صحيفة الاتحاد

تقارير

قمة «الدول الأميركية»: هل تَحْضُر كوبا؟

ليس من السهل الجلوس على نفس الطاولة مع شخص لا تجمعك به سوى الخلافات الجوهرية، مع اعتقاد راسخ بأنه لا يستحق أصلاً الجلوس إلى الطاولة. لكن أوباما قد يجد نفسه في موقف مماثل أثناء انعقاد قمة الأميركيتين خلال شهر أبريل المقبل بقرطاجنة بكولومبيا، حيث يتوقع أن يشارك في القمة إلى جانب 33 رئيس دولة آخر من المنطقة ينتمون جميعاً إلى منظمة الدول الأميركية.
والمشكلة أن العديد من تلك الدول هددت بمقاطعة القمة في حال لم توجه الدعوة إلى كوبا. وتشكل هذه المواجهة حول حضور الرئيس الكوبي راؤول كاسترو ممثلاً لبلاده في القمة، أو احتمال مقاطعة دول مثل الإكوادور وبوليفيا ونيكاراغوا وفنزويلا والعديد من بلدان الكاريبي للقمة، إذا أقصيت كوبا، امتحاناً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة على القيادة وبناء توافق مع دول المنطقة، دون أن يؤدي ذلك إلى التخلي عن المبادئ أو تقديم تنازلات كبيرة.
فقبل ثلاث سنوات واجهت إدارة أوباما موقفاً مماثلاً في إحدى لقاءات منظمة الدول الأميركية بالهندوراس، بحيث أصرت دول أميركا اللاتينية على إلغاء تعليق مشاركة كوبا التي ترجع إلى سنة 1962 وبالتالي إنهاء انقسامات حقبة الحرب البادرة.
وفيما اختارت الولايات المتحدة وقتهـا عدم الوقـوف في وجـه إلغاء التعليق والسماح بمشاركـة كوبـا، فإن وزيرة الخارجيـة الأميركية أصرّت أيضاً على عدم التسرع بقبول عضوية كاملة لكوبا في المنظمة مع ما يتيحه لها ذلك من حق التصويت، فقالت دفاعاً عن موقف أميركا: "لقد أظهرت الدول الأعضاء في المنظمة قدراً من المرونة والانفتاح نتج عنه التوصل إلى إجماع بشأن قضايا المستقبل بدل التركيز على الماضي.
وعليه تستطيع كوبـا العودة إلى المنظمة في المستقبل، إذا ما رأت أن كوبا قد استوفت الشروط والمبادئ العامة للمنظمة، بما فيها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان".
وإذا كان هذا التنازل الأميركي المشروط بانضمام كوبا إلى المنظمة قد أثار حفيظة مناهضي كاسترو في الداخل الأميركي، فإن الخطوة ساهمت في رأب الصدع مع منطقة متشككة تسعى إلى الوحدة أكثر من أي شيء آخر.
لكن بعد ثلاث سنوات على ذلك التاريخ، تظل المنطقة منقسمة على نفسها بشأن انضمام كوبا، وبدلاً من التركيز على القضايا والانشغالات الأساسية للمنطقة، تواجه القمة مرة أخرى خطراً حقيقياً بسبب الموضوع الكوبي، بحيث يتعين على الولايات المتحدة اليوم الاختيار بين الإصرار على موقفها الرافض لانضمام كوبا والتسبب في مقاطعة دول أخرى للقمة، أو مقاطعتها هي نفسها، أو السماح لكوبا بالمشاركة في القمة كمراقب.
والحقيقة أن الاستقرار على أي من الخيارين الأوليين يضعف مؤسسات القمة، كما يقوض المصالح الأميركية في منطقة مهمة. فرغم عيوبها ومحدودية تأثيرهـا، تظل منظمة الدول الأميركية مكاناً مهماً للتعاون بين الأميركيتين وضمان شيء من القيادة للولايـات المتحـدة، لذا يبقـى الحـل الثالث، والمتمثل في حضـور كوبـا كمراقـب، هو الأخف بين جميع الخيارات المطروحة.
ومع أن البعض قد يجادل بأن المنظمة ستضعف في حال مشاركة كوبا في القمة، إلا أنه طالما ظلت كوبا مراقباً فقط لا يحق لها التصويت، وبالتالي فإن المُثل والمبادئ التي قامت عليها المنظمة ستستمر دون مشاكل، كما أن وزير خارجية كوبا نفسه، "برونو رودريجز"، وفي انسجام مع المواقف التقليدية لبلاده من المنظمة التي يعتبرها "وزارة الاستعمار"، أكد للمراقبين أنه حتى لو حضرت كوبا القمة فهي لن تنضم إلى منظمة الدول الأميركية، مبرراً ذلك بقوله: "إنها منظمة عملت على تعزيز هيمنة الولايات المتحدة واحتلالها وسياساتها العدائية، كما أنها منصة تنطلق منها أميركا لمهاجمة أميركا اللاتينية ودول الكاريبي وسرقة مقدراتها".
لكن إذا كان الأمر كذلك من وجهة النظر الكوبية، فما الذي يفسر حرص هافانا على المشاركة في القمة المقبلة؟
ربما يكون السبب مجرد محاولة لإثارة الشغب، إلا أنه وفي ظل حالة الغموض التي تلف مستقبل فنزويلا، الحليف الأوثق لكوبا في المنطقة، على خلفية اعتلال صحة رئيسها شافيز، قدرت كوبا أنها في حاجة إلى دعم جميع الأصدقاء المحتملين وهي مقبلة على عملية إعادة الهيكلة الاقتصادية.
والأكثر من ذلك، تريـد كوبـا المشاركـة حتى تظهر للمنطقة أنها ليست دولة معزولـة بقدر ما هي بلد يعارض لأسباب منطقية، فضلاً عن رغبتها في رؤية كيف سيتعامل أوباما مع راؤول على هامش القمة. ولا ننسى أن حضور راؤول القمة سيشكـل فرصة لأوباما ليعيد التشديد على موقف الولايات المتحدة الراسخ من أن منظمة الدول الأميركية يجب ألا تتنازل عن المبادئ الديمقراطية التي تدافع عنها. لكن ماذا لو تحولت كوبا فيما بعد للمطالبة بالانضمام الفعلي إلى المنظمة وعدم الاكتفاء بدور المراقب؟
الحقيقة أن الولايات المتحدة أعلنت بوضوح ومنذ البداية أن ذلك لن يحدث إلا في ظل انخراط كوبا في الإصلاحات الديمقراطية، بل إن الولايات المتحدة في حال استمرارها السماح لكوبا بحضور الدورات المقبلة للقمة كمراقب، فإن ذلك قد يفتح المجال لممارسة المزيد من الضغط على القيادة السياسية في كوبا ودفعها إلى الانفتاح السياسي، كما أن باقي دول المنطقة لن تجد ما تبرر به تعاطفها مع كوبا، إذ لا أحد يستطيع معارضة شرط الإصلاح والديمقراطية للانضمام إلى المنظمة.

آنيا لاندو فرانش
كاتبة أميركية متخصصة في شؤون أميركا اللاتينية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»