الاتحاد

عربي ودولي

سجرينا تفجر جدلاً حول الوجود الايطالي في العراق


روما : منار محمد
عادت أخيراً الصحفية الإيطالية جوليانا سجرينا إلى الأراضي الإيطالية، بعد اختطاف دام أكثر من شهر، لكنها عادت جريحة، وبرفقتها قصة مقتل ضابط المخابرات الإيطالي نيكولا كاليباري الذي كان يفترض أن يؤمن عودتها سالمة، وبذلك غطت رائحة الموت فرحة الكثيرين بعودة جوليانا، لكن خصوصية إطلاق النار الذي أودى بحياة ضابط المخابرات، وتسبب في جرح الصحفية المحررة إنما يعود لكونه قد صدر عن مدرعة أمريكية، وعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن كون إطلاق النار قد تم عن طريق الخطأ إلا أن كثيرين لم يقبلوا بذلك التفسير، على خلفية مواقف جوليانا المعلنة، والمعارضة للوجود العسكري الإيطالي في العراق، عوضاً عن انتقادها الشديد للدور الأمريكي هناك·
لكن عودة جوليانا قد فجرت جدلاً في الأروقة السياسية ربما وجد صداه في استدعاء رئيس الوزراء سيلفيو بيرلوسكوني السفير الأمريكي في روما، وذلك مساء الجمعة الماضي لتوضيح ما عبر عنه بعبارة (مثل هذا الحادث الخطير)، ليضع بذلك العديد من علامات الاستفهام حول القصة بأكملها·
وصلت جوليانا سجرينا إلى بغداد في فبراير عام ألفين وثلاثة، وأصرت على البقاء رغم القصف الذي تعرضت له المدينة ، عادت ولمرات عديدة إلى العراق، محاولة وقبل كل شيء أن تروي حياة العراق اليومية، وأن توثق بأسلوب حرفي ومهني آثار العنف والدمار التي خلفهما الاحتلال، وقد تم اختطافها أثناء ذهابها للقاء العائلات المشردة من الفلوجة، والتي تقيم حول جامع المصطفى·
بعد اختفاء جوليانا سجرينا الغامض في العراق، ظهرت في شريط فيديو مسجل تطلب فيه المساعدة وتناشد القوات التي تقودها الولايات المتحدة بمغادرة العراق، وذلك بعد أن أعلنت جماعة مسلحة غير معروفة على نطاق واسع تدعى منظمة الجهاد الإسلامي عن اختطافها، وطالبت جوليانا في ذلك التسجيل حكومة بلدها بسحب قواتها من العراق مقابل الإفراج عنها، وقالت وقد بدت مرتجفة وباكية: لابد أن تنهوا الاحتلال، هذه هي الطريقة الوحيدة للخروج من الموقف الراهن، إنني أعوّل عليكم، لكن مجلس الشيوخ الإيطالي صوت بعد قليل من عرض هذا الشريط على مد فترة بقاء القوات الإيطالية في العراق·
وتردد وقتها أن عرض التسجيل كان بهدف أن يتزامن مع موعد تصويت البرلمان، وكانت تلك الجماعة قد أعلنت في سبتمبر الماضي عن أنها قتلت عاملتي إغاثة إيطاليتين، هما سيمونا توريتا وسيمونا باري، لكن تبين في وقت لاحق عدم صدق تلك المزاعم حين أطلقت منظمة أخرى سراح الرهينتين·
وتعتبر جوليانا هي ثامن شخص إيطالي يختطف في العراق ، فقد اختطف صحفي إيطالي يدعى إنزو بالدوني وقتل في أغسطس الماضي من قبل منظمة تدعى الجيش الإسلامي في العراق، كما اختطف أربعة إيطاليين في أبريل الماضي وقتل أحدهم على أيدي خاطفيه بينما أطلق سراح الثلاثة الآخرين·
