الاتحاد

عربي ودولي

هل ستقضي الحكومة المُنتخبة على العُنف في العراق؟


د· رسول محمَّد رسول:
لا يكاد الإرهاب، بصوره البشعة في العراق، يستثني أحدا من الناس، فصراخه يتوّزع أرض الرافدين كلها دونما استثناء، ويطول كل أبناء المجتمع، وحتى ذوي العوق الجسمي والعزَّل والنساء، الذين أمسوا ضحايا سهلة لماكنة القتل والتفخيخ والتفجير· ومع أن أعداء حرية العراق باتوا يخلطون صورة الفعل الإجرامي والإرهابي الذي يقومون به مع ما يعتبرونه من قبيل مقاومة المُحتل أو أذنابه من العراقيين، إلا أن هذا الفعل بات يُجلي مرجعيته التي يركن إليها هؤلاء المجرمون، فقتلهم للعراقيين صار يفوق قتلهم الأمريكيين، مع أن قتل هؤلاء فيه نظر··، فإن المسافة الزمنية بين مجزرة كربلاء 2003 ومجزرة الحلة في 2005 تُبين أن فعل الإرهاب لدى هؤلاء يستهدفُ العراقيين لأنهم يحثُّون خطاهم نحو حياة جديدة، لكن فعل الاستهداف هذا أمسى مشهدا دمويا متكررا لم تحد الحكومات التي تشكَّلت بعد سقوط نظام صدام في بغداد من لجم دُعاته ومنفذيه وإصرارهم على مواصلة قتل العراقيين· فهل ستقوى الحكومة العراقية المنتخبة على تقويض العنف والقضاء عليه·
حكومات ومجازر·
منذ شهر آب (أغسطس) 2003 دخل رسول محمد رسول محمد رسول :
العراق مرحلة العنف المسلح عندما تم تفجير مقر السفارة الأردنية في بغداد، وتفجير مقر الأُمم المُتحدة وقتل دي مللو، ممثل الأمين العام في العراق، ومن ثم تواصل الأمر في قتل الأمريكيين والعراقيين والقوات المتحالفة في العراق، ووصل الأمر إلى مجازر كبرى راح ضحيتها المئات كمقتل السيد محمد باقر الحكيم في 29/8/،2003 وكمجزرة عاشوراء في كربلاء ،2004 فضلا عن مجزرة الحلة (بابل) التي راح ضحيتها شباب بابلي طموح يبحث عن لقمة العيش وسط الخراب وصور أخرى من العنف راح ضحيتها الآلاف من العراقيين تخللتها جرائم بشعة في القتل اعتمدت على أساليب إرهابية غير مألوفة في المجتمع العراقي كتفخيخ المركبات، والاختطاف، والذبح والنحر، وجزّ الأعناق، والاغتيال، والتشبيه بالمَجني عليه، وزرع العبوات في الشوارع وسط الأحياء السكنية، إلى غيرها من أساليب قتل العراقيين وتدمير البنية التحتية في مؤسسات المجتمع المدني والرسمي·
لقد جرى كل ذلك في ظل حكومة (مجلس الحكم الانتقالي) المعين في الثالث عشر من شهر تموز ،2003 وفي ظل الحكومة العراقية المؤقتة التي تشكَّلت في نهاية شهر يونيو ،2004 ولا شك أن هاتين الحكومتين قد كرستا جهديهما بالتعاون مع قوات التحالف والقوات متعددة الجنسيات فيما بعد، لتقويض العنف وتصفية الجماعات الإرهابية التي تقف وراءه، وفي هذا السياق ألقت القوات الأمنية في العراق على مئات الإرهابيين العراقيين والعرب والنُزلاء على العراق، وفككت المئات من الشبكات الإرهابية، وشبكات الجريمة المنظمة التي جعلت من مقاومة الوجود الأمريكي في العراق شمّاعة علقت عليها ذرائعها في العمليات الإجرامية التي نفذتها، وضبطت مئات الأطنان من السلاح اليدوي (الخفيف والمتوسط)، والعتاد، ومفرقات التفجير، وأجهزة التحكُّم عن بُعد وغيرها من أدوات العنف والجريمة التقليدية·
