الاتحاد

دنيا

علماء الدين: الإسلام حدد العلاج الأمثل لمشكلة الفقر

الصدقات تدعم استقرار المجتمع الإسلامي (أرشيفية)

الصدقات تدعم استقرار المجتمع الإسلامي (أرشيفية)

تصدى الإسلام لمعالجة ظاهرة الفقر والتخفيف من آثارها، والشواهد القرآنية والنبوية والنماذج التاريخية تؤكد ذلك، فقد بغض ديننا الحنيف في نفوس المسلمين الفقر وجعله قرين الكفر، وأمر بالعمل وحث عليه ورغب فيه كسد لباب الفقر. ودعت الشريعة الدولة المسلمة لتحقيق الحاجات الأساسية للفقراء والمساكين، وحذرت من التسول والاستجداء وسؤال الناس، دفعاً لبطالة أفراد المجتمع وسداً لباب الفقر والمسكنة، وفتح الإسلام للمسلمين أبواب البر والصدقات والوقف والإحسان للمحتاجين والفقراء والمساكين.

حول ما ورد في القرآن والسنة عن مشكلة الفقر، أوضح نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور القصبي زلط، أن الإسلام الحنيف من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، له تصوره المتميز لمعالجة مشكلة الفقر، حيث يعتبر الفقر مصيبة وآفة خطيرة توجب التعوذ منها ومحاربتها، وأنه سبب لمصائب أخرى أشد وأنكى، ولهذا حث الإسلام على الدعاء بالغنى، وورد في صحيح مسلم من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»، ومن أدعية الصباح والمساء: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً صالحاً متقبَّلاً». كما جعل من دلائل حب الآخرين وابتغاء الخير لهم الدعوة لهم بوفرة المال، فقد أورد البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لصاحبه وخادمه: «اللهم أكثر ماله»، وكذا دعا لعبدالرحمن بن عوف وعروة بن جعد بالبركة في تجارتهما، وقد اعتبر الإسلام الغنى بعد الفقر نعمة يمتن الله على عباده بها، وفي هذا قال الله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى).
ويرصد الدكتور زلط الوسائل التي وردت في الإسلام الحنيف لحل مشكلة الفقر.
الاعتقاد الصحيح
وأضاف: «تعليم الناس الاعتقاد الصحيح بأن الرزق من الله تعالى، وأنه هو الرزاق، وأن كل ما يقدره الله تعالى من المصائب فلحكم بالغة، وعلى المسلم الفقير الصبر على مصيبته، وبذل الجهد في رفع الفقر عن نفسه وأهله، وعلى المؤمن الاستعاذة بالله تعالى من الفقر، فقد ورد في السنة ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلِّمه أمته، وهو الاستعاذة بالله تعالى من الفقر، لما له من أثر على النفس، والأسرة، والمجتمع، فعَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ»، فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.
أساليب العلاج
وعن كيفية علاج الفقر، يقول العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد رأفت عثمان: «لقد وضع الإسلام الأدوية المتعددة لداء الفقر، وبين الحلول المتنوعة لمعضلة الحاجة والحرمان، ولم يكن ذلك مجرد مبادئ نظرية يتم الحديث عنها بعيداً عن صلاحيتها للواقع، بل إن المسلمين قد طبقوها وأقاموها في مجتمعاتهم، فحصل ما تكلم عنه التاريخ بفخر واعتزاز، حتى أن تاريخ الأمة الإسلامية ليشرُف بذلك العهد الزاهي الذي لحق عهد الخلفاء الراشدين ونقصد به عهد خلافة الإمام العادل عمر بن عبدالعزيز، ولنقرأ معاً ما رواه ابن كثير في البداية والنهاية فيقول: «كان منادي عمر ينادي كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلاً من هؤلاء».
ويضيف: «ولما كان العمل بمثابة الحل الجذري لمشكلة الفقر، فقد حث الإسلام على السعي والعمل من خلال الامتنان بنعمة تسخير الأرض وما فيها، وطلب الاستفادة منها عبادةً لله «وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ»، وجعله دليلاً على صدق التوكل على الله والثقة به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تَوَكَّلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً»، والحث على أنواع المهن والحرف، ومن ذلك التجارة، حيث اشتغل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزراعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة»، والصناعات والحرف فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الكسب أفضل؟» قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور»، وفي صحيح البخاري ومسلم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يحطب أحدكم على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه». كما أن الإسلام أعتبر العمل والكسب من الصدقات ووسيلة إليها، ففي حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق»، وقد تربى صفوة البشر من الأنبياء على العمل لاتخاذهم قدوة، حيث عمل الأنبياء في أعمال وحرف عدة، ومنها رعي الأغنام، وصناعة الحديد، والتجارة، وغيرها، ومما ورد في ذلك من الأدلة قول الرجل الصالح لموسى - عليه السلام - وهو من أولي العزم من الرسل: «قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ».
مواجهة
وتقول أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الدكتورة ليلى قطب: «واجه الإسلام مشكلة الفقر مواجهة حكيمة، وذلك بعدد من الوسائل التي اتخذها لمساندة الفقراء من خلال فريضة الزكاة، والصدقات الجارية، والتطوع والهبات، وأنواع البر المختلفة، ومعالجة ظاهرة البطالة المسببة للفقر، إلى جانب ذلك، أحيا الإسلام في نفوس المسلمين فكرة العمل وتحقيق الاستقلال الذاتي والاكتفاء والاستغناء عن الناس دون تسول واستجداء أو فراغ وتعطل، وكذلك دعا الإسلام الدولة المسلمة إلى مساعدة شعبها الفقير بتحقيق مستوى الكفاية للناس وتوفير الحاجات الأساسية، والمطلوب من المسلمين عامة، وضع المال في محله كأن ينفق المال إنفاقاً مشروعاً للصدقة والزكاة والتبرعات والهبات والنفقة على النفس والأولاد والأقارب والجيران والمحتاجين، والتوازن الاقتصادي توازناً يؤدي إلى المساواة والتقارب بين الأمة كي لا يبقى في المجتمع متخمون بالغنى وفقراء معدمون، والتكافل الاقتصادي بأن يتضامن أبناء المجتمع ويتساندون فيما بينهم باتخاذ مواقف إيجابية كرعاية اليتيم وتفقد المساكين والقيام مع المحتاجين في مصالحهم.


تعاليم إسلامية
نبه نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور القصبي زلط إلى أن الإسلام حث على العمل، والكسب، والمشي في الأرض لكسب الرزق، وأوجب الزكاة في أموال الأغنياء، فقد جعل الله تعالى للفقراء نصيباً في الزكاة، ويُعطى الفقير تمليكاً، ويُعطى حتى يغتني، ويزول فقره، كما حث على الصدقات، والأوقاف، وكفالة الأيتام والأرامل، وحث على إعانة المحتاج، والوقوف بجانب الضعيف.

اقرأ أيضا