الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

قصر الحصن.. يترجم احتضان الحاضر لنبض الماضي ومخزونه التراثي

تغيرت ملامحه، واقشعر بدنه، وسمح لمشاعره أن تنسكب دموعا عندما وجد أحمد الظاهري نفسه بين أحضان ساحة وقرية تراثية في قصر الحصن، أقدم وأكثر المباني شهرة في أبوظبي، حيث بدأت قصة الإمارة والدولة من هذا المكان وستظل ماثلةً على جدرانه. تجول الظاهري في ساحته التي صممت على الطراز القديم لترجعه إلى مراحل عبر الزمن الذي وصفه بالجميل، إذ عانق المكان كل مفردات الغنى والموروث الثقافي والحضاري، فهنا كانت طفولته وآثار خطواته الأولى، وهنا شب وترعرع، مثلت تفاصيله جزءا من قلبه وعقله معا، إذ نجحت القرية في ترجمة كل بيئات أبوظبي وجسدت أربعة مظاهر حياتية للإمارة. ضمن احتفالات الإمارة بمرور 250 عاماً على إنشاء قصر الحصن والتي انطلقت أمس وتستمر لغاية 9 مارس الجاري.

بهذه المناسبة تقيم أبوظبي عرساً كبيراً تحضره جنسيات مختلفة من كل بقاع الأرض، للاحتفاء على أرضها الطيبة، بأقدم معالمها التاريخية، إذ تحتفل بالتراث والتقاليد وكل ما يميز مدينة أبوظبي وثقافتها في إطار المهرجان الضخم الذي تنظمه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة المستمر لغاية 9 مارس الجاري، بمناسبة مرور أكثر من قرنين ونصف القرن على بناء هذا الصرح العظيم، وتشمل الساحة أضخم الفعاليات الاجتماعية والثقافية والتراثية، والتي تقام على مساحة تمتد على مرمى البصر تصل إلى 18 ألف متر مربع، وصممت على طريقة عصرية مبهرة، يحضرها الماضي بكل عنفوانه كاشفة سره وناطقة بتاريخه ومتحدثة بالتكنولوجيا التي تستغلها لتقريب مفردات التراث للفئات الشغوفة بهذا العالم الرقمي ولهذه الأجيال الصغيرة لربطهم بتاريخهم وماضيهم المجيد، كما ستتاح الفرصة أمام كل الزوار لمشاهدة الحرفيين وهم يزاولون الحرف التراثية الأصيلة والحصول على معلومات تاريخية مهمة يسجلونها عبر هواتفهم النقالة، وهم يشاهدون البرامج المدهشة.
تراث وثقافة أبوظبي
الفعاليات تتضمن المأكولات الإماراتية الشعبية والأسواق النابضة بالحياة، والفعاليات المتنوعة، والفرق الموسيقية التي خلقت توليفة رائعة وصممت لتعكس تراث وثقافة أبوظبي، بحيث سيتواجد في أرض المهرجان مجموعة من صنّاع الحرف اليدوية التقليدية التي ستمكن الزوار من مشاهدتهم أثناء صناعة المنتجات والأعمال اليدوية، فضلاً عن إمكانية الجلوس معهم ومشاركتهم هذه الأعمال، ويحتوي المهرجان على عدد من ورش العمل الترفيهية التي توفر للحضور إمكانية تعلم النقش بالحناء، وطريقة نسج السدو، وصناعة الحصير، وصناعة عدد من المنتجات باستخدام سعف النخيل، وذلك طوال فترة المهرجان بشكل يومي، من الرابعة عصراً وحتى الحادية عشرة مساءً خلال أيام الأسبوع، ومن الساعة الخامسة عصراً إلى الساعة 12 مساءً خلال أيام عطلة الأسبوع.
مظاهر حياتية
وعن القرية وما تحتويه من فعاليات وأنشطة وطريقة تصميمها، يقول مدير الفعاليات في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة فيصل الشيخ، في تصريح خاص لجريدة «الاتحاد»: تحتضن القرية التي تمتد على مساحة شاسعة، عدة فعاليات تراثية واجتماعية تفاعلية مبتكرة، تم طرحها بطريقة جديدة، تجسد أربعة مظاهر حياتية لإمارة أبوظبي، منها الركن البري، الركن البحري، الواحة، بالإضافة إلى جزيرة أبوظبي سابقا». ويوضح الشيخ أن هناك قصصا وحكايات كامنة وراء كل حجر في جدرانه العتيقة، وتحاول الفعاليات عكس هذا المخزون الثقافي وهذه الحكايات من خلال ما ترسمه يوميا من فرحة أمام الجمهور ومن ترجمة للماضي العريق. مشيرا إلى أن السوق يشمل الحرف اليدوية ويخصص مشهداً للحياة في الصحراء وما يتعلق بها من حرف بسيطة، مثل فنون إعداد القهوة العربية وفنون القنص وركوب الجمال والحكايات الشعبية الخرافية، بينما تركز الحياة في الواحة على العناية بالنخيل وتجهيز التمور، وتقدم القرية ممارسات حية خاصة بالنشاطات البحرية مثل صيد السمك والغوص بحثا عن اللؤلؤ وفلق المحار وبناء السفن الخشبية، كذلك يضم مهرجان قصر الحصن العديد من الوسائل الترفيهية لجميع أفراد العائلة، حيث يمكن لزوار المهرجان الاستمتاع بركوب الجمال وتعلم الألعاب التراثية ومشاهدة حيوانات الصحراء ومنها الخيول والصقور والسلوقي والحباري وغيرها. ويمكنهم أيضاً أن يتعرفوا على طريقة حلب الإبل، وللصغار أيضًا أن يختاروا ألعاباً على الهواتف المحمولة أو متابعة لعبة حكمة اللآلئ لمعرفة كم لؤلؤة يمكن أن يجمعوا في هذه اللعبة، حيث يحصل الأطفال على خريطة اللؤلؤ ويخوضون بذلك لعبة «البحث عن الكنز» الممتعة خلال المهرجان وحل الأدلة للعثور على الرموز المربعة والكشف عما تخفيه من أسرار، كما يضم المهرجان باقة واسعة من العروض والأنشطة الثقافية، وفي كل زيارة لأحد النشاطات، يحصل الطفل على ختم ليثبت زيارته.
قلب المدينة النابض
هناك نساء ورجال شكلوا جزءا من القصة والحكاية، فقد استطاعوا تطويع منتجات بيئتهم، وبلورتها فنونا، وحرفا ما زالت لم تكشف عن سرها كاملا، وما زالت بعيدة عن اختراق خصوصيتها، فهي حرف تأبى أن تشيخ، هكذا خلقت النساء من بيئتها عطورا وبخورا، ونسجت من خيوط التلي أثوابا وزينت أقمشة، وهذا ما يتبلور في قرية المهرجان التي عكستها داخل أكشاك صممت بالطريقة القديمة لسكان أبوظبي لحقبة ترجع إلى مئات السنين، حيث توزعت السيدات يعطرن المكان، الذي عبق برائحة البخور والعطور رغم رحابته واتساعه، بينما انشغلت مبدعات أخريات بالعمل على صناعة خيوط السدو ونسجها، وتنوعت الأكشاك بتنوع منتجات الجدات اللواتي أبدعن في خلق كل مستلزماتهن، بكل فنية وإبداع بأناملهن محققات اكتفاءا ذاتيا، وبسطت اليوم خبراتهن أمام الزوار، وأظهرن رحابة صدر في تعليم هذه الحرف لهذه الأجيال الشغوفة بماضي الأجداد، بحيث أبدعت ابنة الإمارات في حرف علمّتها لأبنائها وأحفادها معتمدة على البيئة التي تعيش فيها مستفيدة من المواد الأولية الموجودة، لتؤكد قدرتها على تحويل كل المواد القابلة للتشكيل إلى تحف فنية.