لقد قدَّمت الحكومة المؤقتة، برئاسة إياد علاوي، أداء أمنياً جيدا نسبيا خلال العملية الانتخابية، ومرد هذه النظرة النسبية هو وقوع جرائم إرهابية بحق المُنتخِبين العراقيين في يوم الانتخاب، ولكن على العموم، كان الأداء الأمني في مستوىً جيد نسبة إلى التحديات التي كانت تواجه العملية الانتخابية من قبل الإرهابيين، ومن قبل أعداء الحرية للعراق، فقد أشارت معلومات استخبارية أمريكية إلى أن السُّنة الغاضبين على المشروع الأمريكي في العراق صعدوا من غلواء غضبهم وشرع بعضهم بممارسة أعمال تخريبية لتدمير العملية الانتخابية، وقال جون أبي زيد في تصريحات نشرتها جريدة الاتحاد الإماراتية يوم الخميس 3/2/2005 إنَّ ما لا يقل عن 3500 مسلح شاركوا في محاولات فاشلة لإفساد الانتخابات حينما تجاهل العراقيون المخاطر، وخرجوا بأعداد كبيرة للمشاركة في الانتخابات· لقد حققت القوات متعددة الجنسيات والقوات العراقية تقدما لافتا في توفير غطاء أمني للعملية الانتخابية، وهو التقدم الذي نال رضا العالم، ورضا غالبية الشعب العراقي المحبة للحرية والأمن والسلام والبناء والتقدم في البلاد·
وبينما تقدَّمت القوات الأمنية العراقية بعد الانتخابات بتجربة رائعة في توفير الأمن للمنتخبين، وهو ما عد نصرا بقدر ما كان منجزا لحكومة علاوي، فإنها تقدمت بمنجز إيجابي آخر على صعيد تقويض العنف والجريمة من خلال إلقاء القبض على أكبر العصابات الإجرامية في مدينة الموصل الحدباء عندما عرض تلفزيون العراق أشرطة مصورة وناطقة لجانب من التحقيقات مع المجرمين المحترفين الذين مارسوا أبشع الجرائم بحق المجتمع الموصلي في العراق· إلا أن الأيام الأخيرة في حكومة علاوي شهدت مجزرة بشعة ما كانت تحدث في الحسابات الاستراتيجية للأمن العراقي في ضوء تجربتها لحماية الانتخابات، تلك هي المجزرة الزرقاوية المقيتة بحق البابليين في العراق يوم الاثنين 28/2/،2005 والتي راح ضحيتها 118 شهيدا و146 جريحا·
حكومة ورهان
بعد أيام ستأتي حكومة عراقية جديدة تُوصف بأنها منتخبة، ولكن ما زال السؤال الذي يراود العراقيين يطرح أولويته بإلحاح، وهو هل ستحقق هذه الحكومة الأمن في العراق حتى نهاية ولايتها في ديسمبر القادم؟
تؤكد التصريحات التي أدلى بها جون أبي زيد، والتي أشرنا إليها فوق، على أن خطاب ما يسمى بـ (المقاومة) هو آخذ بالتلاشي، وأن تعاون سوريا أصبح جيدا مع العراقيين والأمريكيين، وحدَّد أبي زيد رقما لعدد العناصر المُناوئة للعراق الجديد، والمقيمة في سوريا بـ (300) عنصر بمن فيهم قوة التخطيط والدعم التي كانت تخطِّط لإفشال وتدمير العملية الانتخابية في العراق· ومعلومات الجنرال الأمريكي توحي بأن متغيرا ما قد حصل في موقف سوريا عندما أثنى على تعاونها النسبي مع العراقيين· وفي الحقيقة أن مساعدة سوريا في تسليمها سبعاوي الحسن، مدير الأمن العام السابق في العراق، وأحد المطلوبين على القائمة العراقية لرموز النظام السابق، مع تسعة وعشرين من مجموعته الإرهابية المقيمة في بلاد الشام، ربما من المؤمل أن تنعكس على تحسن الوضع الأمني، بل إن سوريا إذا ما استمرت في تعاونها مع العراقيين والأمريكيين على نحو معلوماتي فاعل سينعكس ذلك، حتما، على الوضع الأمني بالعراق في المرحلة المقبلة، خصوصا إذا ما تزامن تعاون سوري هذا مع تعاون خليجي، خصوصا السعودية والكويت، ومع تعاون إيراني، وتعاون أردني، وهو الأهم في المرحلة القادمة·

اقرأ أيضا

متظاهرون في كييف يطالبون زيلينسكي بعدم الرضوخ لضغوط موسكو