الاتحاد

الاقتصادي

النقل الجوي بالخليج والحاجة إلى «جلف كونترول»

من المحتمل أن يكون قطاع النقل الجوي في دول الخليج الأكثر إثارة عن غيره في أي مكان في العالم، نظراً للنمو الاستثنائي الذي شهده خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنه وعلى الرغم من التوسعات والاستثمارات الهائلة والمطارات الجديدة والطلبات القياسية على طلبات شراء الطائرات، فإن أمان مستقبله يبقى في الميزان.
وتقف المنطقة عند مفترق طرق، بين أن تكون واحدة من القوى العالمية الكبيرة في قطاع النقل الجوي أو تذهب إلى أرض من الفرص الضائعة، وأي الطريقين تأخذه يتوقف على تمكنها من تنفيذ إدارة مثمرة في البنية التحتية الخفية، أي المجال الجوي، والحقيقة أن أي مطار بغض النظر عن الأبنية أو المدرجات التي يملكها، فإن هنالك مجالاً جوياً واحداً يقوم على خدمته.
والمجال الجوي في منطقة الخليج العربي بعيد عن كونه عالي الفعالية، فهو مقسم ومزدحم بشكل كبير، وهو من مخلفات سماء أكثر هدوءاً، وإذا بقيت الحال كما هي، فإن القطاع لن يتمكن من الوصول إلى إمكانياته الكاملة، ما سيؤدي إلى خيبة أمل وصعوبات لكل من المطارات وشركات الطيران، وستبدأ بالتالي التأخيرات في الظهور، وستتأثر الاتصالات، وتتراجع قدرة المنطقة بشكل كبير على العمل كمركز للنقل الجوي.
ويجب اعتبار المجال الجوي من الأصول الاقتصادية، وحاله مثل أي حال من الأصول الاقتصادية الأخرى يجب إدارتها ورعايتها، إنها مشكلة سوف تتفاقم فقط مع زيادة ازدحام المنطقة، وتتوقع منطقة دول مجلس التعاون الخليجي أن تتضاعف حركة الطائرات في أجواء دولة الإمارات العربية المتحدة بحلول عام 2030 إلى 1,62 مليون، مع توقعات بأن يصبح مطار آل مكتوم الدولي الأكبر في العالم بقدرة استيعابية تصل إلى 160 مليون مسافر،
وبالتالي فقد أصبحت المشكلة ملحة، ولكن ما هو الحل؟
عندما واجهت أوروبا معضلة مشابهة، وافقت دول القارة على وضع خلافاتها جانباً من أجل المصلحة العامة، وتشكيل منظمة واحدة للمساعدة في انسيابية الحركة الجوية في القارة، وتكون المملكة المتحدة عضواً مؤسساً، وأُسست بالتالي منظمة «يورو كونترول»، وعملت منذ تأسيسها على العمل مع مزودي خدمات حركة الملاحة الجوية، على تخطيط وتنظيم الحركة الجوية في واحد من أكثر المجالات الجوية ازدحاماً وتعقيداً.
نحن لا نقول إن موقع أوروبا مثالي، فهو ليس كذلك، فمجالنا الجوي يبقى مزيجاً مصمماً حول الحدود الوطنية، ولكن التغيير قادم، وتعمل «ناتس» حالياً على قيادة التغيير تجاه قطاع أكثر انفتاحاً وتحرراً، ونعمل في المملكة المتحدة مع نظرائنا الأيرلنديين لإدارة مجال جوي على أساس الحاجة التشغيلية بدلاً من الحدود الوطنية، في حين أننا نعمل أيضاً مع زملائنا العسكريين بشكل وثيق لاستخدام مجالهم الجوي عند الحاجة، سيؤدي هذا الأمر إلى تحرير القدرة الاستيعابية، ويسمح لنا بتقديم مسارات أكثر مباشرة لعملائنا من شركات الطيران.
إن منطقة الخليج العربي في المراحل الأولى من محاولة معالجة هذه المشاكل، وفي حين أن جميع من في المنطقة يدرك أن نسختها الخاصة من «يورو كونترول» هو المطلوب، إلا أن التقدم تجاه هذه النقطة بطيء جداً.
في شهر يناير، أدرك الرئيس التنفيذي لشركة الخطوط الجوية القطرية أكبر الباكر بشكل علني الخطر الناتج عن المجال الجوي المزدحم على الأعمال وعلى القطاع دون ذكر أن النقل الجوي في دولة الإمارات العربية المتحدة سيعادل ربع الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2016، فأشار الباكر إلى أنه سيكون هنالك وقت فيه حاجة لنظام وحيد لإدارة حركة الملاحة الجوية شبيه بمنظمة «يورو كونترول» لمراقبة وتشغيل مجال جوي مزدحم جداً، أما تيم كلارك رئيس طيران الإمارات، فقد وضع هذه القضية ببساطة حين قال إن المجال الجوي في هذه المنطقة أمر يجب أن تتم معالجته.
إذا كانت كل المنطقة تدرك أن «جلف كونترول» هو الحل، فلماذا لم تقم الجهات المعنية بالعمل عليه؟ إذا فالجواب يبقى في السياسات، لقد تم تشكيل العديد من مجموعات العمل في الماضي لدراسة القضية ولكن التقدم كان محدوداً، والمشكلة تتعدى الدوائر الحكومية وتتجاوز الحدود الوطنية، حيث إن إمكانية التنازل عن أي نوع من الاستقلالية على المجال الجوي أمر غير مرحب به، وتتفاقم المشكلة بشكل أكبر عند حقيقة أن دول الخليج محاطة بدول تملك مجالات جوية محظورة، وهو في الواقع يؤدي إلى تضييق في المجال الجوي.
سيؤدي منسق حركة جوية وحيد يعمل مع مشغلي المطارات وشركات الطيران إلى فعالية أكبر، وسيؤدي إلى توفير الوقود وانبعاثات الكربون، وسيزيد من القدرة الاستيعابية وسيحد من التأخير، كما أنه سيضمن مكانة الخليج كواحد من اللاعبين الكبار في عالم النقل الجوي، إن بناء التوافق السياسي للوصول إلى هذه النقطة يصعب الوصول إليه في الوقت الراهن، ولكن الضرورات الناتجة عن الأعمال التجارية المتنامية قد تساعد على تحريك الأمور إلى الأمام، مع إدراك خطورة تجاهله. أعتقد أنه يمكن الوصول إلى حل مناسب، ولكنه سيتطلب التزاماً من جميع الأطراف لوضع مصالحهم الشخصية جانباً.
ستناقش «ناتس» هذه القضايا مع كبار المسؤولين وقادة قطاع النقل الجوي والفضاء والمجال الجوي ومؤسسات الدفاع في القمة العالمية لصناعة الطيران التي تقام في الفترة بين 7 و8 من شهر أبريل المقبل في العاصمة أبوظبي.
المكاسب ستكون كبيرة إذا ما ظهرت الرغبة السياسية في الوصول إليها.

ريتشارد ديكين
الرئيس التنفيذي لشركة ناتس

اقرأ أيضا

إدارة "المركزي" الإماراتي تعقد اجتماعها الرابع هذه السنة