من هي سجرينا؟
لعله من الضروري أن نلقي نظرة فاحصة على شخصية جوليانا وتاريخها المهني، ومواقفها السياسية حتى نفهم أسباب الجدل الدائر حول قصتها، فهي صحفية يسارية من محبي العالم العربي، وعلى اطلاع وثيق بأحوال القرن الأفريقي، ولدت في فربانيا من الريف الإيطالي عام ثمانية وأربعين، ودرست بميلانو، انضمت إلى صحيفة المانيفستو عام ثمانية وثمانين، وعملت طويلاً في الشرق الأوسط والمغرب، كما قامت بتغطية الحرب في أفغانستان، وجميع مراحل الحرب العراقية، وهي عضو هيئة تحرير الأخبار الخارجية بذات الصحيفة·
عندما اندلعت انتفاضة الفلوجة في شهر يونيو، وحيث كانت جوليانا تتواجد، استخدمت كلمة (مقاومة) لوصف ما يجرى هناك، مخالفة بذلك رأي الكثيرين، تقول في نص إحدى مقالاتها: (ما السبب الذي جعل من الفلوجة رمزاً للمقاومة ضد الاحتلال الأمريكي؟ إن ما جعل من مدينة المساجد تحتل هذه المكانة الشهيرة هي تقاليدها الدينية ومدرستها القرآنية ذات المذهب السني، والتي أخرجت من بين صفوفها العديد من الزعماء الدينيين، لقد كان وصول الأمريكيين سبباً في قلب هذا النظام المحافظ والصارم من جهة، ومن جهة أخرى، فإن غطرسة العالم الغربي كانت السبب في القضاء على كل ما بقى من فرصة للحوار، إن جميع من حاورنا ينكر قطعياً وجود سلطة دينية أو سياسية تنظم عمليات المقاومة هذه، إنها عبارة عن مجموعات تنظم نفسها بشكل مستقل، على الرغم من أن هجمات بهذه النوعية وباستعمال البازوكا والمدافع الرشاشة والقنابل اليدوية تتطلب شكلا من أشكال التنظيم، إن المزاعم القائلة بأن هذه المقاومة هي من تنظيم أنصار صدام حسين السابقين، وأن مدينة الفلوجة هي قلعة المقاومة للديكتاتور السابق مزاعم يرفضها محاورونا تماماً)·
ولم تتوقف كتابات جوليانا عند هذا الحد، وإنما امتدت لفضح الممارسات اللا إنسانية ضد العراقيين، فتحت عنوانا (أنا امرأة تعرضت للتعذيب في سجن أبو غريب) كتبت عن امرأة عراقية، خضعت للتعذيب لمدة ثمانين يوماً، واستطاعت فيما بعد التعرف على سجانيها من خلال شبكة الأنترنت، وتضمن النص مقتطفات من حديث تلك المرأة، منها على سبيل المثال: (أدخلوني في غرفة كبيرة باردة جداً، كانت أسناني تصطك من شدة البرودة، وأمامي اصطفت كل وسائل التعذيب، ثم قاموا بوضع شريط لاصق على عيني، وأصعدوني بصحبة ثلاثة عشر رجلاً إلى طائرة مروحية، الرحلة قصيرة اذ دامت أقل من ساعة من الزمن، وكانت وجهتنا هي سجن أبو غريب···) وفي نهاية القصة المرعبة تورد جوليانا على لسان المرأة العراقية هذه العبارات: (لقد احتلت الولايات المتحدة بلدنا، ولنا كل الحق في الدفاع عن أنفسنا، والمقاومة ليست إلا دفاعاً عن النفس)·
وبعد عقد المنتدى العالمي حول العراق في شرم الشيخ، كتبت جوليانا تقول: (لم يكن بمقدور كولن باول الخروج إلا بمقولة كاذبة تنفي قيام أي وفد بتقديم اقتراح يتضمن تأجيل الانتخابات المقرر إجراؤها في العراق، لاشك أن كذبته هذه يمكن اعتبارها خطأ عرضيا طفيفاً أمام ما قدمه في مجلس الأمن حول البراهين الزائفة عن أسلحة الدمار الشامل التي كانت بحوزة صدام·
