محمد عبدالسميع (الشارقة)

برحيل المؤرّخ عمران العويس، تُطوى صفحة مُضيئة جدّاً لشخصيّة كبيرة ومعطاءة، كأحد أبرز روّاد الإمارات الذين ينتمون إلى جيلٍ مثقّفٍ وواعٍ نهض بالعلم وتحدّى كلّ صعوباته، في زمنٍ كان حظّ الكتابة والقراءة فيه حُلماً يراود الكثيرين، غير أنّ الرَّجل الذي رحل أمس وكتب بسيرته المدهشة والرائعة لوحة الوداع التي رافقته بعد ثمانيةٍ وثمانين عاماً، ملك قلوب المثقفين والمؤرخين والأدباء، لما شكّله تكوينه الثقافيّ وشغفه بالتحصيل العلميّ من قدوة لشباب اليوم.

عمران بن سالم بن عبدالله العويس المولود في الشّارقة عام اثنين وثلاثين وتسعمائةٍ وألف؛ كان كلّما زاد في أسفاره العلميّة، أحسّ أنّ الزّاد شحيح، وأنّه لا بدّ من أن يطوي فيافي الدراسة وقفار الحلم، فراكم الشهادة تلو الشهادة، والسعي فوق السعي، وظلّ على يقينٍ بالعلم سلاحاً لنهضة الشّعوب وتطوّر الدول، إذ كان آخر عهده بالإنجاز يوم كان عضو مجلس أمناء جائزة سلطان بن علي العويس الثقافيّة، التي كان من مؤسّسيها؛ وقد كان قامة علمية كبيرة في فهمه لقُرب العلوم والمعارف من بعضها؛ إذ كانت لغته الإنجليزيّة التي أتقنها وفتح عينه عليها، بالإضافة للغة الضّاد، سبباً في ولوجه إلى علم التاريخ والبحث عن الحقيقة والسير في مناكب الكتب والمخطوطات، وعدم قبول الرواية التاريخية أو الجغرافيّة إلا بعد أن يزنها بميزان العقل والمنطق والمصادر والإحالات والمراجع، بل المخطوطات وأمّهات الكتب العربيّة، والأجنبيّة تحديداً، فكان ممن أسهموا كثيراً في رسم الخريطة الذهنيّة العربيّة لمنطقة الخليج.

بين العِلم والتجارة
واللافت في سيرة عمران العويس، هو أنّ الراحل كان بين خيارين: العِلم والتجارة، وثانيهما بالطبع أكثر إغراء من الأوّل، وربما كان من الممكن أن يتسبب في فتور الهمّة عن التحصيل؛ غير أنّ صدق عزيمة عمران العويس وصفاء روحه وتأسيسه النبيل جعلته رحمه الله يتبع هاجس العلم، فيجمع بينهما منحازاً إلى التاريخ والثقافة.
