الاتحاد

أخبار اليمن

أطفال اليمن ضحايا قذائف الحوثيين

ابتهال الصالحي (عدن)

أسفرت الحرب في عدن عن خسائر بدنية ونفسية فادحة لدى الأطفال، فقد شهدوا رعباً لا يمكن وصفه، يصارعون من أجل نسيانه، حين دمرت القذائف والصواريخ منازلهم ومدارسهم وقتلت أصدقاءهم وأفراد عائلتهم أمام أعينهم، أصوات المدافع أصمت أذانهم وأزيز الرصاص
روّع قلوبهم، ومأساة النزوح والبحث عن مكان أكثر أمناً من البيت الدافئ الذي طالما كان هو الأمان لهم، ومشاهد القتل والدمار شريط يتجدد أمام أعينهم كل يوم. هذا ما عايشه أطفال عدن لمدة أربعة اشهر ليلاً ونهاراً، تتبدل المعاناة بين مئات الصور التي شاهدها الأطفال، تضيع طفولتهم وتزداد آلامهم في حرب صنعها الكبار ودفع الأطفال ثمنها باهظاً، ولكن رغم كل القتامة في المشهد بدت ملامح الأمل في وجوههم البريئة النظرة وفي بريق عيونهم الصافية كمياه بحر عدن..
جريدة «الاتحاد» التقت بأطفال من مناطق مختلفة بعدن، يحملون مع نبضاتهم أريج الحب والبراءة، يحلمون بوطن حر آمن بعد انتصار كبير لرجال المقاومة الجنوبية وبمساندة قوات التحالف العربي، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، التقيناهم، وفي حوارهم لمسنا طاقة إيجابية وإصراراً على المضي قدُماً، وبأملهم في المستقبل فهم مثال لشعب يرفض أن ينكسر.

الطفلة النازحة
تمنت سهام أن لا تكنى بالنازحة وأن تعود إلى بيتها! سهام وعائلتها المكونة من 5 أفراد فروا من منزلهم في ليلة غاب عنها ضوء القمر، بعد أن تساقطت القذائف حاملة معها الموت المحقق، حيث تسكن في منطقة البساتين بعدن، نجو بأرواحهم تاركين خلفهم كل شيء..تقول سهام ذات الأعوام الستة: «هربنا من القذائف ولم آخذ معي عروستي وثيابي»، سهام وعائلتها نجت بأعجوبة في تلك الليلة التي قررت فيها عصابات حلفاء الموت باستهداف الحي الذي تسكن فيه عائلتها ومسحته من على وجه الأرض!! فرت العائلة بأطفالها، والتي كانت سهام أكبرهم وأختاها الأصغرتان منها سناً، ناجين بحياتهم، تاركين كل شيء خلفهم فقط بما عليهم من ثياب، ليلجأوا إلى إحدى المدارس، وليحيوا حياة مريرة في ظل ازدحام شديد وحر لا يطاق وغياب كل الخدمات عنهم وشحة في الطعام ولمدة ثلاثة أشهر عانوا ما لم يكن يخطر في بالهم مطلقاً أن يعيشوه!! وبعد أن تحررت المدينة عادوا لحيهم، ليجدوا البيت وكل ما فيه سوي بالأرض، تقول سهام: بكيت كثيراً جداً، فكل ألعابي ودفاتر الرسم وألواني انتهت.. لن تعي سهام أن المأساة أكبر بكثير من مجرد ألعاب وكراسات رسم وأقلام تلوين، لم تعي بأن عصابات الموت وحلفاء الظلام أرادوا حرمانها ذكرياتها وتشويه أحلام الطفولة وسحق كل الأمنيات التي كانت مختزلة بكراسة الرسم بالنسبة لسهام.
سهام التي انتقلت هي وعائلتها من المدرسة للسكن مع أحد الأقارب بعد أن ابتدأ العام الدراسي الجديد وتوجب إخلاء المدارس، الأطفال في الحي ينادونها بسهام النازحة، وهي لا تحب هذا اللقب! وتتمنى أن تعود سريعاً لبيتها ولأصدقاء الحي ولروضتها، وتعيش بأمان، وتحلم بان تكون عندما تكبر، مثل «الكابتن طيار مريم» سألتها لماذا؟ قالت لأنها دمرت الدبابة التي استهدفت منزلها! سهام تلك الطفلة البريئة لم تكن تحمل مشاعر الحقد والانتقام بالفطرة، ولكن عصابات الموت هي من ولدت فيها تلك المشاعر السلبية، عندما لم تجد مبرراً لاستهداف منزلها وحرمانها من الملاذ الآمن، ومن كل شيء ثمين كان عندها، وأصبحت في حياة العوز شأنها شأن الآلاف من الأطفال وعائلاتهم.
سهام وغيرها من الأطفال هم ضحايا عدم الأمن والاستقرار والصراع القائم، يحلمون بالعودة إلى منازلهم ومدارسهم، إلى الاستقرار والأمان، فقد أفقدتهم الحرب كل ذلك، وأصبح حلم العودة يراودهم كل الوقت، ومع هذا ترى سهام وأخواتها وغيرها الكثير من الأطفال يلعبون في أزقة الحي وأصوات ضحكاتهم تملأ المكان رغم كل شيء مر بهم إلا أن اللعب ملاذهم الوحيد الذي ينسيهم كل شيء!!