فرصة للمجتمع
يقول مدير الفعاليات في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة فيصل الشيخ، إن تجهيز الساحة بما يتناسب مع البيئة الإماراتية قديما وما تشمله من مفردات، تم الاشتغال عليه لما يقارب 9 شهور من طرف هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ليرى النور الآن، من خلال برنامج حافل بالعروض والأنشطة الفريدة، موضحا أن القصر سيفتح أبوابه للجمهور من الساعة 2 ظهرا إلى 12 ليلا مقابل سعر رمزي لا يتعدى 10 دراهم، مؤكدا أن القرية ستقدم فرصة للمجتمع بأكمله للاحتفاء بالتراث الأصيل والتاريخ الإماراتي الثري.


حِرف أهل البحر

شكلت البيئة البحرية لأهل الساحل حلقة رئيسية لسكان أبوظبي، وعرفت ازدهاراً كبيراً، وهذا ما تعكسه الساحة من مفردات، حيث تعلم الطلاب كل ما خبره الأجداد من صناعة وحرف ارتبطت بأهل البحر، وتعددت الحرف والصناعات اليدوية وتنوعت، وكان أهمّها صناعة السفن التي استخدمت لها أدوات وإمكانيات بدائية ويدوية كالمنشار والمطرقة والدواة التي تضبط بها المسافات والمقاسات، والمجدع وهو أداة لثقب الأشياء وفق خبراء في المجال، إذ تمركزت في جهة من جهات القرية، وامتدت على مساحة كبيرة سهر عليها رجال تشربوا هذه الحرفة وعرفوا كل جزئياتها، لتقريب الجيل الحالي من الصناعات والحرف اليدوية التي رافقت صناعة السفن وما صاحبها من حرف كالغوص بحثا عن اللؤلؤ، إذ يسمح للزوار بالتقرب من مهنة الأجداد التي شكلت محوراً مهماً في حياة سكان أبوظبي الذين ارتبطوا بموسم الغوص لاستخراج اللؤلؤ، وفي المقابل وتفاعلا مع كل مكونات بيئة أبوظبي، يتاح للجمهور يوميا لقاءات تكشف بيئة الصحراء والاطلاع على مكوناتها من خلال الموروث الثقافي والصناعات والحرف اليدوية المرتبطة بها، حيث اكتسبت هذه الحرف والصناعات التقليدية أهمية خاصة، وتفننت كل فئات المجتمع في استغلال معطيات البيئة المحلية كمواد خام لهذه الصناعات وابتكرت الأدوات والمعدات التي حولت بها هذه المواد الخام إلى منتجات تفي بمتطلبات العيش وتنم عن قدرات فائقة مع التصميم والتشكيل، حيث بسطت الساحة حرفا وصناعات تقليدية تعتبر جزءاً مهما من الثقافة المادية في التراث الشعبي في أبوظبي وأهميتها تأتي من كونها لصيقة بكل ما له علاقة بأوجه الحياة المتعددة على مر العصور، لتثبت أن بيئة الإمارات، بيئة حية تنبض بالحياة على مر العصور.

اقرأ أيضا