الاتحاد

ثقافة

ناشرون: نحلم بكتاب سعودي عالمي

جانب من معرض الرياض للكتاب (من المصدر)

جانب من معرض الرياض للكتاب (من المصدر)

نوف الموسى (الرياض)

التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية، تطرح سؤال «الثقافة» وبقوة، باعتبارها ركيزة أساسية لإحداث الوعي، والمساهمة في دفع التناغم المجتمعي نحو مفهوم «المتغير»، وآلية التعاطي مع مبدأ «التغير» من خلال إدراك الفرد لذاته ومجتمعه. اللافت في معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 2018، هو بحث أصحاب دور النشر السعودية، وبالأخص الشبابية منها، عن كيفية استثمار تلك التحولات، مؤكدين لـ«الاتحاد»، أنها جعلتهم يطرحون أسئلتهم بحرية أكبر، بالمقابل فإن بعض القراء، لا يزالون يتخوفون من قراءة بعض الكتب التي يعتقدون أنها تخالف مبادئهم، وإنْ اقتنوا كتباً يعتقدون أنها جريئة، لا يشاركون بها الآخرين، رغم اعترافهم بأنهم استمتعوا بالمضمون، ولكن هذا لا يلغي مسألة تغير النفس الروائي لدى الكاتب الخليجي الذي أصبح أكثر عالمية فيما يطرح، متجاوزاً محيطه، وتنوعت الأسباب التي جعلت الكتّاب السعوديين يتوجهون لتأسيس دور نشر، أولها بطبيعة الحال رغبتهم في طرح الأسئلة، وثانيها محاولتهم تشكيل منصات يتجاوزون فيها معوقات النشر في المنطقة المحلية، والتي عايشوها بشكل شخصي، وثالثها هو خلق فضاء متعدد يحتمل وجهات نظر ورؤى مختلفة. وبين مراهنات الناشرين عن زمن الشعر أم الرواية، ظل النص مفتوحاً.. يحكمه القارئ، الذي يخضع لمتابعة دائمة من قبلهم حول طبيعة ذائقته المتنوعة.
من يحتاج إلى التثقيف في المرحلة الحالية من عمر التحولات، هل هو المؤلف أم الناشر أم المتلقي (مثلث صناعة النشر)؟ سؤال انطلق به حديث د. إياد بن عبدالرحمن بن عمر، المدير التنفيذي رئيس التحرير لدار «ميلاد» للنشر والتوزيع، ولكونه ناشراً، فهو يتابع ويراقب ما يكتبه المؤلف وما يهتم به القارئ، وتأثير ذلك على طبيعة ما يحدث على رفوف من تغير مستمر لنوعية الكتب، فمثلاً بحسب ما يراه هناك عزوف عن الشعر، وانكباب على الرواية، معبراً بذلك بكلمة «للأسف»، معتبراً أن جوائر الرواية ساهمت في تسويقها، بمجرد وصولها إلى القوائم الطويلة والقصيرة، ما يجعلها منتشرة بزخم في وسائل التواصل الاجتماعي.
ارتفاع سقف حرية نشر الكتب في السعودية، أمر يدعو للتأمل، وإعادة اكتشاف القارئ، كما أوضح د. إياد بن عبدالرحمن، فهناك كتب موجودة على الرفوف، وبعض القراء يتجنبون اقتناءها، خوفاً من أنها تكون ضد مبادئهم، وهناك الكثير من القراء تعجبه رواية ولا يروج لها، عبر مشاركتها لمن حوله، بسبب هذا الخوف المرتبط فيه، وهنا يأتي دور تثقيف القارئ، وبيان أنه بالإمكان مناقشة الحالة التي يعتبرها صريحة وجريئة في النص، لكونها جزءاً بسيطاً من الطبخة الكاملة للحكاية، ولذلك يجب أن نكون دائماً مطلعين على الإنتاجات المختلفة بشكل دائم، فما يقوم به مشروع «كلمة» في الإمارات، يعتبر مجهوداً ضخماً، في إتاحة فرص كبيرة للاطلاع، على إنتاجات نوعية وعالمية، وربما في السعودية، هناك الحاجة إلى مشاريع مشابهة لمؤسسات حكومية غير ربحية، تعمل على تدويل تلك الأفكار وجعلها في قالب خليجي، يتوافق مع طبيعة المجتمع.
