صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الحنين في خيمة شاعر

تمكن الباحث في التراث الشعبي عمار السنجري من إنقاذ ما مجموعه 55 قصيدة للشاعر مهيّر الكتبي ولغيره من الشعراء الذين لم يسجل لهم من قبل.
ويؤكد السنجري أن سروره بجمع هذه القصائد “لا يعادله سرور”، ويضيف: “كأننا أنقذنا 55 ابناً من الضياع والمصير المجهول”، لكنه يعيد الفضل في ذلك إلى الشاعر مهيّر الكتبي نفسه “فهو في النهاية إبداعه هو وإبداع أولئك الشعراء”. هذا ليس خبراً صحفياً بل ختام المقدمة الضافية التي قدم بها الباحث في التراث الشعبي عمار السنجري لكتابه الموسوم بـ “ديوان الشاعر مهيّر الكتبي” والصادر حديثاً عن أكاديمية الشعر في أبوظبي. ولا أظن أن السنجري يبالغ في قوله هذا، فالذاكرة التي يتوفر عليها الشعر النبطي في الإمارات ليست فقط ذاكرة ثرة على صعيد الوصف المكاني بل تتوفر أيضاً على مخزون معلوماتي ذي علاقة بالممارسات المجتمعية المختلفة، وهي بهذا تمثل سِفْراً يمكن للمرء أن يقرأ فيه الكثير من ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل وحتى التاريخية التي عاشتها الإمارات في فترة ما قبل النفط، وهي أيضاً سَفَرٌ في الذاكرة الفردية بوصفها نموذجاً للذاكرة الجمعية ومختزناتها التي تجعل منها شاهداً وحارساً على مجريات الزمان في هذا المكان.. كل هذا يجعل من تسجيل ديوان شعري لأي شاعر من شعراء الإمارات السابقين بمثابة انتصار للذاكرة واستنقاذ لها ـ فعلاً - من الموت والمحو.
وما يضيف أهمية أخرى إلى هذا الديوان أن السنجري لا يحفظ فقط قصائد هذا الشاعر بل يوثق لسيرته مستعيناً بولده الشاعر حبروت بن سلطان الكتبي. علاوة على أنها المرة الأولى التي تجمع فيها قصائد هذا الشاعر، ومن بينها عدد من قصائد المشاكاة الجميلة التي نظمها الشاعر وتبادلها مع عدد من أصدقائه الشعراء، مثل الشاعر معيوف بن شوين الكتبي، والشاعر خليفة بن حمد بن كنش الكتبي والشاعر مبارك بن ضحي الكتبي وأخيه الشاعر الغبشي بين ضحي الكتبي والشاعرين الأخوين جابر بن مسعود الأحبابي وظافر بن مسعود الأحبابي والشاعر سهيل الحرسوسي والشاعر عيلان بن علي السبوسي والمرحوم الشاعر خليفة بن حماد الكتبي والمرحوم الشاعر خليفة بن حاسوم الدرمكي. علاوة على قصائده التي قالها في أغراض أخرى كالمدح والوصف والغزل.
يترجم الديوان لواحد من شعراء النبط المهمّين في الإمارات، ويرسم صورة شخصية للشاعر، وحياته، وأهم الأحداث التي عاصرها والذكريات التي ما تزال ذاكرته تحتفظ بها، فضلاً عن كونه يقدم صورة بانورامية للأماكن التي تحدث عنها الشاعر. ويشتمل الكتاب فضلاً عن القصائد على مقدمة ضافية وحوار مطول أجراه الباحث مع الشاعر مهيّر الكتبي، ثم القصائد التي حرص المحقق السنجري على إيضاح معنى ألفاظها في الحواشي، ثم ثبت بأسماء القصائد والمناسبات التي قيلت فيها أو عنها، علاوة على ملحق بصور بعض الأماكن التي وردت في حديث الشاعر.

عمل شغَفيّ
في مقدمته عالج الباحث السنجري موضوع الجمع الميداني والنظرة التي ينظر بها إليه بعض الباحثين والأكاديميين، فضلاً عن المشكلات والصعوبات التي يواجهها من يتصدى لهذا العمل الصعب الذي يعتبره الباحث “من أحلى التجارب”، علاوة على كونه عمل “شغفي بالدرجة الأولى” لكنه يأخذ على البعض ومنهم عدد كبير من أساتذة الجامعات من الأنثروبولوجيين والأثنولوجيين والمعنيين بالدراسات والأبحاث السوسيولوجية اعتقادهم بأنه عمل سهل، ويقول: “هذا الاستسهال المغرق أحياناً في التنظير، يقتل في الباحث الذي ربما يكون متحمساً دافع المغامرة ويطفئ نشوة الاستكشاف بلا شك”.
ويعكس الحوار المطول الذي نشره الباحث حرصه الشديد على التوثيق المنهجي، فقد أضاف في أكثر من مكان معلومات تاريخية أو جغرافية مستقاة من مظان ومتون معتبرة توضح ما ورد في الحوار من أسماء لأماكن أو شخصيات أو أحداث وغير ذلك.. وقد ساهمت هذه الإضافات والتفاصيل في تعريف القارئ بما يجري الحديث حوله، ووسعت زاوية الرؤية لديه، ووضعته في صلب الموضوع الذي ينثال حوله السرد من الراوي وهو الشاعر مهيّر الكتبي.

