الاتحاد

دنيا

استراحة المتعبين

ينعم بظل ينسيه التعب

ينعم بظل ينسيه التعب

كثيراً ما يصافحون عينيك·· تنظر إليهم بقليل من الانزعاج وكثير من الشفقة، لكنك في الحالين تحمد الله على ما أنت فيه من نعمة النوم في ''بيت يلمّك''، ودفء يظللك بجناحيه· حتماً، هذه ليست استراحة المحارب وإنما استراحة المتعب· عمال بناء أو عمال طرق أو نقل، تآلفوا مع الشارع فأصبحوا جزءاً منه وأصبح جزءاً من حياتهم ويومياتهم· يناجونه ويبثونه همومهم، يفترشون أرضه بأجسادهم المتعبة ويسرقون الظل بالحسنى من نخيله السخية حتى بظلالها· في زيارة إلى إمارة الشارقة وخلال جولة على كورنيشها، دلَّنا النظر عليهم فسبقتنا العدسة إليهم·· وعذراً من حرمة النوم، فقد التقطنا لهم بعض الصور·
عمال نراهم في استراحة الظهيرة في أماكن مختلفة يتمددون على العشب الأخضر، بينما نحن في سياراتنا ننعم بالمكيفات· من حيث المبدأ، ومن قبيل الحرص على جمال المدينة، ربما نلوم توزعهم العشوائي هنا وهناك لاسيما في الجزر التي تتوسط طريق الذهاب والإياب· لكن، وبمجرد التدقيق في تعابير وجوههم وقراءة ملامح التعب عليها، نعذرهم، وربما نشعر بغصة، فلكل مهنة متاعبها· لكن المفارقة أنهم لا يتأففون من مهنهم الشاقة ولا من وجودهم ظهراً في العراء وتحت أشعة الشمس· فقد اعتادوا على الأمر لا بل تعايشوا معه وارتضوا به طالما أنه مصدر الرزق·
اقتربنا من أحدهم بقصد التحدث إليه، كان مستغرقاً في قيلولة شخيرها أقوى من وقع أقدامنا وصوت فلاش الكاميرا· تركناه هانئاً، وتمكنا بغير قصد من إيقاظ آخر سرعان ما نهض خَجِلاً عندما رآنا فوق رأسه· هدأنا من روعه وشرحنا له رغبتنا في التعرف على عمله، ففهمنا منه أنه يعمل في نقل مواد البناء· وبانتظار موعد التسليم يستظل عادة بأقرب شجرة تقع أمام عينيه·
على مسافة غير بعيدة أعجبنا ذلك المثقف المصر على قراءة الجريدة حتى في أحلامه، استفز فضولي فانتظرته 15 دقيقة حتى استيقظ، وسألته: لماذا أنت هنا؟ فما كان منه إلا أن نهض منزعجاً، رمقني بنظرة حاقدة، لبس نعاله على عجل، أمسك بالجريدة ومشى·
ظللت أراقب وقع قدميه شاعرة بالذنب، وفي داخلي سؤال يتردد في صمت خجول: لماذا نقتحم لحظاتهم الخاصة؟ وهل لأنهم مجرد عمال من الدرجة الدنيا يحق لنا أن نعكر صفوهم؟
الطبيعة احتضنتهم برفق، والحظ رماهم إلى بلاد تحنو عليهم أشجارها وظلالها، فهنيئاً لهم·· وعذراً منهم·

اقرأ أيضا