وحول عسكرة الإعلام كتبت تقول: (لقد قال شيراك للصحفيين الفرنسيين ألا يذهبوا إلى العراق، وهو ما ردده وراءه وزير الخارجية الإيطالي جانفرانكو فيني، إن المهمة الإعلامية تزداد صعوبة بسبب تدهور الأوضاع في العراق، لقد أصبح الصحفيون رهائن لكل هذه التأثيرات السلبية التي سببها الاحتلال العسكري، والخصوصية التي اتصفت بها هذه الحرب· لقد تزايدت مقاومة العراقيين لهذه الحرب إلى درجة أنها شملت في النهاية بين ضحاياها كل الأجانب الموجودين: من مقاولين وصحفيين و حتى عمال الإغاثة الإنسانية، إن التمرد على هذا المخطط مسألة خطيرة، ولكنها خطورة من الواجب السير فيها إذا ما رغبنا في أن نطرح مستوى إعلامياً جيداً ولائقاً، وحتى لا تتحول علاقتنا بما يحدث إلى مجرد بلاغات عسكرية أو نشرات إعلانية)·
ولقد كانت عناوين مقالات جوليانا سجرينا وحدها كافية لإثارة عداء الصقور والمحافظين في أماكن كثيرة من المجتمع الغربي، ومن هذه العناوين: (يبحثون عن صدَام ولكنهم يقتلون المدنيين)، (احتضار الفلوجة البطيء)، (أوقفوا المذبحة)، (قنابل ومدرعات، الجحيم يبدأ في الفلوجة)، (بريطانيون في مثلث الموت)، (مجزرة ضحيتها الأطفال نتيجة مرض التهاب الكبد والتيفوئيد)، (في المستنقع العراقي)·
وبالإضافة إلى نشاطها الصحفي فإن لجوليانا التزامات سياسية أيضا، فهي إحدى مؤسسي حركة السلام في الثمانينيات، وكانت واحدة من أبرع الخطيبات على المنصة خلال المظاهرات التي نظمتها هذه الحركة·
الحرية·· مطلب مشترك
رغم هذه المواقف المعارضة بشدة لموقف الحكومة الإيطالية إلا أن رئيس الوزراء بيرلوسكوني لم يتوان عن التنسيق مع معارضيه من أجل إطلاق سراح سجرينا، بل وسارع بحشد الجهود الرسمية من أجل ذلك الهدف، البعض وصف ذلك الموقف بأنه بيرجماتي نفعي، ولا يعدو أن يكون مناورة سياسية من قبل رجل اليمين القوي، أملاً في كسب قلوب معارضيه·
لكن الواقع أن الرجل لم يكن باستطاعته غض البصر عن الحراك القوي الذي كان يطالب بالعمل على إطلاق سراح الصحفية المختطفة، والذي تحول في حد ذاته إلى ما يشبه الجبهة السياسية الموحدة، فقد توالت التظاهرات والتجمعات، وصدرت عشرات النداءات عن هيئات وتنظيمات، منها: مؤسسات صحفية، وتجمعات شعبية، كما صدرت بيانات عن عمدة مدينة لا سبيتزيا، وعن مجلس أساتذة جامعات روما لمناهضة الحرب، أما العرب والمسلمون المقيمون في إيطاليا فقد توالت نداءاتهم ومناشداتهم الخاطفين إطلاق سراح جوليانا سجرينا، من ذلك: نداء المركز الإسلامي الثقافي في إيطاليا، ، والجالية العربية في إيطاليا، وبيان جامع شارع يانير، وبيان نساء ايطاليا المسلمات، و نداء الإتحاد الديموقراطي للمغاربة بتوسكانة، والبيان الصحفي عن الجالية السورية·