شبّ الراحل في مدرسة الإصلاح، وشدّ العزم نحو مدرسة الفلاح في دبي، ليكون على موعدٍ مع «الإنجليزيّة»، تلك اللغة التي قبس شرارتها الأولى في مدرسة متخصصة أواسط أربعينيات القرن الماضي بدبي، ليتهيّأ لهذا الباحث المستقبليّ في ذلك الوقت أن يكون له حظُّه مع هذه اللغة، دون أن تنسى يده الخطّ العربيّ الجميل، الذي كان يضفي على جمال روحه انسيابيّته بالإضافة إلى ما اكتسبه وقوَّمَ عليه لسانه من لغة فصيحة ولسان معجز، وكأنّه كان يعلم أنّه سيسير في مشوار قَنص، ولكنّه ليس القنص العادي الذي يعود صاحبه بقليلٍ من الصيد، بل إنّ ظباء التاريخ وصُيود المدوّنات والمخطوطات هي مقصد هذا الصيّاد الذي حمل معه قوس العلم ونشاب المعرفة، باتجاه الهند، إلى حيث «برييرتي هاي سكول» في بومبي؛ ليكون أوّل صيد عمران العويس عام تسعةٍ وأربعين من القرن الماضي هو شهادة توازي الثانويّة في ذلك الوقت ولها قيمة وحضور في ساحات التحصيل العلمي، كأرضيّة مُريحة ينطلق منها بكلّ رغبة واطمئنان بأنّ لسانه لن يخذله، إلى فضاءات أوسع ومدارات أشمل، ليزور محطّةً مهمّةً من محطات هذا المشوار، حيث كان طالباً نجيباً في المدرسة الكويتيّة التي أنشأتها حكومة الكويت لتعليم أبناء الجالية الكويتية والعرب المقيمين هناك، وهكذا، فقد توفّرت لعمران العويس مساحة ليخوض هذه المرّة غمار نزاله مع التحصيل اللغوي، فيحصل عام ثمانية وخمسين من القرن الماضي على دبلوم اللغة الإنجليزية من المعهد العالي للغات في الهند، ليعود إلى الإمارات والأمل يحدوه بأن يفيد وطنه وبلده، فيسابق خطاه نحو التراب الأوّل الذي درج عليه، ليكون له مع المستقبل شأنٌ كبيرٌ، وأيّ شأن.
كانت الدراسة لديه رزقاً يعادل أرزاق التجارة، بل ويتفوّق عليها، ولذلك فما خاب من خبأ علمه ودراسته ليومٍ قريب، وهو ما كان مع العويس الذي أصبح عضواً بالمجلس البلديّ في الشّارقة، فعضواً في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة،.. لكنْ، دون أن ينسى الرغبة الكامنة في نفسه والتي جعلته يتسلل بسهولة ويسر إلى التاريخ وعلم الإنساب وأخبار المنطقة، ولكنْ، من منظور الباحث المتيقّن المستنير الواثق بسلاحه في غابةٍ مملوءةٍ بالصيد الوفير، ولذلك دخل العويس هذه الغابة، ليصبح حُجّةً ومصدراً لا يمكن إغفاله أو المرور عنه حين السؤال أو الحديث أو الاستشارة المتخصصة؛ لأنّ العويس كان يلتقط بفكره النيّر وذكائه المتوقّد ورغبته العارمة بالمتابعة والكشف -وتلك شروط الباحث الجيد الكفؤ- مصادر عمليّة وعلميّة مهمّة جداً، تاريخيّة عربيّة وأجنبيّة، تُضاف إليها تقارير الوكلاء والمندوبين والإنجليز والرحّالة، وهو ما مكّنه من أن يكون مناظراً قويّاً في استدعائه الدليل القاطع ومحاججته البرهان بالبرهان والحجّة بالحجّة، حتى ذاع صيته، ليتسنّم وعن جدارة عضويّة لجنة التراث والتاريخ التي تأسست عند قيام دولة الإمارات، فكان نائباً لرئيس هذه اللجنة ومسؤولاً عن مكتبها في إمارة الشارقة.
لقد كان في جعبة عمران العويس هاجسٌ كبير، وفي أردانه أسدٌ هصور في مضمار البحث والمعرفة، وفي نفسه يقينٌ بأنّ التحصيل العلميّ والدراسيّ لن يبور. ولذلك فقد كانت مسيرة حياته قبل تأسيس الدولة وبعدها عالماً من المحبّة الصافية والمثال الناجح والقدوة المعطاء، فكان من مؤسسي جائزة سلطان بن علي العويس الثقافيّة، وعضواً في مجلس أمنائها، خصوصاً وأنّ عمران العويس كان شغوفاً أيضاً بالانضمام إلى صِيَغِ ثقافيّة إبداعيّة، إذ تذكر سيرته الذّاتية أنّه كان عضواً في النادي الأدبي الأهلي منتصف أربعينيات القرن الماضي، كما كان من الأعضاء الفاعلين وممن يشهد لهم في تأسيس ندوة الثقافة والعلوم، وفي غيرها من المؤسسات الثقافية.

