور خلال الجلسة التأبينية

سالم بوجمهور (يمين) وخالد البدور خلال الجلسة التأبينية

أقام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات مساء أمس الأول بمقره الرئيسي في قناة القصباء بالشارقة، جلسة تأبينية تناولت المواقف الحياتية والإسهامات الأدبية للشاعر والباحث والمسرحي الإماراتي الراحل أحمد راشد ثاني.
حضر الجلسة التي أقيمت في القاعة التي حملت ــ وفي التفاتة ثقافية وإنسانية مقدرة من الإتحاد ــ اسم (أحمد راشد ثاني) حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وعائلة الفقيد، وشارك بها مجموعة من الشعراء والنقاد والمثقفين الذين جمعتهم مع الراحل صلات روحية واجتماعية وثقافية طويلة وممتدة تلامس البدايات الأولى التي تشكلت خلالها صورة وملمح المشهد الثقافي في الإمارات، وبكل تيارات هذا المشهد واتجاهاته التي تضمنت ولادة القصيدة الحديثة ووقوف أحمد راشد ثاني بقوة خلفها وتأكيد حضورها وتأثيرها المتوهج في أرض بكر ومناخ جديد تعامل مع هذه القصيدة بتردد، ولكنه سرعان ما احتضن الشعراء الشباب الذين تصدوا لها وأنتجوها بشكل متوازن ومرن مقارنة بالقصيدة الكلاسيكية التي كانت سائدة في تلك الفترة.
قدم للجلسة الشاعر خالد البدور الذي أشاد بمبادرة اتحاد الكتاب في الاحتفاء بالمنجز الإبداعي المهم الذي تركه أحمد راشد، وتحدث عن الفترة الذهبية التي جمعته بالراحل، والتي تأسست على علاقة إنسانية وشعرية تشكلت في بداية الثمانينات إبّان الفورة الثقافية والحراك الأدبي الذي كان مشمولا بحماس ذاتي كبير، ومتوفر على طموح مشترك لخلق وتكوين حالة ثقافية مختلفة وصادمة لا تخلو من أحلام ورؤى تحلق في أفق الحرية والتغيير والتعبير الشعري الجامح.
وقال البدور في مستهل شهادته “أستعيد الآن مشاهد وأصداء أول أمسية شعرية ألقاها أحمد راشد باللهجة العامية في قاعة أفريقيا بالشارقة، وكان شعره وقتها مختلفا ومفاجئا ومدهشا مقارنة بالشعر الشعبي السائد في تلك الفترة” وأضاف البدور “تواصلت بعد ذلك لقاءاتي مع أحمد في جامعة الإمارات، حيث اكتشفت مدى إخلاصه للكتابة والقراءة، وكان يخزّن في تلك الفترة الكثير من المشاريع الثقافية المتعلقة بالشعر والسرد والمسرح وغيرها من المشاريع التي ترجم بعضها على أرض الواقع مثل إنشاء فرقة المسرح الحر بالجامعة، وكنا نعمل بشكل حثيث على إحياء وتفعيل هذا المسرح الوليد بكل طاقاتنا الجسدية والإبداعية”.
أما الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم فألقى كلمة معبرة ومتداخلة مع جو الفقد والخسارات المشتركة التي تلمسها كافة المبدعين في المكان بعد غياب واحد من أهم المؤسسين والمشاركين في الحياة الأدبية المحلية، وقال إبراهيم “قبيلة الشعر في الإمارات نقصت شاعرا، وسيمفونية البحار الحزين فقدت عازفا مهما، لذا فالقبيلة ترفع لوائها الأسود، وتحفر مرثيتها على صخرة البوح، أما السيمفونية فبفقدها أحمد راشد ثاني هي عرجاء ولا تكاد تطرب” وأضاف “كيف له أن يموت من نثر قصائده بذور فرح في صحراء الناس، وتركنا لعناية الغيم والعشق والثورة، كيف له أن يموت من ترك هالته تتلو تراتيل قلبه على كرسي جلس عليه يوما في مقهى من مقاهي العالم، كيف له أن يموت من ترك خلفه كتابا أو قصيدة، أو فكرة تحيى بعده ما شاء الله لها أن تحيى من الحس والفكر الإنسانية”.
