الاتحاد

دنيا

شاهدة على الوفاء والخذلان لمياء تبتسم وقلبها مثخن بالجراح

لمياء   الأولى من اليمين   وبعض المواطنات مع لورا بوش خلال حملة التوعية الأخيرة بسرطان الثدي

لمياء الأولى من اليمين وبعض المواطنات مع لورا بوش خلال حملة التوعية الأخيرة بسرطان الثدي

مَن الأكثر ألماً، المريض المصدوم بأنه يحمل مرضاً عضالاً أم ناقل الخبر الذي يتوجب عليه إخباره بأنه يعاني من ''السرطان''؟!
الأمر يزداد رهبة حين تكون المريضة ''امرأة'' تنقل لها خبر المرض المفجع ''امرأة'' أيضاً!·· واحدة بقلب مكسور أضعفه الوهن ترقب نتائج فحص أجرته بقلق، وأخرى تخفي قلبها البلور خلف درع من حديد وتمثل أنها قوية بما يكفي لتقول لسيدة خائفة: ''آسفة يا أختي، الفحص يؤكد إصابتك بسرطان الثدي''·
لمياء، فتاة من النوع الثاني· وضعتها الأقدار في مواجهة دائمة مع مريضات سرطان الثدي·· تحمل همَّ إخبارهن النبأ الجلل، وهمَّ مساعدتهن للوصول إلى بر الأمان من مرض لا يهاجم الجسد فقط بل يهاجم معاني الأنوثة ويفتك بالحياة المستقرة·
بدأت لمياء حياتها كمترجمة طبية قبل ثماني سنوات تقريباً· وفي عام 2003 تم اختيارها مع مجموعة من المترجمات ليشكلن فريقاً خاصاً للتواصل مع مريضات سرطان الثدي ومساعدتهن نفسياً على مواجهة المرض·
تقول لمياء: ''قبل سبع سنوات تقريباً بدأ أول اختبار لي مع مريضة بسرطان الثدي، بدأ الأمر صعباً لدرجة أنني وزميلاتي بكين قبل إخبارها· يومها دخلت المريضة يرافقها ولدها الأكبر الذي شعر بخطورة الموقف فطلب من والدته البقاء في الاستراحة كي لا يصدمها الخبر، بينما صمم الطبيب بقوة على إخبار المرأة بوضعها الصحي، وبعد جدال طويل مع الطبيب وابن المريضة تولى الابن إخبار أمه بنفسه فأنقذني من هذا الموقف العصيب''·
لم تأت الاستجابة عنيفة، لا صراخ ولا عويل ولا انهيار كما توقع الطبيب، بل تسليم بقضاء الله وتماسك من المرضى قبل الأهل، الكل يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله إنا لله وإنا إليه راجعون· هذا الصبر الذي دلل على مدى الإيمان وقوته، دفع الطبيب إلى التفكير في مشروع يهدف إلى رفع معنويات المرضى وخلق حالة من الدعم النفسي لديهم عن طريق لقائهم ببعضهم وخلق صداقة بينهم·
هنا بدأت لمياء مهمة أخرى غير الترجمة، لتكون وسيط صداقة وتعارف بين المريضات، تجلس معهن وتحكي قصصاً عايشتها، وترتب جلسات تجمع المريضات كشفت لها جانباً خفياً في شخصيتها لم تكن تعرفه: ''قبل أن أتعمق مع المريضات، كنت مترجمة فقط لكن حين بدأن في البوح بأسرارهن وآلامهن تحولت إلى إنسانة أخرى، وجدت معهن راحة خاصة وشعرت بأهمية الحياة والأمل والتفاؤل وتعلمت أن أبتسم ولو كنت مليئة بالجراح''·
في فترة العلاج الكيميائي تحديداً، تحتاج المريضة إلى معرفة ما ستتعرض له من ألم، وهنا تبرز أهمية التقاء من مرَّ بالتجربة، لتحاول المريضة فهم المرحلة المقبلة عليها، وتحاول من تخطت العلاج زرع الأمل في المريضة وإكسابها الثقة بالنفس ومساعدتها على احتمال ما تمر به من أعراض سقوط الشعر وفقدان الوزن وصعوبة الكلام والألم الجسدي والنفسي·
تزفر لمياء بحرقة وهي تتأسف على وضع السيدات المصابات بسرطان الثدي وعلى أسلوب تعامل الناس معهن وتقول: ''للأسف يتعامل البعض مع مريض السرطان وكأنه يحمل ميكروب الموت! يقاطعونه ويبتعدون عنه، مع أن السرطان غير معد أبداً ويتناسون أن افتقاد المريض للدعم النفسي قد يسبب انتكاسة قوية له''·
وللأسف الشديد يتزوج بعض الرجال على نسائهم بمجرد اكتشاف المرض، والبعض ينتظر حتى يبدأ العلاج الكيميائي وهو أصعب المراحل ليتزوج تاركاً المريضة تتخبط بين آلام الجسد والروح وحرقة الخذلان، ولا زلت أذكر سيدة أفاقت من عملية بتر الثدي ليطلقها زوجها بمجرد أن استعادت وعيها متعللاً ''أنها فقدت الأنوثة!''·
ومثلها امرأة أخرى كانت في آخر مراحل المرض تفكر بزوجها وابنتها، وتطلب مني إخبار زوجها بخطورة وضعها الصحي، فقط كي يرق قلبه لزيارتها في المستشفى وللأسف في أغلب الأحيان لم يكن يفعل·
إلى جانب النماذج السيئة، ما زالت لمياء تذكر ذلك الشاب المواطن الذي ما إن فقدت زوجته شعرها خلال العلاج الكيميائي حتى حمل ابنه الصغير وذهب للحلاق ليطلب منه حلاقة شعره وشعر ابنه كاملاً ليلتقط صورة جماعية له ولزوجته وابنه وهم حليقو الرأس! ويداعبها قائلاً: إنه غار من التماع ''صلعة'' زوجته وأراد الحصول على مثلها!
هذا الشاب قدم دعماً معنوياً لزوجته ولكل من عرفوا القصة في المستشفى، وحينما علمت لم أتمالك نفسي من البكاء· بدا موقفه مذهلاً قياساً بمن طلقوا زوجاتهم أو الذين تزوجوا عليهن، بل إن بعض أزواج بنات المريضات طلقوا البنات حين علموا بمرض الأم!
كل ما مرت به لمياء من ظروف، وكل ما شهدته من مواقف تهز القلب جعل من الوشاح الوردي رمزها الدائم، ومن نشر ثقافة الفحص المبكر لكشف سرطان الثدي رسالتها الأولى·

اقرأ أيضا