الاتحاد

عربي ودولي

سوريا ·· بين الوحدة الوطنية والجبهة الوطنية

دمشق ـ جميل الجند ي:
يجري تداول مفهوم الوحدة الوطنية في الإعلام السوري كتعبير متطابق مع مفهوم الجبهة الوطنية أو متقارب معها على أقل تقدير ·
وربما كان هذا التطابق في المعنى عائداً بصورة أساسية إلى الأدبيات التي تحدثت عن المقاومة الفرنسية لمرحلة الاحتلال النازي لفرنسا خلال فترة الحرب العالمية الثانية لأن الجبهة الوطنية التي قامت في فرنسا بقيادة الجنرال ديجول كانت تضم كل القوى السياسية والأحزاب التي تسعى إلى طرد الاحتلال من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين لم يكن هناك أي فرق بين مفهوم الوحدة الوطنية وبين مفهوم أو تعبيرالجبهة الوطنية ·
ولكن القياس على هذا المفهوم قد لا يصلح للمرحلة الراهنة و لا سيما في موضوع الجبهة الوطنية 'التقدمية' في سوريا التي أسست في السابع من مارس آذار عام ·1972
وأكدت وقائع ندوة عقدت في دمشق مؤخرا بمشاركة ثلاثة من أبرز قادة الجبهة الوطنية ونشطاء هذه الأحزاب ومجموعة من الاعلاميين أن لكل من الوحدة الوطنية و الجبهة الوطنية مفهومه المستقل وهو ما يحدد آثاراً سياسية مختلفة متباينة في الواقع السياسي السوري القائم · مع أن بعض قادة الجبهة يتحدثون عن هذين المفهومين كأنهما مفهوم واحد ·
واعتبر الدكتور فايز الصايغ رئيس تحرير جريدة 'الثورة' الجبهة الوطنية إحدى دعائم الوحدة الوطنيةإذ يقول ' لعل الأبرز في الأداء الوطني للجبهة التركيز على مسألة الوحدة الوطنية وتماسك أطيافها باعتباره الانجاز الأهم الذي أسهم اسهاماً جدياً في تحويل التجانس الفكري والتنظيمي إلى حقيقة ،وحال من دون الانقسامات والجمود والتعطيل والعرقلة وحولت ذلك كله إلى تيار سياسي واسع الطيف همه الأول تحصين الجبهة الداخلية إزاء الأخطار داخلياً وخارجياً' ·
بهذا يكون الدكتور الصايغ قد اعتبر الجبهة الوطنية عاملاً مساعداً على تحقيق الوحدة الوطنية باعتبارها الإطار الأشمل والهدف الذي يتم السعي الى تحقيقه وهو ما قد لا يختلف عليه أحد إلا في حالة أن تصبح الجبهة الوطنية معيقاً لقيام الوحدة الوطنية وهو ما قد يحدث إذا لم توضع تجربة الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا موضع تقييم شامل بكل مالها و ما عليها · وانطلاقاً مما قاله الرئيس الدكتور بشار الأسد رئيس الجبهة الوطنية 'الآن أصبح من الضروري تطوير صيغة عمل الجبهة بما يستجيب لحاجات التطوير الذي يتتطلبه واقعنا المتنامي على كل المستويات' ، سنسعى إلى تأكيد أهمية هذا التطوير، بسبب الاختلاف الجوهري بين المرحلة الحالية و المرحلة التي قامت خلالها الجبهة ومن خلال تحليل التناقضات الأساسية والثانوية القائمة محلياً و خارجيّاً·
إنّ الخطاب الجبهوي الذي جرى تداوله في تلك الندوة خطاب لا يزال قاصراً عن متطلبات المرحلة و التأكيد الذي جرى في الندوة حول أهمية ' وحدة المنبت الطبقي ' لأحزاب الجبهة هو دليل على أن البعض لا يزال يراوح عند أفكار الصراع الطبقي وموجة اليسار التي رافقت انعقاد المؤتمر القومي السادس في الستينات في أيام علي صالح السعدي ··· و كأن البعض نائم على غرار أهل الكهف و عندما صحا من نومه وجد أن العملة التي يجري تداولها قد تغيرت و لم تعد صالحةً للتداول ·
فالتناقض الرئيس قد يتغير بين فترة وأخرى ، فقد كان في مرحلة ما قبل الوحدة على الصعيد الداخلي بين الأغنياء و الفقراء ، ثم تغيًر بصورة أساسية بعد الانفصال بين سوريا و مصر في 28 أيلول عام 1961 و أصبح بين الوحدويين هم الأكثرية الساحقة من جماهير الشعب و الانفصاليين على الرغم من انتماء الكثير منهم إلى اليسار و بعد قيام ثورة 8 آذار و فشل محاولتين وحدويتيين ،الأولى لإعادة الوحدة بين سوريا ومصر والثانية بين سوريا و مصر والعراق، تعرض الرأي العام في سوريا إلى كثير من التفرقة والانقسام نتج عنه تباين واسع في المواقف السياسية ·
