الاتحاد

ثقافة

«فقط».. العتبة المشهدية والرمزية العالية

مشهد من مسرحية «فقط» (تصوير متوكل مبارك)

مشهد من مسرحية «فقط» (تصوير متوكل مبارك)

إبراهيم الملا (الشارقة)

قدمت فرقة مسرح بني ياس مساء أمس الأول بقاعة قصر الثقافة في الشارقة، عرضها المسرحي بعنوان: «فقط» ضمن عروض الدورة الثامنة والعشرين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية. العرض من إخراج فيصل الدرمكي ومن تأليف عبدالله مسعود الذي يستوحي نصه من الفيلم الروائي القصير «غصرة» للمخرج التونسي جميل النجار.
شهد العرض عودة مصحوبة بالتميّز للفنان علاء النعيمي بعد فترة غياب طويلة عن أيام الشارقة المسرحية، عودة ضمنت أيضاً للمخرج فيصل الدرمكي ولمسرح بني ياس مساحة إبداعية متألقة ومشاركة أكثر توهجاً مقارنة بالسنوات السابقة.
ويبدو أن عرض «فقط» استفاد من أخطاء وعثرات الماضي، مرتكزاً هذه المرة على حكاية مشوقة تشكّلت بداية مع بزوغ العتبة المشهدية الأولى في العمل، وصولا إلى الذروة أو لحظة الختام المتوافرة على قدر كبير من الاختزال البصري، والرمزية العالية، والتكوينات المكثفة، التي جسّدت مقولة العرض وثيمته الأساس.
نرى بداية وفي مقدمة الخشبة شخصاً ذا مظهر محايد، يختزن في داخله حيرة أخذت تتسلل بشكل تدريجي إلى ملامحه، ومن خلال مونولوج مؤقت وغير مكتمل وتقطعه الكثير من الأحداث، وتوافد الزوّار العابرين، نكتشف أن هذا الشخص، واسمه «هشام» (يقوم بدوره علاء النعيمي) بات معزولاً ووحيداً بعد أن تعطلت سيارته ونفدت بطارية هاتفه المحمول، وهو الآن بحاجة لمن يساعده كي يوصل الدواء لوالدته المريضة، ومع مرور الوقت يشعر بضرورة قضاء حاجته البيولوجية، ولكن وفي كل مرة يحاول فيها الاختباء خلف صخرة أو شجرة، يمرّ عليه أناس لا يعرفهم ويبدأون في استجوابه للتعرف على قصته ونواياه وسبب تواجده في المكان.
في المرة الأولى يباغته مجموعة من الأشخاص المتوجهين نحو صناديق الاقتراع لاختيار مرشحهم الرئاسي، ويجبرونه على الانضمام لهم والتصويت لمرشحهم رغم كونه غريباً عن المكان وجاهلاً بحقيقة هذا المرشح وما يملكه من برنامج، ولكنه يضطر للإدلاء بصوته ومساندتهم وأخذ الملصق الخاص بالمرشح، حتى يتخلص من وجودهم.
في المرة التالية، يفاجأ بامرأة جميلة تغني له وتراوده، وتنصب حوله شباك إغرائها، ومصائد أنوثتها، وتهديه وردة حمراء كتذكار لهذا اللقاء، ولكنه لا يبدي تجاهها أي ردة فعل واضحة، فتتركه غاضبة، بعد أن تسمعه كلمات جارحة ومقللة من رجولته.
في المرة الثالثة يجد نفسه محاصراً بمجموعة من مشجعي الكرة المتعصبين الذين يجبرونه على تشجيع فريقهم المفضل، رغم عدم علاقته بهذا العالم، ويضطر أيضا لأخذ شارة فريقهم وقنينة الخمر التي وهبوها له، كي يتفرغ لحل مشكلته مع سيارته المعطلة.
أما المجموعة الرابعة التي تفد إليه فتبدي مسلكاً دينياً عنيفاً وتحكم عليه بالزندقة بعد عثورها على قنينة الخمر، والوردة المغروسة في قميصه، وشارة الانتخابات التي تراها الجماعة عملاً كفريّاً يوجب إقامة الحد عليه، ولكن زعيم الجماعة، يمنحه فرصة للتوبة إذا اختار الانضمام للجماعة والمشاركة في عملياتها الانتحارية والموصوفة لديها بالعمليات «الاستشهادية».
وفي المشهد الأخير من العرض الأخير، تباغته أجهزة الأمن وتتهمه بالإرهاب بعد أن تجد لديه دليلًا دامغاً متمثلًا في القنبلة التي تركها المتطرفون عنده، ويختتم المشهد بتوثيق هشام، وربطه معلقاً بمنصة عالية لتنفيذ الحكم المنتظر عليه، فيصرخ فيهم بأسى واضح: «لماذا يتراءى لي أن حياتنا أصبحت كقطار يسحب عرباته المفككّة، رأيت أصنافا وأشكالا تمنيت أن أقضي حاجتي عليها، هل نحن وقود ذلك القطار، ألا يمكن أن نكون المكابح، أنا محصور، وفقط»!.
نجح العرض في الحفاظ على إيقاعه السردي المتصاعد، والذي لم يخل من تشويق وترقب على عدة مستويات مرتبطة أولاً بالأداء التمثيلي لكامل المشاركين في العرض من شخصيات رئيسية، ومن الجوقة المساندة، ومرتبطة ثانياً بالسينوغرافيا وما اشتملت عليه من ديكورات بسيطة ومرنة تم توظيفها لخدمة كل حدث في القصة على حدة، بينما أسهمت الإضاءة والمؤثرات الصوتية في تلوين وتنويع المشاهد اعتمادا على كتلتها وزخمها الداخلي المتشكل من خلال المونولوج، ومن خلال حوارات «هشام» مع كل تلك الشخصيات الوافدة عليه، والمستندة على مرجعيات متعددة وأفكار متناقضة ونوايا غامضة، والتي عبّرت في مجملها عن إشكالات اجتماعية وثقافية خطيرة في أوطاننا المبتلاة بالفوضى والحروب!

اقرأ أيضا

سارة العقروبي: إن لم نسأل نقع في شراك الإبداع المحدود