صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

صور الجدار المعلقة!

مريم العصري الظاهري

أطلقتُ تنهيدة جرت خلفها دمعة، أعرف هذا المكان جيداً، فقلبي يحمل ملامحه يحميها من النسيان، تلوح الخيالات في كل الزوايا، كل شيءٍ قد وَهن هنا وتصدع، حتى ابتساماتنا التي طبعت على كل جدار نوراً أفلت وخبا شعاعها، مررت يدي على الجدار فإذا بلهيب الشوق يلسع يدي، ويُلهب الحنين في جوف قلبي ويوقد الذكريات في دماغي. قد عاودت جوارحي النحيب على الماضي السعيد وأنا التي ظننت أني أصبحت أقوى، وأني سأواجه غربةَ البيت القديم بابتسامة وئام، لا بدموعٍ تتحول لساحة حرب قصف ونزاع. تسارعت دقات قلبي، سرى الدم بحرارة في داخل عروقي محدثاً خللاً في كيمياء دماغي، انبعثت مواقفنا من عمق الجدران، أحسست برغبة عارمة لمحادثة جدّي وإخباره كم أضج به في عز سكوني وأصرخ في غيابه بكل صمتٍ ولا أستطيع إصدار أنةٍ واحدة رغم كل الأسى.. أكره كوني أحتاجه دوماً، وأكرهني حين أصير أنثى مهووسة بالذكريات بسببه.. ربما أكون في أوجِ شبابي لكن أحمل بين أضلاعي قلباً قد شاخ ووهن، ولا أدري لِم لَم أشعر بالألفة مع المكان مع أنني تربيت هنا وكان جدّي أكثر من كونه جداً بالنسبة لي، كان أباً وأخاً كان كل أسرتي. جاءني صوت أبي قائلاً: هيا سوف نرحل بعد دقائق، ودّعي كل شيء.. فحين نعود ستختلف كل الملامح هذا إن عدنا!
قالها وكأنه غير مبالٍ بكم الذكريات الذي سوف يضيع، فمنذ أن مات جدي وتلته جدتي لم يبق للبيت أي قيمة أو معنى، وطوال تلك السنين كان مهملاً، فهو لا يعني لهم شيء لأنهم رحلوا مبكراً باحثين عن حياة جديدة، مُنقبين عن الرغيد، غداً سوف تتهاوى الجدران ويتلاشى كل شيء.
جبت البيت بأكمله، هنا وقعتُ وهنا تعفرت ثيابي بالتراب، برمت البيت بأكمله مرات عدّة، أريد دخوله لكني لا أستطيع، إني أقف حائرة أأدخل أم لا؟ رأيت أبي يشير إلي بيديه للذهاب، أيعقل أني سأرحل دون وادعه ووداع صورته؟ ولكن هل أملك الجرأة لدخول الغرفة التي يوماً ما كنت أدق المسامير في جدرانها لأعلق صوراً تحملنا في محتواها؟ أأستطيع دخولها اليوم بعد أن خلت من كل الصور إلا واحدة؟ تلك التي لم تحرقها جدتي يوم رحل، أطلت الوقوف أمام الباب، ذهبت لكني سرعان ما عدت بلهفة الخائف وفتحت الباب بقوة متجاهلةً رعشة قلبي وخوفي.. كانت الغرفة موحشة يلفها الغبار، رأيت ما كنت أهاب رؤيته، إنها صورته التي تتوسد الجدار مائلةً للسقوط، نفضت الغبار عنها وبكيت، وقلت بصوتٍ متحشرج مكتظ بالدموع: جدّي شكراً لكَ، شكراً كثيراً لأنك حين كنتَ حياً انتزعت الحزن من أحشائي بعنف، ومزقت أوصاله التي تنتشر في جسدي، ولأنكَ حين يتوقف كل شيء عن العمل بداخلي وتتعطل أنظمةُ جسدي وخلاياه، تبقى أنتَ وصدى صوتك تنبضان بداخلي بكل هدوء وتبثان الأمان في خلايا جسدي المرعوبة.
وجهت الصورة نحوي وعلَّقتها من جديد، عزمت على الحديث معه ولو كان محبوساً في برواز، فهو يسمعني وبقربي، جدّي في وسطي سكون يعجُ بالكثير من الكلمات والحروف والشجن.. غادرت نحو حياةٍ جديدة فتنحيت عن مسرحِ الحياة، تاركاً دور بطولتها لنا، وظروفي تجبرني على الاستسلام تحت وطأة قسوتها، لا تجزع لا ترتعب ولا تخف من ذبولي، فحفيدتك أصبحت أقوى بكثير من تلكَ التي تركتها.. ليس واقعي مخيفاً ومقيتاً كما أنقل لك، ولكني صبورةٌ على معاناةِ الفراق لئلا ينفطر قلبي أكثر.
لا أدري متى سأستوعب أنك لن تعود للأبد، ولا أدري كم سأتحامل على نفسي وأنا أرى ذكرياتنا تنساب من يدي كشلالٍ صغير، نيرانٌ وعصف وريح، طفلةٌ بالقربِ تلهو بسعادةٍ يشوبها ألم، لا أجد جبلاً يعصمني منك ولا سقفًا يؤويني من الذكريات، كل شيء بات ينتمي إليك فيدمرني وكأنكَ بعد الحبِ غدوتَ لي جحيماً، فحياتي مع أبي نعيمٌ لا تستساغ فلطالما أحببت بساطة حياتي معك، إنك الرجل الوحيد الذي أعشقه بكل التفاصيل.
جدّي برغم كثير وجعي وعدك لي يخفف ثقل ألم الفقد، فقد وعدتني أنك ستأتي على متن النجوم محملاً بالأماني ستعود محملاً بالرؤى والأحلام لصغيرتك عندما أتأمل السماء في كل ليلة، وأنا عند حلول كل مساء أفترش التراب وألتحف النجوم لأكون بقربك! فأنا متأكدة أن الليل يرى شيئاً آخر نحن لا نراه.
كفكفت دموعي، لملمت ما تبقى من الذكريات في جعبتي وأنا أسمع صرير الباب الصدئ تمنيت أن يعود جدّي للحياة لو يوماً واحدًا، لأخبره ماذا حلَّ بحفيدته بعد رحيله!
اتجهت لفناء المنزل، استوقفتني ذكرى، حين أومأ ناحيتي ومسح على رأسي بلطف وقال وهو يرفعني نحو السماء: حين نرحل للسماء سوف تبقى ذكرياتنا تجوب المكان، تلفه بتعويذة فلا ننسى.
لم أفهم ما قيل وقتها، ولم أعِ ما كان يقصده، لكني وبعد مُضي أعوام بدأت أستوعب.. بدا جدي واهناً أكثر حين رأيته هنا، حقاً إن أرواحهم تجوب المكان وتلفه، فأنا أحس بروحه بل وأشم أيضاً رائحة قهوة جدتي، وأستشعر مشاجراتهما الجميلة.
بيت الطفولة أحيل للإعدام، ومهما يكن قرارهم فجدي وجدتي لهما ذكرى لا تواريها السنين، هما هنا موشومان،, هما في الروح، في الصور، في الذكريات، في عقلي الباطن، بين حروفي وطيات حياتي.. هما موجودان برغم رحيلهما، باقيان بيننا إلى أن نموت.. هما موجودان بلا أجساد، دونما صوت أو ردةِ فعل.. نحاكي خيالهما مع كلِ شعاع يلوح.. ياه جدّي لو تعود، لكنت اخترت أن أعيش في سجنك وخلف قضبانك وفي ما كنت أسميه جبهةً عسكرية بكل سعادة وحرية!