انتهت الحرب وبالغناء نستمر
عندما تندلع الحرب، تنتشر أخبارها في كل مكان، فتترك آثارها السيئة على نفوس الأطفال، آثار الحروب كثيرة، فهي تدمر الاقتصاد القومي والعمران والبنية التحتية للدولة، أما أكثر نتائجها مأساوية تلك التي تلحق بنفوس الصغار وترافقهم طيلة سنوات حياتهم. قد يسهل الحديث عن الآثار التي تصيب الأطفال من الحروب سواء عايشوها أو شاهدوها، لكن تجارب الآباء والأمهات مع هؤلاء الأطفال هي التحدي الذي يواجه كل أسرة.
تقول أم أمير ذي السنوات الخمس : إن طفلها كان ينخلع رعباً من شدة أصوات الانفجارات والقذائف التي كانت تستهدفهم في الشارع الرئيسي بالمعلا، والتي حرصت على استخدام جميع السبل للتهدئة من روعه، وغالباً ما تنجح في ذلك، ولكنها باستمرار تقف عاجزة عن الإجابة عند سؤالها «ليش يا ماما يقتلونا؟!».
وبعد أن انتهت الحرب وتحررت المدينة، عاد أمير كسابق عهده يلهو ويشاكس كل من حوله أو كما يبدو لأمه، ولكنه ما إن يسمع صوتاً مرتفعاً حتى يتجمد الدم في عروقه، ويصاب بنوبة هلع، وهذه ردة فعل طبيعية لما مر به من تجربة قاسية، أمير رغم كل ما مر به يحلم أن يكون مطرباً مشهوراً، وقد ردد لنا أغاني انتشرت وتداولت كثيراً في فترة العدوان على عدن، وكلها أغانٍ ثورية حماسية جميلة.. هذه عدن وأطفالها الذين لا يقبلون الهزيمة،ً ودائماً ما ينتصرون.
على استحياء وخجل بريء تحدثت لنا الطفلة الجميلة نور ذاكر (11 سنة) في الصف الخامس في مدرسه الحصاد النموذجية عن تجربتها في الحرب، والتي- ولله الحمد- لم تتعرض لمواقف موجعة من مشاهد القتل والدمار، لأنها كانت تسكن في منطقة بعيدة نسبياً عن مناطق الاشتباكات، ولكنها طفلة حساسة جداً، وتألمت كثيراً لما كانت تسمع من أعمال قتل ودمار ومن مشاهدة الأطفال الذين نزحوا إلى حيها من مناطق أخرى، فقد تأثرت كثيراً بحكاياتهم إلا أنها لم تنكسر، وولّد إحساس الألم لديها إصراراً كبيراً بالاستمرار والحلم بغد أفضل، نور تحلم أن تكون طالبة متميزة في المدرسة لتصل إلى التعليم الجامعي، وأن تصبح مهندسة معمارية ناجحة لتبني الوطن من جديد، بعد أن دمرته عصابات الظلام. وتحلم بالأمن والأمان والتعليم المجاني، وتخاف من الحرب ومن ما بعد الحرب من أخطار، وتتمنى أن تنتهي كل الحروب في العالم.
ولأن عدن تتميز بموهبة أطفالها كان لدى نور ومجموعة من أصدقائها تجربة تمثيلية استوحوها من معاناتهم في الحرب التي عاشوها، فاستغلوا أوقات الفراغ ونفذوها، وكانت بعنوان «قوَتنا في أخوتنا»، وهي عن خمسة إخوة توفي أبواهم، وواجهوا مصاعب الحياة، ولكنهم رغم ذلك ثبتوا بقوة وعزيمة، وتماسكوا وظلت حياتهم متماسكة عبروا فيها كل الصعاب التي واجهتهم.
سامي سهيم حسن (10 سنوات) أيضاً كان من هؤلاء الأطفال المبدعين الذين ولّدت لديهم قساوة العدوان على عدن إبداعاً وتسخيراً للمعاناة في خلق عمل فني نال استحسان الكثيرين، سامي يهوى الغناء والتمثيل والكتابة والتأليف، ويحلم بأن يكون نجماً لامعاً ومشهوراً مع أفراد فرقة «فرحة عدن»، ويتمنى أن تكون اليمن بأمن وأمان، وأن ينتهي الفقر فيها، ويعم الخير على الناس في كل مكان.