اعتبر عبدالله الغبين، المدير العام لدار «أثر» للنشر والتوزيع، أن الثقافة ركيزة أساسية لإحداث عملية التحول، من خلال تقديم دور تنويري للقارئ، خاصة أن أغلب القراء ينتمون لفئة الشباب. وفعل «التجاوز» الذي جاء بعد سنوات طويلة، يتيح خيارات أكثر، حيث أصبح الآن المجال واسعاً والفضاء رحباً ويسمح بتعدد الآراء والرؤى. والمساهمة الأهم للتحول هي حضور السؤال في المنتج الإبداعي، فالكتاب الذي لا يثير الأسئلة، مهما كانت هذه الأسئلة، يعتبر كتاباً غير ناجح. وبصفته كاتباً، يرى عبدالله الغبين أن «صناعة كتاب سعودي بمواصفات عالمية»، أهم ما يشغل رؤيته الحالية كصاحب دار نشر، والعالمية تكمن في الناحية الفنية، فالرواية كما يعلم الكثيرون لا تزال حديثة في إيقاعها على المجتمع في المنطقة، وما سيدعم إثراءها هو احترافية، فهم آلياتها منذ لحظة تسلم المخطوط حتى وصوله للمتلقي.
مشكلة التوزيع، بحسب عبدالله الغبين، مع الانفتاح الرقمي، تتمثل في أزمة القرصنة وحقوق الملكية الفكرية غير المفعلة قانونياً بشكل رصين، وهذا أدى بدوره إلى فشل دور النشر الرقمية في المنطقة العربية، موضحاً أن العمل في مجال النشر، لا يواجه فقط تحديات خارجية، مرتبطة بطبيعة البيئات والأنظمة الثقافية والمجتمعية، بل هناك إشكاليات داخلية من مثل علاقة الكاتب بدار النشر، ومسألة تقبل الانتقادات والملاحظات التحريرية التي يقابلها المؤلف في الكثير من الأحيان بالرفض والتحفظ، ما يدعو مجدداً لطرح موضوع «التحرير» كثقافة نشر عالمية، لا تقلل من قيمة الكاتب ولا تلغي هوية النص أو روح المؤلف، ولكنها تعتمد على تجويد مستوى النص، لتقديم أفضل ما يمكن للقارئ. وأكد عبدالله الغبين، أن موجة الرواية جاءت نتاج الحركة الثقافية السعودية، والانفتاح الثقافي في منطقة الخليج عموماً، مؤمناً أن رهانه سيبقى دائماً على الرواية ليس لمجرد الاحتفاء بمستوى فكرة العمل وجمالية سير الأحداث، ولكنها أثبتت مكانتها في كونها صاحبة الأسئلة الكبرى في وجدانها الإنساني.
«القصيدة لاعتباراتها في التأويل يمنحها امتياز تصدر المشهد الثقافي»، بهذا البعد الوجودي، قدم أحمد سالم مدير العلاقات العامة في دار «تشكيل» للنشر والتوزيع، السبب الرئيس لتصدر كتب قصيدة النثر في الدار، رامياً بكل الآراء المتباينة في تصدر الرواية، بعيداً عن المرمى الفعلي لمسارات الشراء في سوق النشر، مؤمناً بأن الروايات الفائزة بالجوائز، هي من تحظى بنصيب الأسد في الشراء والترويج والاهتمام، أما الرواية بشكل عام، فلا تزال أمام معضلة التسارع الزمني الذي يعيشه الفرد في مجتمعاتنا، وإمكانية التفاعل مع النص الطويل، بتعقيداته كافة. ولفت أحمد سالم إلى أن ما يحدث من تحول وانفتاح في المملكة العربية السعودية، ساهم في تحرير المشهد الثقافي بشكل أوسع وملحوظ، فالحرية المعرفية لم تقتصر على الكتب ذات البعد الأدبي والإبداعي، بل شملت كتب الفلسفة بمختلف توجهاتها.
ويسرد أحمد سالم، القصة الحقيقية خلف تأسيس دار تشكيل: «نحن 5 كتاب شباب، واجهنا صعوبة في التواصل مع أصحاب دور النشر، إلى جانب شعورنا بمظلومية في المبيعات، وغيرها من تفاصيل الاستغلال المادي من قبل بعض الناشرين، قررنا على أثرها إنشاء دار نشر تهتم بإيصال إنتاجاتنا الإبداعية، ونمثل بأنفسنا منصة، لإيصال المؤلفين الموهوبين في السعودية. فعلياً هناك الكثير من الكتاب المبدعين اعتزلوا الكتابة بسبب الصدمة التي تلقوها من دور نشر استغلت كتبهم للربحية دون النظر إلى مضمون ما يقدمونه بشكل صادق، ومنهم من نعرفهم، ونؤمن بقدراتهم، ونرى أنهم لو استمروا، لحققوا تراكمية إبداعية مهمة لرفد الحركة الثقافية في السعودية».

اقرأ أيضا

قصائد وأسرار "في حب الخيل"