مع المؤرخين والرحالة
أسهم عمران العويس بنتاجاته البحثيّة التاريخية في نشرة «الديار العمانيّة» التي كانت تصدر في الشارقة منتصف الستينيات من القرن الماضي، وتقديراً لمشواره رحمه الله وإسهامه البحثي والثقافي، فقد كرّمه صاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في ملتقى الراوي عام ألفين وسبعة عشر، إضافةً إلى ذلك تمّ اختياره لجائزة شخصيّة العام الثقافية التي تشرف عليها ندوة الثقافة والعلوم عام ألفين وثلاثة.
ويذكر المهتمون وممن اعتنوا بسيرة الراحل عمران العويس أنّه أعدّ دراسات وشجرات للأسر العربيّة التي حكمت بعض البلدان العربيّة في مصر وبلاد الشّام والمغرب، فضلاً عن دول المنطقة، كما كان على علاقة حميمة بالشعر والشعراء؛ وكان حاضراً في كلّ المؤتمرات ذات العلاقة.
وعلى المستوى الثقافيّ والإبداعيّ، كان الراحل سليل عائلة مثقفة ومغرمة بالعمل المؤسسي الثقافي والإبداعي ولها علاقة كبيرة باقتناء الكتب وحفظها والترويج للفعل الثقافي، وإضافةً إلى صفاته البحثيّة، كان خلوقاً دمثاً أسبغ عليه علمه ومعرفته وثقافته الكثير من معالم الهيبة والإنسانية والوقار والحياء، فلذلك كان رحمه الله يحبّه كلّ الناس؛ فكلّما زادت معرفة المرء زاد حياؤه وشعوره الإنسانيّ، وانعكس ذلك سلوكاً جميلاً بين الناس.

مثقفون ومؤرخون: مآثره تظل حاضرة وإن رحل الجسد
يعرب الباحث والكاتب بلال بدور رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، عن الخسارة الكبيرة لرحيل عمران العويس؛ معتبراً وفاته تمثّل رحيل آخر رجالات الإمارات الذين اهتموا بدراسة تاريخ الإمارات الجغرافي وتاريخ المنطقة، حيث يُعدُّ مرجعاً لهذا الجانب.
ويؤكد البدور أنّ المؤرخين المعاصرين له كانوا يرجعون إليه في كل ما يكتبونه؛ لكونه على اطلاع ودراسة عمّا كتب عن تاريخ المنطقة في المصادر العربية والأجنبية، وقد يكون حافظاً لمعجم البلدان، كما أنَّه أصبح حُجةً ومرجعاً مهمّاً، خاصة في ما يتعلق بالإمارات ومنطقة الخليج، إذ ساعدته دراسته بالهند وتعلمه اللغة الإنجليزية على الاطلاع والقراءة في المصادر التاريخية العربية والأجنبية وتقارير الوكلاء والمندوبين والإنجليز والرحالة.
وقال البدور: أخبرني الراحل أنه قام بإعداد تعقيبات وتصويبات لما كُتب في كتب التاريخ عن المنطقة، وكان يعتزم أن يجمع هذه التعقيبات في كتاب.
ويرى رئيس معهد الشارقة للتراث الباحث عبدالعزيز المسلم أنّ غياب هذه القامة البحثيّة المثابرة عنا هو خسارة كبيرة، مستذكراً رحلته رحمه الله في مجال تدوين التاريخ، وهو أمرٌ مهم كما يقول المسلم، لأنّ التاريخ على علاقة وطيدة بالتراث، ولأنّ الباحث الإماراتي دائماً معني بقراءة تاريخ الإمارات الضاربة جذوره في الأصالة والقدم، ولذلك، فحين يكون على رأس هؤلاء المخلصين لوطنهم وللتاريخ الباحث عمران العويس، فإنّ ذلك يجعله يمكث في ذاكرتنا كأصدقاء وكدولة وكمؤسسة بحثية وثقافية على الدوام.
ويؤكّد المسلم أنّ قراءة العويس لجغرافية المنطقة في سياق تاريخي وللشعر القديم أيضاً، هي عملية مهمة، وتصب في ما نسعى جميعاً إليه من الحثّ على حضور المصدر التاريخي، سواء في الشعر، أو الوثيقة، أو المدونة التاريخية، أو الأثر المتحفي، ولذلك فقد كان عمران العويس رجلاً محباً لعمله، وبمقدار جهده المبذول كان مقدار فرحته وهو يصل إلى الاستنتاج، فمثل هؤلاء يفتقدون، خصوصاً وأنّهم عاشوا ظروفاً سابقة لظروف اليوم، وكانوا على الرغم من مشاق البحث والتقصي والدراسة خارج الإمارات، سعداء بما يحققونه من شهاداتٍ علمية أو إنجاز.
ويقول علي عبيد الهاملي نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، بوفاة عمران العويس فقدت الساحة الثقافية الإماراتية واحداً من أهمّ مثقفيها ومؤرخيها، لأنه قامة علمية كبيرة وقيمة ثقافية وقلمٌ ظلّ ينبض، خسره الوطن، وكان من أفضل المؤرخين، ويعتبر من أول المتعلمين في الإمارات، وحياته عبارة عن رحلة متواصلة في العلم والتحصيل والعمل الثقافي في وقت كان فيه طلب الرزق مقدماً على طلب العلم، وكان السفر فيه مشقة كبيرة، وهو يعتبر أحد مؤسسي ندوة الثقافة والعلوم بدبي، وعضو مجلس إدارتها لأكثر من 12 عاماً، كما كان له دور كبير في المجال الثقافي لا يمكن إنكاره، ولذلك يُعدّ خسارة كبيرة للساحة الثقافية في دولة الإمارات، ولكنَّ أعماله ستظل خالدة في تاريخ الوطن وذاكرته.
ويرى الشاعر والناقد علي العبدان أنّ عمران العويس، هو ممن استثمروا الشعر جيداً، لغرض تأكيد تاريخ الإمارات والخليج العربي، فالشعر هو ناقل جيد لأحداث الماضي، ويؤرّخ للأبعاد الإنسانيّة ومجريات الحياة، وهو ما فطن إليه الراحل عمران العويس، فاتخذه مادةً بحثيّة، وهو ما يُحسب له.
ويستدرك العبدان: ولا يعني ذلك أنّ العويس لم يكن مبدعاً أو قارئاً جيداً للشعر أو مغرماً بتفاصيله الجمالية وصوره المدهشة، في الشعر الفصيح والنبطي، فهو ممن تذوّقوا الشعر منذ نشأته الأولى، علاوةً على فنّ الخطّ العربيّ، ولا شكّ أنّ تعلّمه اللغة الإنجليزية أسهم كثيراً في زيادة آفاقه الإبداعية والثقافية والبحثية.
ويرى الشاعر والباحث التراثي الإماراتي خالد البدور أن رحيل المؤرخ عمران العويس، هو غياب لشخصية استثنائية، ورجل صاحب ثقافة ما قبل نشأة الدولة، ومع تطورها وازدهارها، ومُحب للعلم والتعليم.
فالراحل كان لديه شغف كبير بالثقافة والمثقفين، ومن عائلة أسهمت بشكل كبير في إنشاء العديد من المؤسسات الثقافية، ولذلك فإنّ رحيله خسارة للثقافة في الإمارات، بالإضافة إلى أنه أحد رواد التعليم في الشارقة.
ويشير البدور إلى أن عمران العويس، وُجد في وقت كان المجتمع فيه يعتمد على قلة من المتعلمين، حيث انتشرت بشكل أكبر أعمال صيد اللؤلؤ، فكان أحد قياديي المجتمع، والقريبين من الجمهور والحكام على حدٍّ سواء، وهو ما أهَّله ليكون له مكانة كبيرة، فقد رحل رحمه الله بجسده فقط، غير أنّ اسمه سيظل خالداً بأعماله التنويرية في التعليم والثقافة.