الهلال الإماراتي يعيد البسمة للأطفال
دائماً جهود الهلال الأحمر الإماراتي حاضرة مع عدن وأطفالها، ففي وقت الحرب كانت سُفن الإغاثة هي أولى السفن التي وصلت للمدينة المحاصرة والتي لم تنس حصة الأطفال الخاصة من مستلزمات غذائية ودوائية، وفي فترة السلم كان أيضاً الهلال الأحمر الإماراتي حاضراً، وأبى إلا أن يزين فرحة العيد لأطفالنا، العيد الذي حل بعد أسابيع قليلة من تحرير المدينة، فصار العيد عيدين، وكان للهلال الأحمر الإماراتي دور كبير في الابتهاج به من خلال رعايته الكريمة لفعاليات وأنشطة مهرجان «بسمة طفل»، والتي شملت عروضاً مسرحية وفقرات رقص شعبية، إلى جانب فرقة الإكروبات وألعاب بهلوانية، ومعرض منتجات شعبية، ورسم وجوه الأطفال ورسم بالحناء للأطفال، وعروض الزوارق البحرية، بالإضافة إلى عرض للألعاب النارية، ومسابقات أطفال وجوائز، وغيرها من الأنشطة والفعاليات الترفيهية التي زينت العيد بعدن ورسمت ابتسامة كبيرة على وجوه أطفالنا.
كما رعى الهلال الأحمر الإماراتي ضمن الأنشطة التي قدمها في عدن فعاليات مهرجان «عيدنا عيدين» على خشبة مسرح حديقة فن ستي بمديرية صيرة، ولم ينس الهلال الأحمر الإماراتي الأطفال المعاقين، حيث قدم كسوة العيد للمئات منهم، وأيضاً شمل بدعمه أبناء الشهداء والجرحى في المستشفيات من الأطفال، ويأتي كل ذلك بهدف رسم البسمة على وجوه الأطفال وإعادة الحياة لهم بعد الحرب المدمرة التي شنتها ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح على مدينة عدن، وأثرت نفسياً على أطفال وأهالي هذه المدينة الساحرة.

اقرأ أيضا