الاتحاد

دنيا

الجاز الساحر·· فن اكتسح العالم بالصدفة!

الجاز سحر وجاذبية!

الجاز سحر وجاذبية!

فن الجاز هو فضاء الموسيقى المتحررة من المقامات والقوانين، مع التزامها بمبدأ التنويع وبناء المفاجآت اللحنية والحليات الزخرفية الفاتنة إذا جاز التعبير· ولذلك يقول أسطورة الجاز العازف ''لويس أرمسترونج'': ''يكون الجاز أو لا يكون، ها هنا الحكمة''! وفي قوله هذا تلخيص بارع لروح وجوهر فن الجاز الذي بدأ بشكل يثير الدهشة، فبعد نهاية الحرب الأهلية في أميركا وتحرر الأفارقة من الرق، التفت الأميركيون حديثي التحرر حولهم فوجدوا عدداً كبيراً من الآلات النحاسية المبعثرة هنا وهناك من مخلفات الحرب التي تركتها فرق الموسيقى العسكرية، فجمعوها وأخذوا يحاولون النفخ فيها محاولين عزف تلك الألحان والمارشات العسكرية أو عزف أية نغمة تخرج منهم تلقائياً، وهكذا بالفطرة والسليقة ابتكروا- وهم لا يدرون- أسس موسيقى الجاز!·