ثم تحدث الشاعر والمسرحي مرعي الحليان، مشيرا إلى أن غياب أحمد راشد هو فقدان لنورس مضيء من نوارس الوطن، حمل معه وجع الأرض والكتابة والمسرح والبحث الرصين والجاد.
وأشار الحليان إلى أن بصمات أحمد راشد ما زالت واضحة في المشهد المسرحي، خصوصا وأنه كان من المؤسسين الأوائل للمسرح الحر في جامعة الإمارات، ومسرح خورفكان الوطني، وكان تأثيره قويا على كتاب المسرح الذين ساهموا في تطوير الحركة المسرحية في الدولة مثل ناجي الحاي وسالم الحتاوي وإسماعيل عبدالله الذي صرح أكثر من مرة أنه تعلم الكتابة المسرحية على يد أحمد راشد، وأنه تأثر بأسلوبه الشعري المتدفق، والذي يحمل مضامين وأبعاد جمالية عميقة وموحية.
وأوضح الحليان أن المسرحيات التي كتبها أحمد راشد مثل: “ قفص مدغشقر” و”العب وقول الستر” تمتعت بجرأة كبيرة لا تعرف المهادنة والمراوغة، وبالتالي كان من الصعب تجسيدها على خشبة المسرح، ولم يكن أحمد يقبل بتغيير المسارات الرئيسية في مسرحياته كي تكون ملائمة للعرض أمام الجمهور، وأضاف الحليان بأن أعمال أحمد راشد المسرحية تتوفر على تكنيك عالي يلامس الكتابة الاحترافية التي تحفر بعمق في الدراما الحقيقية والمتوهجة التي يتضمنها المسرح المعاصر.
قرأ بعدها الإعلامي والمسرحي جمال مطر نماذج من القصائد العامية التي أبدع احمد راشد في تكوين علاقة لغوية متفردة مع حمولاتها اللفظية والجمالية، وقرأت حمدة خميس قصيدة مهداة للراحل ومنها المقطع التالي: “مررت بك، أو مررت بنا، شهابا عابرا، وأضأتنا، كنا التقينا عند المفترق الصعب، وعند مفترق النهر نقشنا معا توق أرواحنا، لم تكن نسمة، رقة، زهرة، طائرا، أو مطر، كنت العناصر في أوج فتنتها، تجمعت وتفرقت بيننا”.
أما الناقد صالح هويدي فأشار إلى أن أحمد راشد كان مبدعا وشاعرا حقيقيا، وكان يحمل في نتاجاته المكثفة دلالة من يمتلك بصمة الإبداع المتفردة، وقال “إنه كمثقف عرف الشرط التاريخي المحيط به وذهب نحو كل أنماط الفنون وعدها قضيته الأولى حين وعى حاجة البلد لم يؤسس لظواهرها الثقافية وعلى رأسها قضية التراث الشفاهي المهدد بالتلاشي والنسيان مع غياب الرواة وكبار السن الذين يحتفظون في ذاكرتهم بأهم ملامح ومكونات هذه الذاكرة الخصبة”، وذكر هويدي أن شعر أحمد راشد له نكهته ورائحته المتميزة، وهو واحد من أهم الذين أسسوا للحداثة الشعرية في الإمارات والتي استمات في الدفاع عنها ومساندتها بكل الطرق والوسائل، وهو أيضا صاحب بصمة في المقالة الصحفية وكان له أسلوب طازج وحار وجرئ ومتوفر على الأخيلة والمفارقات اللغوية المدهشة.
أما الشاعر سالم بوجمهور فتحدث عن الابتهاج والفرح الداخلي الذي عاشه أحمد راشد بالتزامن مع قيام ثورات الربيع العربي، التي وجد فيها أحمد أفقا جديدا ومفاجئا ومبشرا يزدحم بالحرية والتوق للخلاص من الاستبداد الروحي والفكري الذي هيمن طويلا على العالم العربي.
كما تحدث في الجلسة التأبينية عدد من الشعراء والنقاد والإعلاميين أمثال عمر أبوسالم وفؤاد زيدان وإبراهيم الوحش وزكريا أحمد الذين عرجوا على التجربة الثقافية والإبداعية المتميزة والمحتشدة بعنفوانها وتألقها والتي تركها الشاعر كميراث ذهبي ومتجدد للأجيال القادمة من الكتاب والشعراء في الإمارات.