عربي ودولي

الاتحاد

«واشنطن بوست»: آل كوشنر رفضوا «رشوة» قطرية خلال لقاء سري في نيويورك

دينا محمود (لندن)

كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية تفاصيل جديدة عن محاولات النظام القطري التسلل إلى أروقة البيت الأبيض في الأشهر الأولى لحكم الرئيس دونالد ترامب، وذلك عبر عقد لقاءات مع أسرة صهره جاريد كوشنر بدعوى مد العون المالي للشركة العقارية المملوكة لهم، والتي تعاني من صعوبات مالية.
أحدث تطورات هذا الملف أُميط عنها اللثام في تقريرٍ إخباري أعده للصحيفة كلٌ من مايكل كرانيش وكارين دي يونج، وأبرز إقرار شركة آل كوشنر بعقد لقاءٍ في مدينة نيويورك بين والد صهر ترامب ووزير المالية القطري علي العمادي، بعد ثلاثة أشهر فحسب من تنصيب الرئيس الأميركي الحالي في مطلع العام الماضي، وذلك لبحث حصول الشركة المتعثرة على دعمٍ مالي من الدوحة.
ولكن التقرير أشار إلى أن تشارلز كوشنر، والد زوج ابنة ترامب، أصر على أنه رفض الحصول على مثل هذا التمويل «لتجنب إثارة أي أسئلة تتعلق بتضارب المصالح الخاصة بابنه، الذي أدار الشركة المملوكة للأسرة إلى حين اختياره مستشاراً رفيع المستوى للرئيس الأميركي» بعد فوزه في السباق الرئاسي بالولايات المتحدة أواخر عام 2016.
وفضح كوشنر الأب في بيانٍ خاص أصدره، بشأن اللقاء الذي ظل لنحو عامٍ في طي الكتمان، حقيقة أن «القطريين هم من طلبوا عقده» قائلاً: «إنه أكد خلال الاجتماع أنه لا يقبل الحصول على أموالٍ من الصندوق السيادي للدوحة، وهو الصندوق الذي اعتاد نظام تميم بن حمد اللجوء إليه لتبديد أمواله على شراء الولاءات على الساحتين الأميركية والأوروبية، منذ فرض المقاطعة على الدويلة المعزولة قبل تسعة أشهر ونصف الشهر». ونشرت «واشنطن بوست» مقتطفاتٍ من البيان الذي تلقته من تشارلز كوشنر في هذا الصدد، والذي قال فيه: «لقد دُعيت إلى اجتماعٍ.. وقبله، قررت (شركة) كوشنر كمبانيز أنها لن تمضي على طريق قبول استثماراتٍ من صندوق ثروة سيادي (قطري). لقد أبلغنا ممثلي الجانب القطري بقرارنا.. حتى لو كانوا هم مستعدين لنقل الأموال، لم نكن نحن على استعدادٍ لأخذها». وأفاد تقرير الصحيفة الأميركية المرموقة بأن كوشنر الأب قبل عقد الاجتماع مع المسؤولين القطريين كـ«بادرة مجاملة».
وفي إشارة إلى الارتباك الذي يسود الموقف القطري في هذا الشأن، أشارت «واشنطن بوست» إلى أن متحدثاً باسم السفارة القطرية في العاصمة الأميركية قال: «إنه ما من تعليقٍ لدى حكومته» بشأن اللقاء، الذي أكدت الصحيفة أنه عُقِد في إبريل من العام الماضي في فندقٍ بنيويورك، وذلك بالتزامن مع انشغال جاريد كوشنر الشديد بمهامه لصياغة سياسة إدارة ترامب حيال منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أُوكِلَ إليه في الفترة التالية مباشرة لتنصيب الرئيس الأميركي».
وفي إشارةٍ واضحة إلى الارتباط القوي بين المساعي القطرية المحمومة لتقديم دعمٍ مالي لشركة آل كوشنير ومحاولات الدوحة التأثير على توجهات الإدارة الأميركية الجديدة حيال المنطقة، قالت «واشنطن بوست»: «إن لقاء نيويورك السري جاء في وقتٍ كان فيه كوشنر يُعد فيه لأولى الجولات الخارجية لترامب، والتي قادته إلى الشرق الأوسط وأوروبا، وشملت المملكة العربية السعودية ودولاً أخرى».
وأبرزت الصحيفة الأميركية ما قاله الوزير القطري خلال زيارته أميركا، التي التقى فيها والد صهر ترمب بشكلٍ سري، من أن الاستثمارات التي يقوم بها الصندوق السياسي لبلاده «ذات دوافع تجارية محضة»، وهو ما تثبت الوقائع المتتالية زيفه بطبيعة الحال.
