الاتحاد

عربي ودولي

فاروق قسنطيني: جرائم خونة الثورة الجزائرية سقطت بالتقادم ومرحباً بعودتهم


الجزائر - حسين محمد:
عزا فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان في الجزائر سبب ماسأة المفقودين نتيجة لممارسات فردية من قبل اعوان الأمن ،مؤكداً أنه ليس هناك مفقود واحد على قيد الحياة ، في حين اعتبرمبادرة العفو الشامل التي أعلن عنها الرئيس بوتفليقة في أول نوفمبر الماضي الحل الأمثل للأزمة الجزائرية وستشمل السياسيين والمسلحين المحسوبين على الجبهة الاسلامية للانقاذ المحلة ، ولم يبد في حوار ل ' الاتحاد ' معارضته للعفو عن خونة الثورة الجزائرية باعتبار أن جرائمهم قد سقطت بالتقادم· محملا الدولة المسؤولية المدنية عن المفقودين من ابناء الشعب الجزائري· وفيما يلي نص الحوار :
؟ ستقوم اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان التي تترأسها بتقديم تقريرها عن المفقودين لرئيس الجمهورية في أواخر شهر مارس الجاري ، ما أهم النتائج التي توصلتم إليها بخصوص هذا الملف الشائك إلى الآن؟
؟؟ لقد كلفنا السيد رئيس الجمهورية في سبتمبر 2003 بمهمة البحث في ملف المفقودين ومنحنا مهلة 18 شهرا لإنجاز مهمتنا وتقديم تقرير شامل عنهم مرفق باقتراحات حلول وتوصيات، وقد عملنا طيلة 18 شهرا الماضية على معرفة مختلف حيثيات الملف وتفاصيله وسنقدم تقريرنا في الموعد المقرر ·وإجمالا ، يجب قول الحقيقة الكاملة لعائلات المفقودين ومصارحتها بها ، مهما كانت هذه الحقيقة مؤلمة ·و ينبغي رد الاعتبار المعنوي للمفقودين ؛ إذ نسمع أحيانا من يقول إن المفقودين كانوا إرهابيين ، وهذا غير صحيح ، لقد كانوا تحديدا ضمن جماعات الاسناد والدعم اللوجيستيكي للارهاب· اضافة الى أنه يجب تعويض عائلات المفقودين ماديا عن مصابها في أبنائها ·ونعرض على عائلات المفقودين الاتجاه إلى القضاء لرفع دعاوٍ قضائية على أعوان الأمن الذين تشك بتسببهم في مأساة أبنائها·
؟تقولون بمتابعة أعوان للدولة قضائيا ، ما محل الدولة من هذه المتابعة ؟ أليست مسؤولة عن أمن كل أبنائها؟
؟ بلى ؛ فالدولة ملزمة دستوريا بضمان أمن جميع أبنائها وسلامتهم، وهو ما لم توفره للمفقودين ولذا فهي مسؤولة عنهم مدنيا وليس جزائيا· وينبغي أن نشدد ، بهذا الصدد ، على أن مأساة المفقودين ناجمة عن تصرفات فردية معزولة لأعوان أمن تصرفوا من تلقاء أنفسهم·
؟ تقول جمعيات حقوق الانسان الجزائرية المستقلة إن اختفاء آلاف الأشخاص لايمكن أن يكون نتاج تصرفات معزولة، هل لديكم أنتم حجج وبراهين تؤكدون بها أنها كانت مجرد أعمال فردية؟
؟؟ نعم ، فمنذ سنة 1992 إلى غاية 1998 تابعت الدولة أكثر من 400 ألف شخص قضائيا بتهم تتعلق بدعم الارهاب لوجيستيكيا، وإذا قارنا هذا العدد الهائل للمتابعين قضائيا بتهمة دعم الارهاب بعدد المفقودين(6142 مفقودا) الذين كانوا يقومون بنفس العمل ، نجد أن رقم المفقودين لايكاد يذكر أمام رقم المواطنين الذين تابعوا قانونيا واستفادوا من كل حقوقهم من دفاع وغيره · بمعنى لماذا تقوم الدولة بتصفية بعض داعمي الارهاب من دون غيرهم ممن وجهت إليهم نفس التهمة ؟ هذا غير معقول، وتفسير مأساة المفقودين أن بعض أعوان الأمن تصرفوا معهم بطريقة معزولة كما أسلفت، وهذا يقين عندي ولاشك فيه·