و بعد قيام الحركة التصحيحية في 16 نوفمبر تشرين الثاني 1970 بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد و في إطار سعيه للتحضير إلى حرب أكتوبر قام بمبادرة ناجحة لتحقيق الاستقرار ووقف الفوضى و إيجاد صيغة لتوحيد إمكانات القوى الوطنية و التقدمية في جبهة وطنيةـ تقدمية واحدة يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي و تضم أربعة أحزاب إضافة إلى حزب البعث هي حزب الاتحاد الاشتراكي ـ الحزب الشيوعي ـ حزب الاشتراكيين العرب و حزب الوحدويين الاشتراكيين ·
وقد أدت الجبهة الوطنية في سوريا دوراً كبيراً في حشد الطاقات الوطنية والقومية في حرب أكتوبر وما بعدها بعد أن انتهت مرحلة من التناقضات والصراعات واستبد لتها مرحلة من التعاون مما ساعد على تعزيز الوحدة الوطنية ودعم صمود سوريا في وجه التحديات ·
و يؤدي تحليل الظروف والأحداث والبيئة التي نمت الجبهة الوطنية في سوريا خلالها إلى تأكيد فرق شاسع بين هذه الظروف و بين المرحلة الخطيرة التي تعيشها سوريا والأمة العربية والعالم حاليّاً ·ويمكن تلمس ذلك في مجموعة فروقات أساسية من أهمها: على الصعيد الدولي كان العالم ينقسم إلى معسكرين رئيسين هما الولايات المتحدة و حلف الأطلسي ثم الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو وكان الاتحاد السوفييتي حليفاً دوليّاً لسوريا يساندها في مختلف أزماتها السياسية ويدعم نموها الاقتصادي ويمدها بما تحتاجه من سلاح دفاعي لدعم صمودها على غرار ما حصل في حرب أكتوبر ومنذ عام 1990 فقدت سوريا حليفها الدولي وعرف العالم ماسمي بنظام القطب الواحد بل إن هذا القطب الواحد الذي كان يساند إسرائيل على الدوام قد أصبح حليفاً سياسيّاً وعسكرياً واقتصادياً لها وقد حاولت سوريا طيلة خمسة عشر عاماً إيجاد حليف بديل للاتحاد السوفيتي من دون جدوى فالصين تعتقد بأنها ستصبح القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأولى خلال المستقبل المنظور من دون أن يضطرها ذلك إلى الدخول في مواجهات حادة مع أحد ، وهي تقود حرباً تجارية تحقق لها أعلى نسبة نمو في العالم كانت حتى عام 2002 نحو 9,5بالمائة ثم انخفضت خلال العامين الأخيرين إلى 7,5 بالمائة و إعادة سوريا محاولة سابقة لجعل روسيا وريث الاتحاد السوفييتي البديل الممكن ، بحيث تعود روسيا الحليف الدولي لسوريا سياسياً و اقتصادياً و عسكرياً وربما كان مثل هذا الاحتمال ممكناً بعد زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو في يناير الماضي و بعد أن استقرت أوضاع روسيا الداخلية و بدت كأنها تسعى إلى استعادة مكانتها الدولية ·كما كان لسوريا حليف عربي قوي هو مصر لم تلبث أن وقعت اتفاق سلام مع اسرائيل و حتى التضامن العربي لم يعد على صورته الفعالة في حرب أكتوبر ولاسيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق·
أما على الصعيد الداخلي فقد كانت صيغة الجبهة الوطنية هي العملية الناجحة لتعبئة مختلف القطاعات البشرية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والاعلامية وحشدها على طريق استعادة الأراضي المحتلة في الجولان ، و بغض النظر عن نتائج هذه الحرب فإن سوريا بقيت الآن لوحدها و تخوض منذ احتلال العراق معركة صمود صعبة وسط ضغوط متزايدة على الصعيد الدولي ·فالاتهامات الأمريكية حول الحدود مع العراق و تسرب المقاتلين منها شبه يومية أضيف إليها القرار1559 الذي يهدف إلى تفريق المسارين السوري و اللبناني وخروج القوات السورية من لبنان و تفكيك المقاومة اللبنانية و قطع سوريا علاقاتها و دعمها لفصائل المقاومة من كل ذلك يتضح بأن خيار سوريا الأساس الباقي هو الوحدة الوطنية والاستفادة الكاملة من تجربة العراق وتحليل هذه التجربة لكل جوانبها لأن التناقض الرئيس في هذه المرحلة أصبح بين الأمة كلها و الشعب كله و بين قوى الاحتلال الأجنبي ولم يكن ممكناً ولا مقبولاً الاستمرار في الحديث عن وحدة المنبت الطبقي لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في الوقت الذي تتعرض فيه البلاد والوطن والأمة بأسرها إلى أخطار بالغة تشمل وحدة الوطن و سلامة أراضيه و هو الأمر الذي يفرض إعادة النظر في هيكلية الجبهة وفكرها وأهدافها وهو الأمرالذي سيكون موضوع حوارنا مع النخب الفكرية و السياسية و قادة أحزاب الجبهة الوطنية خلال الأيام المقبلة

اقرأ أيضا

البنتاجون يوافق على صرف مليار دولار لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك