الاتحاد

دنيا

رحلة الشاطئ

يوم الجمعة بعد صلاة العصر، ذهبنا في رحلة إلى شاطئ البحر· كان الجو دافئاً، وظل سيدي طوال الطريق يردد عبارات التهديد لأولاده؛ السباحة ممنوعة، إلعبوا عند الشاطئ فقط، هل فهمتم؟ الجو بارد، ربما تصابون بالبرد، لا تبللوا ثيابكم، خذوا حذركم·
لا أدري إن كان الأولاد يستمعون بشكل جدي لهذه النصائح أم أنهم يتظاهرون بالسمع والطاعة، وفي دواخلهم نوايا مختلفة· كانوا ينظرون لبعضهم البعض والابتسامة الشقية تعلو وجوههم·
توقفت السيارة قرب الشاطئ، انطلق الأولاد بسرعة والأب يصرخ من ورائهم وهو يردد نفس الوصايا، رافعاً صوته بأعلى ما يمكن ليبقى صدى صوته يرن بداخل رؤوسهم الصغيرة·
حملت الحصير وفرشته على الرمال كما أمرت سيدتي، ثم أحضرت باقي الأغراض، الشاي والقهوة وبعض الأطعمة المسائية الحلوة·
وقفت أمام سيدتي لا أدري ماذا أفعل فنظرت إليّ وقالت: ما بك متسمرة أمامي؟ هيا انطلقي خلف الأولاد وراقبيهم، لا تبتعدي عنهم أبداً·
ركضت باتجاه البحر وكان سيدي قد سبقني وهو يحاول السيطرة على أطفاله الذين أنعشهم رذاذ الموجات الخفيفة فرفعوا جزءاً من ثيابهم وصاروا يلاعبون تلك الموجات، ولم تمض دقائق حتى تبللت ثيابهم، ولا أدري هل تعمدوا ذلك أم أنها حيلهم الصبيانية، إذ صاروا يتقدمون تدريجياً باتجاه مياه البحر غير مكترثين لصياح والدهم وتهديداته·
البنات أكثر تعقلاً وهدوءاً، حيث بقين يعبثن على رمال الشاطئ، واحدة تلتقط المحار، والأخرى تحاول بناء هرم من الرمال، والأخرى جلست تراقب إخوتها بهدوء وقد تركت أصابعها تعبث بحبات الرمل·
كم تمنيت أن أداعب مياه البحر بقدمي، خفت أن أتقدم قليلاً فتوجه إليّ كلمة توبيخ فبقيت واقفة إلى جوار البنات·
اتجه سيدي نحو الأولاد وهو يحاول إخراجهم من الماء فسحبوه وأوقعوه حتى تبللت ثيابه، الكل غارق في الضحك، اضطر لخلع ثيابه وصار يحاول العوم مع أولاده الذين صاروا يحيطون به وهم سعداء· تشجعت قليلاً عندما تقدمت إحدى البنات نحو البحر وهي تنادي والدها، أمرها بالتراجع ولكنها ظلت تتقدم بخطوات مترددة حتى غطى الماء ساقها فركضت وراءها بحجة إعادتها فحاصرتني الموجات فشعرت بسعادة كبيرة، ثم تظاهرت بالتعثر فسقطت في الماء، وسط ضحك الجميع، كم كان الأمر ممتعاً لولا أن حدث ما حدث·
تزايدت شقاوة الأولاد فصاروا يسحبون والدهم إلى داخل الماء، شعرت الأم بالفزع، فنهضت من جلستها وأسرعت نحوهم وهي تصرخ: لا تذهبوا بعيداً·· والدكم لا يجيد السباحة، استغربت لقولها، كيف لا يعرف السباحة وهو يعيش بجوار البحر؟
هل يعقل أنه لم يجرب السباحة طوال حياته؟ ثم إنه حريص على إشراك أولاده في النوادي وتعليمهم السباحة وهو يشجعهم عليها باستمرار، إنه أمر غريب حقاً، فأنا أعرف جيداً أن أبناء هذه المنطقة كانوا في الماضي يعتمدون على البحر في الحصول على رزقهم·
تساؤلات كثيرة دارت برأسي وقبل أن تنتهي أفزعني صوت سيدتي وهي تصرخ وتولول وتطلب النجدة لأن زوجها يغرق وأنه ربما سيسحب أولاده معه إلى الموت·
كان الشاطئ مزدحماً فسمع الكثير من الرجال استغاثتها وهبوا لنجدة الرجل·
مرت دقائق مشحونة بالخوف والترقب، والمرأة لا تزال تصرخ وتبكي هي وبناتها، حتى أنا صرت أبكي وأصرخ دون وعي·
استطاع الرجال سحب سيدي وإنقاذه من الغرق ولم يصب الأولاد بسوء ولله الحمد، سكتت أصوات الصراخ قليلاً وعم الهدوء حتى أُسعف سيدي واستعاد وعيه بعد أن قذف كمية من المياه التي ابتلعها·
في طريق العودة تولت سيدتي قيادة السيارة لأن سيدي كان شاحباً مصفراً مرتجفاً طوال الوقت·
انعكس تأثير ما حدث على الجميع فبدونا وكأننا قد عدنا من رحلة إلى العالم الآخر، الوجوه شاحبة وكئيبة والقلوب مرتعشة بفعل الخوف والصراخ، وقد بدا الإجهاد والتعب واضحين على الجميع·
بعد هذه الحادثة بأيام عرفت أجوبة الأسئلة الحائرة التي دارت برأسي، فقد جاءت جموع من الأهل والأقارب يتحمدون لسيدي بالسلامة، فصارت سيدتي تحكي لهم عن سبب عدم معرفة زوجها للسباحة· عرفت منها أنه كان وحيد أمه، إذ كانت متزوجة حديثاً وهي حامل بولدها وكان زوجها في رحلة صيد في عرض البحر، وكانت رحلته تلك هي الأخيرة حيث غرق قاربه في العاصفة ولم يعد من بعدها أبداً·
منذ ذلك اليوم حلفت المرأة يميناً أن لا تدع ولدها يدخل البحر ما دامت حية، وقد برَّت بيمينها ولم تسمح له طوال حياتها بالاقتراب من مياه البحر حتى كبر وهو محروم من هذه المتعة، لذلك فقد كان حريصاً على تعليم أولاده السباحة منذ صغرهم ولم ينقل لهم الخوف الذي زرعته والدته بداخله، ولكنه كلما كانوا يلحون عليه في الذهاب إلى البحر كان يظل خائفاً مرعوباً طوال الوقت يحاول مقاومة خوفه عليهم·
حمداً لله انتهت الأمور على خير ولكن تلك الرحلة لم تتكرر مرة ثانية طوال فترة خدمتي لديهم·

اقرأ أيضا