ثم إنه منذ عام 1993 إلى الآن ، أصدرت المحاكم الجزائرية أكثر من 400 حكم بالاعدام ضد إرهابيين، غير أن الدولة لم تنفذ أي حكم إلى حد الساعة، فهل يعقل ألا تنفذ الدولة أحكام إعدام شرعية صادرة عن العدالة ، وتقوم بالمقابل بإصدار أوامر باختطاف داعمي الارهاب وتصفيتهم خارج العدالة ؟ هذا أمر غير معقول أيضا؛ العمليات الشرعية لم تقم بها من باب الرغبة بالتهدئة ، فكيف تقوم بعمليات غير شرعية خارج إطار القانون؟أليس هذا أبلغ رد على المشككين في مسؤولية الدولة من دون وجه حق؟
؟ قدمتم رقم 6142 مفقودا، بينما قدمت جمعيات حقوقية أخرى رقما يقترب من العشرين ألف مفقود،هل تهونون العدد أم أن الآخرين هم الذين يهولونه؟ وأين الحقيقة بين التهوين والتهويل؟
؟؟ الحقيقة قدمناها كاملة من دون تهوين وهي 6142 مفقودا حددنا عددهم بناء على شكاوى وملفات موثقة سلمتها لنا عائلاتهم ، لدينا كل الوثائق التي تؤكد صحة رقمنا، وإذا كان للآخرين أرقام أخرى مغايرة ، فليقدموا أدلتهم المادية الدامغة وملفاتهم وسنأخذ بها·
؟هل هناك مفقودون أحياء؟
؟؟ لا ، في اعتقادنا ليس هناك مفقود واحد لايزال على قيد الحياة·
؟لكن رئيسة إحدى جمعيات أمهات المفقودين تقول بوجود بعض الأحياء بولاية البليدة؟
؟؟ هذا مجرد كلام ، أنا أعرف محكمة البليدة العسكرية جيدا منذ سنوات طويلة بإعتباري نقيباً لمحامي البليدة بين سنوات 1987 و 1991 وأؤكد أنه ليس ثمة مفقود واحد ، وليس هناك معتقلات سرية في البليدة أو في أي مكان آخر في الوطن، لم نكتشف شيئا إلى حد الساعة وأنا صريح في هذه المسألة ولا مصلحة لي في إخفاء شيء·
؟ صرح السيد علي تونسي القائد العام للأمن الوطني أن هناك أزيد من 3000 جثة مجهولة الهوية لارهابيين قضت عليهم مصالح الأمن ، هل تعتقدون بأن هذا التصريح سيكون المخرج الحقيقي لمسألة العثور على جثث المفقودين وإعادتها إلى أهاليهم لدفنها كما يطالب ذووهم منذ سنوات؟
؟؟ لا أعتقد بأن الأمر على هذا النحو، هو تحدث عن 3000 ارهابي قضي عليهم في اشتباكات مسلحة مع الأمن ورقمه صحيح· ولكن مهما يكن من أمر ، فقد اقترحنا منذ أسابيع قليلة اعتماد تقنية الحمض الريبي النووي لتحديد هوية جثث القتلى المجهولين ، وقد استجيب لطلبنا والشرطة العلمية بصدد التحضير للشروع في العملية التي نأمل أن تنطلق قريبا·
؟ تقدمتم باقتراح تعويض عائلات المفقودين بمبلغ مليون دينار جزائري لكل عائلة ، هل كان هذا الاقتراح من تلقاء أنفسكم لدوافع إنسانية أم جاء بإيعاز من جهات فوقية لطي الملف؟
؟؟ نحن لم نقدم مبلغا محددا وليس من صلاحياتنا ذلك، لقد طالبنا فقط بتعويض لائق ومعقول لعائلات المفقودين ، لكننا لم نحدد أي مبلغ ، وفي تقريرنا لآخر شهر مارس سنعيد الطلب ونحن نقوم بذلك إنصافا لهؤلاء ولا أحد يوعز لنا بفكرة أو يتدخل في عملنا ، إننا نعمل بحرية تامة من دون تدخل أو ضغوط وهذه شهادة أقدمها·
؟ إجمالا، ما تقييمكم لوضع حقوق الانسان بالجزائر في السنوات الأخيرة؟
؟؟ هناك تحسن ملحوظ ، وحتى التقرير الأمريكي الأخير عن وضعية حقوق الانسان بالعالم قدم تقييما إيجابيا للأوضاع بالجزائر· انتخابات الرئاسة التي جرت في 9 أبريل 2004 كانت حرة ونزيهة باعتراف الجميع، العدالة تشهد اصلاحات مستمرة والعلاقة بين السلطة والصحافة تتحسن وتسير في اتجاه منحها المزيد من الحريات · ولكن هذا لايمنعنا من القول إن هناك نقائص ويجب الاستمرار في نفس النهج ليسير الوضع إلى المزيد من التحسن·
؟ نأتي الآن إلى مبادرة العفو الشامل ، متى يكشف الرئيس بوتفليقة تفاصيلها في تقديركم؟ وهل تملكون معلومات عن خطوطها العريضة؟