ونجمت المشكلات المالية التي تعاني منها «كوشنر كمبانيز» من قرار القائمين عليها في عام 2007، بيع عدد من ممتلكاتها العقارية في نيوجيرسي، من أجل شراء أغلى مبنى إداري على الإطلاق في الولايات المتحدة، وهو برجٌ مؤلفٌ من 41 طابقاً يقع في الجادة الخامسة بنيويورك ويحمل رقم 666.
ولكن انهيار السوق العقارية في الولايات المتحدة بُعيّد شراء البرج بقيمة 1.2 مليار دولار، أدى إلى تراجع ثمنه بشكلٍ كبير، ما أوقع شركة آل كوشنر في أزمة مالية حادة، وهو ما دفع المسؤولين عنها إلى وضع خطة لتطوير المبنى، بهدف تعويض الخسائر. وكانت هذه الخطة تتطلب الحصول على قروضٍ كبيرة، وهنا ظهر النظام القطري كإحدى الجهات الراغبة بشدة في المشاركة في عملية الإقراض، بهدف تحقيق مآرب سياسية كعادته.
وأشارت «واشنطن بوست» إلى أن آل كوشنر كانوا قد حاولوا قبل سنواتٍ الحصول على قروضٍ قطرية، تحديداً في الفترة ما بين عامي 2014 و2016. وقالت الصحيفة الأميركية: «إن هذه الجهود انصبت وقتذاك على تلقي استثماراتٍ من صندوق ثروة سيادي يديره رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم آل ثاني».
المعروف أن حمد بن جاسم طالما اضطلع بدورٍ كبيرٍ في توجيه سياسات النظام الحاكم في قطر، الذي يُطلق عليه اسم «نظام الحمدين»، في إشارة إلى رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق، وكذلك إلى الأمير حمد بن خليفة والد الحاكم الحالي للدويلة المعزولة. وبالإضافة إلى الأدوار السياسية المشبوهة التي لعبها ابن جاسم على مدار السنوات الماضية، خاصة رئاسته لوزراء قطر بين عامي 2007 و2013، فقد مارس أنشطة اقتصادية مثيرة للريبة على الساحة الدولية من خلال توليه رئاسة مجالس إدارات العديد من الشركات والمؤسسات الضخمة التابعة للنظام القطري، والتي شملت في وقتٍ ما الخطوط الجوية القطرية وجهاز قطر للاستثمار وشركة الديار القطرية للاستثمار العقاري.
وقبل أسابيع تفجرت في بريطانيا فضيحة تتعلق بدورٍ لعبته شركة «تشالنجر يونيفرسال المحدودة»، والتي تُوصف بأنها الأداة الاستثمارية التابعة لحمد بن جاسم، في حزمة إنقاذ خُصصت لمصرف «باركليز» البريطاني الشهير منذ عقد من الزمان، وذلك في صفقة تجري السلطات المُنظمة للقطاع المالي في المملكة المتحدة تحقيقاتٍ مكثفة بشأنها حالياً، في ضوء ما كُشف عن أنها تضمنت منح المصرف قرضاً جانبياً إلى مستثمرين قطريين على نحوٍ يخالف القوانين البريطانية السارية في هذا الصدد.
وسبق أن وصفت صحفٌ بريطانية ابن جاسم بأنه «الرجل الذي اشترى لندن»، في إشارة إلى وقوفه وراء العديد من الصفقات التي أبرمتها السلطات القطرية في عاصمة الضباب.
وبالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، كان كُتّابٌ فرنسيون قد كشفوا النقاب عن أن رئيس الوزراء القطري السابق شكّلَ «العقل المدبر» لاستراتيجية يتبعها النظام الحاكم في بلاده، للاستحواذ على عددٍ من الفنادق الفاخرة في فرنسا ومحاولة شراء ذمم العديد من الشخصيات الفرنسية البارزة في المجالين السياسي والاقتصادي.
وفي كتابٍ حمل اسم «جمهورية فرنسا القطرية»، ونُشِرَ العام الماضي، كُشِفَ عن أسماء وزراء ونواب في البرلمان الفرنسي وعُمدٍ ومسؤولين بارزين من مختلف ألوان الطيف السياسي في البلاد «استفادوا من عطايا حكام قطر» التي قُدِمتْ لهم في إطار الاستراتيجية التي وضعها ابن جاسم.
وفي عام 2016، كشفت تسريباتٌ عُرِفت باسم «وثائق بنما» عن أن حمد بن جاسم استحوذ على شركاتٍ ذات أغراض مريبة وغير واضحة، في بقاعٍ نائية مثل جزر «فيرجين» البريطانية وجزر البهاما، للمشاركة في الصفقات التجارية المثيرة للجدل التي ينخرط فيها النظام القطري في العديد من دول العالم.

اقرأ أيضا

إيطاليا.. خروج مريض بـ«كورونا» من المستشفى