لذلك أصبحت الآلات النحاسية هي الآلات الأساسية لعزف الجاز، وفي العام 1895م تكونت في مدينة ''نيو أورليانز'' عاصمة الجاز اليوم، أول فرقة تعزف موسيقى الجاز بقيادة ''بادي بولدن''، وكانت موسيقاها غير مدونة وتعتمد أساساً على الارتجال والتقسيم المشترك والانطلاق بالأصوات في كل اتجاه، ثم أخذت الفرق تتكاثر وتنتشر وتجذب إليها جمهوراً متزايداً من الشباب، واحتلت تلك الموسيقى مكاناً بارزاً في صالات الرقص والحدائق العامة ومناسبات الأفراح والزواج وحتى في السير أمام الجنازات، فتزايد عشاقها بشكل كبير·
كانت الفرق الصغيرة كثيرة التنقل والتجوال من مكان لآخر، ولذلك لم يدخل البيانو في تكوينها إلا عام 1920م· ومنذ بداية القرن العشرين أخذ الجاز يتقدم بشكل متعثر للأمام، ففي البداية حاول بعض البيض تكوين فرق خاصة بهم تعزف موسيقى الجاز التي يدونونها بالنوتة ولكنهم لم يحققوا النجاح، لأنهم افتقدوا الروح الأفريقية الصارخة التي كانت تطبع موسيقى الجاز بطابعها الخاص وقتها، لكن الموسيقيين البيض لم يفقدوا الأمل وعملوا بعد ذلك على تطوير نوع جديد من موسيقى الجاز أطلقوا عليه اسم ''ديكسي لاند''، فأخذ ينتشر تدريجياً في أنحاء الولايات المتحدة الأميركية بفضل الأفلام السينمائية وشركات الأسطوانات حتى قامت الحرب العالمية الثانية·
وأثناء الحرب العالمية الأولى انتقلت زعامة موسيقى الجاز من ''نيو اورليانز'' إلى ''شيكاغو'' التي ضمت أعداداً كبيرة من الملاهي وعلب الليل، كما انتشرت موسيقى الجاز حينها في أكثر من ولاية مثل ''بالتيمور وواشنطن ونيويورك وبوسطن'' وفي كل مدينة كانت الفرق تحاول أن تضم إليها عازفين من مدينة ''نيو اورليانز'' التي كانت تعتبر المعهد الذي قدم أشهر العازفين وأمهرهم في الارتجال·
الجاز الجاد
كانت فرق موسيقى الجاز تتكون من سبعة أو ثمانية عازفين، ثم ظهر في نيويورك وفي حي ''هارلم'' تحديداً ''فلتشر هندرسون'' و''ديوك إلينجتون'' وكانا من الموسيقيين الدارسين الذين قاموا بمضاعفة عدد العازفين في فرقهم، وكتبوا النوتات الموسيقية لكل عازف، وقللوا من فواصل الارتجال التي كانت من الخصائص الأساسية للجاز، وأطلقوا على ذلك النوع من الموسيقى ''الجاز الجاد''، وقد صادف ذلك التجديد الكثير من النجاح وتزايد عليه الإقبال في فنادق نيويورك الفاخرة وفي الملاهي الليلية وحتى في الحفلات التي كانت تقيمها الجامعات والمدارس في مختلف المناسبات، وشجع هذا النجاح الكثير من الفرق التي سارت على نفس الطريق، كما ظهر في الثلاثينات عدد من الموسيقيين البيض المهرة من خريجي المعهد الموسيقي مثل ''تومي دورساي'' وشقيقه ''وينى جودمان''، وحقق هذا اللون من الجاز الكثير من التألق والانتشار نتيجة لظهور محطات الردايو العديدة وشركات تسجيل الاسطوانات·
الجاز البارد والجاز السيمفوني
ابتداءً من بداية العام 1945م بدأ الموسيقيون في فرق الجاز ثورة ضد الوظيفة التقليدية للموسيقى التي يعزفونها وهي تحريك أرجل الراقصين، وظهر اعتقاد بين عدد من موسيقيِّي الجاز بأنهم يقدمون فناً راقياً يستحق الإصغاء والاستماع إليه باحترام، وهكذا أخذت موسيقى الجاز طريقاً جديداً فاختفى منها الارتجال وقل استعمال الإيقاعات الساخنة، وأصبحت المؤلفات الجديدة تميل إلى البطء وإلى التعبير العاطفي في ألحان ذات طابع غنائي، وأطلق على هذا النوع الموسيقيِّ اسم ''الجاز البارد''!· واستمراراً لتطور الجاز، قام ''جيل ايفانز'' عام 1955م بتكوين أول فرقة لما عرف حينها باسم ''السيمفوجاز'' وهو عبارة عن تكوين موسع يشتمل على آلات الاوركسترا السيمفوني الكامل مضافاً إليها آلات فرق الجاز التقليدية، وتبعه في ذلك ''جنتر شولر'' وغيرهم، ورغم كل ذلك التطور لم تختفِ فرق الجاز التقليدية الصغيرة أبداً· في الستينات بلغ الجاز أوج مجده وسما إلى أرفع المستويات، فوقتها كان فناً راقياً تتبناه الطبقات البرجوازية الأميركية، لدرجة أنه صار يعزف في الأوبرا والقاعات الفاخرة! حتى ظهر ''سيسل تايلور'' وهو عازف بيانو نادى بالعودة بالجاز إلى أصوله القديمة بعد أن كان قد بلغ في سموه أرفع المستويات، وكان أحد زعماء تلك الحركة ''كولتران'' الذي قال في إحدى المرات: ''أحب أن أرى الناس من حولي يرقصون وأنا أعزف''·
جاز ناطق بكل اللغات
انتشرت موسيقى الجاز بعد ذلك في كل أنحاء العالم بداية من الستينات مع ظهور التلفاز وانتشاره ونمو صناعة الموسيقى بشكل متضخم، فأخذت موسيقى الجاز من كل منطقة ما يشبه طابعها المحلي الخاص، فظهر الجاز اللاتيني نسبة لأميركا اللاتينية، والأورينتال جاز أو الجاز الشرقي ويقصد به الجاز العربي، بل وحتى الجاز الياباني في بلاد عرفت بمحافظتها الشديدة على عاداتها وتقاليدها، وقد اشتهر العديد من الفنانين العرب المعاصرين بشغفهم وإبداعهم في هذا اللون كالفنان اللبناني زياد الرحباني الذي ألف العديد من ألحان الجاز للسيدة فيروز، وفي مصر برع في هذا اللون الفنان يحيى خليل، والمطرب محمد منير، وغيرهم من جيل الشباب المجددين·

اقرأ أيضا