وصفت جوليانا في كل هذه النداءات بالمحبة للسلام، والتي تعمل من أجل كشف معاناة الشعب العراقي، والمثابرة على الدعوة إلى رفض العنف، إلى آخر تلك المصطلحات·
تساؤلات محيرة
كانت خطة المخابرات الإيطالية تسير بشكل جيد، وكانت عمليات التنسيق الناجحة بين الجهود المختلفة قد أثمرت أخيراً عن إطلاق سراح جوليانا ، لكن بياناً للقوات الأمريكية في بغداد خرج معلناً أن جنودا أمريكيين قد أطلقوا النار على سيارة وأن تحقيقا قد بدأ حول الحادث، وقال البيان: (أطلقت قوات التحالف المكلفة من جانب القوة المتعددة الجنسيات بالعراق النار على سيارة كانت تقترب من حاجز تفتيش خاص بقوات الائتلاف بسرعة كبيرة)، ثم أضاف: ( كانت الصحفية الإيطالية المفرج عنها مؤخراً جوليانا سجرينا بين ركاب السيارة ويبدو أنها أصيبت)، موضحاً أنه لم تتوفر بعد تفاصيل أخرى·
لكن الذي لم يعلنه البيان هو أن المدرعة الأمريكية قد فتحت نيران رشاشاتها الثقيلة على السيارة التي كانت تقل الصحفية، و من كانوا بصحبتها من رجال المخابرات الإيطالية، مما أسفر عن مقتل نيكولا كاليباري، وإصابة زجرينا في كتفها، كما أصيب ضابط استخبارات إيطالي آخر بجروح·
سارعت الحكومة الإيطالية بالتعليق، وقال بيرلسكوني، المعروف بتأييده القوي للغزو الأمريكي للعراق: لقد أصبنا بالصدمة··وإن هناك تساؤلات مقلقة تحتاج إلى إجابات، وأضاف: إننا في حالة فزع وصدمة بسبب مقتل ضابط المخابرات الإيطالي نيكولا كاليباري، الذي قتل عندما كان يحاول حماية الصحفية سجرينا بجسده لدى تعرض السيارة لإطلاق النار، وقال رئيس الوزراء: إنه لأمر مؤسف، لقد كانت لحظة بهجة أدخلت السعادة على كل مواطنينا، ثم تحولت إلى ألم لمقتل شخص تصرف بشجاعة فائقة، وامتدح جابريلي بولو رئيس تحرير صحيفة المانفيستو اليسارية شجاعة الضابط القتيل وقال: إن نيكولا كاليباري هو الشخص الذي يجب أن يوجه إليه الشكر في عملية تحرير جوليانا ··
وفي صباح السبت عادت سجرينا إلى الأراضي الإيطالية على متن طائرة عسكرية ، حيث نقلت فور وصولها إلى المستشفى وأجريت لها عملية بسيطة لاستخراج شظايا من كتفها·
والسؤال المحير الذي يثير جدلاً كبيراً في الأروقة الإيطالية الآن هو: لماذا فتحت المدرعة الأمريكية النار على السيارة التي كانت متجهة إلى مطار بغداد؟ وهل كانت المخابرات الإيطالية تخطط لنقل جوليانا بصحبة عدد من رجالها إلى طائرة عسكرية بدون تنسيق تام مع القيادة العسكرية الأمريكية؟ ولماذا حاول نيكولا كاليباري حمايتها بجسده؟ هل كان على علم بأن هناك من يخطط للتخلص منها؟ لا شك أن الغموض سيلف هذه القصة لمدة ليست قصيرة، لكن المؤكد أن هذه المدرعة عندما فتحت نيرانها على جوليانا إنما فتحته على جهود بيرلوسكوني التي حاول من خلالها التقرب إلى معارضيه الرافضين تماماً موقفه من مساندة الولايات المتحدة في العراق·

اقرأ أيضا

كوريا الشمالية تلتمس تخفيف العقوبات وأمريكا تتمسك بنزع السلاح النووي