تعيش البشرية كلّها هذه الأيام امتحاناً وجودياً، قاسياً، ليس فقط لأن فيروس كورونا «كوفيد- 19» يفتك بالأرواح وينتشر انتشاراً مرعباً، وساحقاً، وإنما لأنه يضعها في اختبار أخلاقي، بُنيَوي، يمسُّ جوهرها العميق حدَّ أنه يهدد المنظومة الفكرية الأساسية التي قامت عليها الحضارة المعاصرة.
يهزّ كورونا، وبقوة غير مسبوقة، فلسفة الفَرَدانية التي تأسست عليها حضارتنا، ويعيدها إلى نقطة الصفر الحضاري، إنما ليعيد - كما نأمل ويأمل كل عاقل في هذا الكون - بناءها وفق أسس جديدة نسيتها، التراحم والتكاتف والتوحد والمشاركة الإنسانية والتعاضد وغيرها من القيَم التي أصابها البوار، وأصبحت بحاجة إلى إعادة النظر، والبحث عن ماء يروي جذورها اليابسة.
تهتزُّ البشرية تحت ضربات كورونا اهتزازاً روحياً، عميقاً، وجذرياً، إنما لتولد من جديد، وتتعافى من أمراضها وعلَلِها، وترمِّم ما تصدَّع من بنيانها الأخلاقي والقيَمي، وتخرج من أزمتها منتصرة.
يصفعنا كورونا «صفعة القرن» لكنه يقدم لنا عِبراً ودروساً كثيرة، أهمها أن علينا جميعاً أن نتعاضد، وأن نعمل ككلٍّ واحدٍ، متَّحدٍ، لأننا كلّنا في سفينة واحدة. كورونا إذن يوحِّدنا، يكرِّر علينا الدرس الفلسفي القديم الجديد: لا نجاة للفرد إلا بنجاة الجميع.
مبكراً، أدركت الإمارات هذا الدَّرس، فحشدت كل الطاقات لرصِّ الصفوف، والتوحُّد خلف شعار العمل المشترك، ليس محلياً فقط، بل عالمياً أيضاً.. عرفت الإمارات مكامن قوة المجابهة: الوعي. الوعي أولاً وثانياً وثالثاً وعاشراً.. الوعي ونشر ثقافة الوعي هي أول السبل، بل أقصرها لمحاربة هذا الوباء الذي لا يفرِّق بين البشر.. كلُّنا لديه سواء.. كلّنا مستهدفون.. لا يعترف كورونا بالطبقية ولا بالطائفية ولا بالمذهبية.. لا فوارق عرقية ولا إثنية ولا أبيض ولا أسود ولا غني ولا فقير له مكان عند كورونا. كلكم أيها البشر أعدائي.. يقول كورونا.. فتذهب الإمارات إلى التدرُّع (من الدِّرع) بقدراتها كلّها، تتمنطق بالعلم والثقافة والفن، بعد أن أخذت - قبل ذلك كله - كل احتياطاتها الصحية والوقائية. وعن الوقاية لا تسأل، فالمظاهر عديدة يصعب حصرها.. لكن أجمل وقاية اجترحتها وتجترحها الإمارات في هذه الأزمة هي: ثقافة الأمل.
نعم، الأمل، العدو الحقيقي الذي يفلّ قوة المرض.. الأمل الذي يجعل كل أجهزة المناعة الجسديَّة والروحيَّة والنفسيَّة والعصبيَّة تعمل بلا توقف.. الأمل يقودنا في معركتنا، الأمل يدفعنا للبحث عن الثقافة، والسؤال عن دورها ومهماتها في الزمن الصعب، الأمل أخذ بيدنا إلى بيادر خضراء نراها رؤية العين، لأن مجتمعنا أبدى أعلى درجات المسؤولية والوعي في الالتزام بتعليمات الدولة، وقيادتها الرشيدة..
الأمل، حائطنا الأخير، جدارنا الذي لا ينهار ولو انهارت - تحت أقدام الموت الأسود - كل وسائل المقاومة..
الأمل، ابن الأزمة الذي ولد كبيراً، مقاوماً، صلباً، لأن الدولة وفرت له الماء والتربة وكل عناصر النمو.. وبث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الطمأنينة والأمان قائلاً: لا تشلّون هم.. كلمة وحدها، كانت كافية لكي يذهب الهمّ بعيداً، وتفرش ظلالها الطمأنينة على الجميع.
نعم.. نحن محكومون بالأمل، كما يقول سعد الله ونوس، وما هذا الملف الذي بادر إليه «القسم الثقافي» - ضمن مبادرات الاتحاد الكثيرة - سوى صورة من صور هذا الأمل.. وعنواناً من عناوينه الكثيرة، قناعة منها بأن الثقافة والوعي هي الظهير الأول للدولة في معركتها.
بالأمل نحارب، وبالأمل نحيا، وبالأمل بالله وبالوطن وبالقيادة نغذُّ السير نحو الخلاص وننتظر الشفاء، شفاء النفوس والأرواح، شفاء البشرية التي - نأمل - أن تصبح أكثر عدلاً، أكثر إنسانيّة، أكثر تراحماً..
يقولون: وراء كل مِحْنَة.. مِنْحَة.. ونحن نأمل في مِنْحَة عظيمة تهدي البشرية بعد هذا الاختبار العظيم.. نأمل، وعليكم كلُّكم أن تأملوا أيضاً.. لتتَّسع الحياة لنا... فـ «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»..

«الاتحاد الثقافي»