المولد والنشأة
ولد الشاعر مهيّر الكتبي في 1939 حسب تقدير السن الذي عمله له مستشفى الواحة (كندي) الذي تأسس في العين في نوفمبر 1960، وهو أول مستشفى في إمارة أبوظبي، ويقول الشاعر عن مضارب بني كتب، وعن طفولته وشبابه: “هنا عشت طفولتي وشبابي، وقبيلة بني كتب هذه ديارها منذ القدم، حيث تمتد من الأفلاج جنوباً، وإلى المنطقة التي تعرف اليوم - بالهير - وهي ليست الهير القديمة، حيث أقيمت الهير الجديدة في مكان كان يعرف قديماً بـ “خب الثور”، وامتداداً إلى الشمال حيث المدام والذيد ووصولاً إلى رأس الخيمة شمالاً”.
أما بداياته الشعرية فكانت حوالي سنة 1958 كما حدد، أي في عمر 19 سنة، ويستدرك السنجري قائلاً: “رغم أنه أكد لي أن الشعر جاءه بعمر الـ 15 سنة، وهذا يحدث لأنه كما أسلفنا أن تقدير العمر هنا مجرد تقدير افتراضي ليس إلا”.
نما الشاعر وترعرع في وسط شعري بامتياز، فجده هو الشاعر مصبح بن ساري الكتبي، وعمه هو الشاعر سيف بن مصبح بن ساري الكتبي، وابن عمه هو الشاعر سلطان بن سيف بن مصبح بن ساري الكتبي، وعمه المرحوم الشاعر سلطان بن سيف بن ساري الكتبي الذي برع في قصائد التغرودة، وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “رحمه الله” يحب تغاريده، حسب قول الشاعر مهيّر الكتبي، وهو يحفظ الكثير من الأشعار التي قالوها.
ومثل أقرانه، سافر الشاعر في شبابه إلى السعودية سعياً وراء الرزق، على عادة أبناء الإمارات الذين كانوا يذهبون للعمل في الكويت وقطر والبحرين منذ أوائل أربعينات القرن العشرين حتى أواخر ستيناته، والطريف أنه عمل هناك ما يقارب السنة ولم يحصل على أجرته، يقول: “جلسنا ما يقارب السنة هناك، عقب ردينا ما عطونا شيء، ما حصلنا حتى الأجرة اشتغلنا ببلاش”.
بعدها عمل في الجيش (جيش الإنجليزي كما سماه)، يقول: “في الشارجة (الشارقة) سجلونا، يوم دخلتها كان سنة 1957 وفي سنة 1958 كنا في الحرب، حرب الجبل الأخضر في عمان، رجعنا من هناك آخر سنة 1958، أيام طالب وسليمان بن حمير، قضينا سنة تقريباً قاصر شوي في الجبل الأخضر وسنة ثانية خدمنا في عَبري. قضيت تسع سنوات في قوة كشافة ساحل عمان، كنا في الشارجة، ووزعونا عقب على سرايا وكنا نداوم في مراكز، مرة في الشارجة، ومرة في مرفع، ومرة في الجاهلي في العين.. نتبادل السرايا. أما الرواتب فكانت على 70 ريال بالشهر، وفي الحرب زودونا وعطونا 100 روبية هندية، إن كانت ريال قرطاس وإلا ريال ورشو، والأمية روبية في هاذيك الأيام لها دور، كانت تجيب لها دنيا.. ولما شكّل الشيخ زايد “الله يرحمه” جيش قوة دفاع أبوظبي، طلعنا نحن جماعة الشيوخ كل من حمل جواز أبوظبي انتسبنا إلى الجيش الذي شكله زايد، وبعد أن سجلنا داومت في مقر قيادة الجيش، وخلاف داومت في الحرس الأميري والحرس الخاص”.

سحر الأمكنة
لقد ذهب السنجري في مغامرته هذه متسلحاً بأدوات الجمع الميداني، عارفاً بها، مدركاً وعوراتها وعوائقها، ولهذا نجح في اصطياد مختزنات الذاكرة الغنية التي تنطوي عليها عادة ذاكرة كبار السن التي يرى أنها “تحتاج إلى مسح منظم وعناية موضوعية، وليست دعائية، وإعادة ترتيب أوراق لنخرج منهم بالجديد المهم والممتع في الوقت نفسه، إنها ليست متعة قص فقط، بل هي متعة ملاحقة زمن لم نعشه ولم نعيه، لقد احتفظ هؤلاء الكبار بكل الصور المكانية والصوتية لثقافتهم، ولديهم قدرة عجيبة على استرجاع كل ما يمكن استرجاعه من أحداث تحتاج فقط إلى إزاحة الغبار عنها”.
ويتابع: “عبر سردهم نألف المكان، نحبه، نحن إليه، فنرجع إليه دائماً، إنها جزئية من سحر الأمكنة، هذا الحنين، الذي لم يستطع أن يخفيه وهو الشاعر، يملأ الجوارح بإمكانية استعادة أحداث مرت وأشخاص ومناسبات. استعادتها بالتأمل، تأمل المكان نفسه، من وقت إلى آخر، وقراءة آخر المتغيرات التي صنعتها عوامل التعرية والريح، وما نحتته من كثبان رملية. استعادة الزمان، فالزمان مكان أيضاً، إثراء الزمكانية سواء عن طريق قدح الذاكرة، أو عن طريق استعادة أحلام اليقظة اللذيذة. استرجاع هذه الذكريات العزيزة، حلمياً هي التاريخ معاشاً ومستعاداً، إنه شيء من شغف الإنسان بالمكان. شيء يدخل ربما ضمن طقوس الشعر، حين يقف الشاعر على الأطلال يستحضر أشخاصه وأحداثه، وكأنها لقطات سينمائية بطريقة “الفلاش باك”.
أخيراً، يؤكد السنجري أن ما أبداه الشاعر من بعض إضاءات حول حياته وشعره، وما ذكره هو من ملاحظات ليس سوى رواية شفوية أولى تحتاج إلى كثير من التقليب والبحث والدراسة.