- لقد تعمد رئيس الجمهورية إطلاق المبادرة في أول نوفمبر 2004 وفتح مجال النقاش ليترصد مختلف ردود الأفعال والاتجاهات التي سيأخذها النقاش حولها ، وبناء على ذلك سيقوم بصياغة تفاصيلها آخذا بالاعتبار آراء الأغلبية، وأنا أدعم مبادرة الرئيس بكل قوة لإيماني بأنها الحل الأمثل للأزمة الجزائرية والبلسم الشافي لمخلفاتها الثقيلة ومآسيها، ومفتاح إرساء السلم والأمن الكاملين والتفرغ للتنمية الشاملة·
؟ هل نفهم من كلامكم أن الفئات التي ستشملها مبادرة الرئيس ستكون مقتصرة على أطراف أزمة ما بعد 11 جانفي 1992 إلى الآن؟
؟؟ نعم ، أعتقد بأنها ستقتصر على هذه الأطراف من مسلحين ومسجونين بسبب الأزمة ومفصولين عن مناصب عملهم لأسباب سياسية وتعويض لكل الضحايا ومنهم عائلات المفقودين وكل المتضررين من الأزمة بشكل عام·
؟ وهل تتوقعون رفع الحظر عن الجبهة الاسلامية للانقاذ المحلة للعودة باسم آخر؟
؟؟ إذا احترمت القانون على غرار الأحزاب الاسلامية النشطة الآن في الساحة السياسية فما المانع؟
؟ طالب رئيس اللجنة الوطنية للعفو الشامل السيد عبد الرزاق اسماعيل بأن تشمل مبادرة الرئيس أيضا خونة الثورة الجزائرية (1954- 1962 ) هل تشاطرونه هذا الطلب؟
؟؟ الخونة ليسوا بحاجة إلى العفو؛ أغلبهم قام بجنايات وجرائم وقد تقادمت ، القانون الجزائري ينص على تقادم الجنايات بعد مرور عشر سنوات من وقوعها، والأفعال الإجرامية التي قام بها هؤلاء مر عليها قرابة نصف قرن ويمكن العفو عنهم من دون مشاكل·
؟ ولكن الشعب الجزائري لن يتقبل عودة هؤلاء الذين تسببوا له في الكثير من المآسي وخانوا وطنهم؟
؟؟ إذا عادوا كسياح أو مستثمرين فرنسيين باعتبارهم يحملون الجنسية الفرنسية ، فلا أعتقد أن هناك إشكالا سيطرح ، أما إذا عادوا كجزائريين فمرحبا بهم؛ إنهم إخواننا على كل حال وتلك مرحلة وانقضت·
؟ هناك جمعيات حقوقية وأحزاب جزائرية تطالب بأن تسبق العدالة العفو، هل لديكم طرح مغاير؟
؟؟ أنا أرى العكس؛ العفو يجب أن يسبق العدالة ، وثمة تجربة ناجحة سبق فيها العفو العدالة تجسدت بجنوب إفريقيا ويمكننا الاستفادة منها للحيلولة من دون الدخول في الحزازات والاتهامات المتبادلة وإثارة الأحقاد والضغائن بفتح الملفات المختلفة والمطالبة بالحقيقة والذهاب إلى العدالة بشأنها لتصفيتها قضائيا، العدالة تتطلب عشر سنوات لتصدر أحكاما نهائية في مثل هذا النوع من القضايا ، فهل يمكننا انتظار عشر سنوات أخرى والبلاد تحترق والجراح لم تندمل بعد؟ لابد من الذهاب إلى العفو مباشرة وطي صفحة الماضي من دون نسيانه وعفا الله عما سلف·
؟ ماذا تودون إضافته في ختام هذا الحوار؟
؟؟ أود أن أقول في الختام بأني متفائل جدا بتحسن الوضع العام للبلد ؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، رئيس الجمهورية له برنامج طموح وقد حسن صورة الجزائر في الخارج كما حسن الوضع الداخلي ولا ينكر ذلك إلا جاحداً·
وفيما يتعلق بحقوق الانسان ، يحدوني أمل كبير بأن تصبح الجزائر دولة قانون عصرية كأي بلد غربي في ظرف عشر سنوات إذا استمر الريتم الحالي ، حقوق الانسان ثقافة وفترة عشر سنوات تكفي لنشرها وتكريسها في صفوف المواطنين لتصبح الجزائر مثالاً يحتذى به عالميا مثلما كانت مثالاً في دعم كفاح حركات التحرر وتأييد حق الشعوب في نيل استقلالها·

اقرأ أيضا

محتجون فرنسيون يحاولون اقتحام مسرح خلال حضور الرئيس ماكرون