تقارير

الاتحاد

الأزمة الأوكرانية.. هل هي حرب باردة جديدة؟

ها نحن نشهد الآن ظهور مؤشرات تدل على اندلاع الحرب الباردة الثانية بين روسيا والغرب. وستكون هذه المرة أسهل للانقياد والتحكم فيها من الحرب الباردة الأولى. ولقد عكست أحداث الأسبوع الماضي تلك الأيام العصيبة من القرن العشرين والتي كان فيها الجنود الروس يتبخترون أثناء غزوهم لأراضي دول أخرى. وجاء طلب النجدة لأول مرة من بولندا التي استدعت حلف «الناتو» لمساعدتها على الدفاع عن حدودها. وأصبح الأميركيون والروس يبدون أقسى مظاهر الشحن والتوتر عندما يتخاطبون في أروقة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
وكما كانت عليه الأحوال إبّان الحرب الباردة الأولى، أصبحت مواطن الهدوء المتبقية تمثل نقط البداية لتطبيق استراتيجيات جديدة للتهدئة. ويقول «جون ليويس جاديس» من جامعة «يل»، «لقد كانت النقطة الأساسية المتفق عليها في أحداث الحرب الباردة الأولى هي تجنّب الصراع المسلح المباشر. وكانت كلمة السرّ في القصة التي تدور أحداثها بين الطرفين هي احترام كل طرف للمجال الحيوي لتأثير الطرف الآخر».
وقال «جاديس»: «في عام 1956 بادر الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف للقيام بفعل أسوأ بكثير من كل ما فعله بوتين حتى الآن. فلقد قام بغزو المجر وقتل ألوف المجريين. ولكن.. ماذا فعل دوايت أيزنهاور الذي كان رئيساً للولايات المتحدة في ذلك الوقت؟.. لا شيء»
وبالطبع، هناك فروق كبيرة بين الحرب الباردة الأولى وهذه التي نعيشها الآن. وخلال الأولى، كان العالم منقسماً بين معسكرين أيديولوجيين متناقضين، وكان قادتهما لا يترددون عن شن الحروب نيابة عن حلفائهم في مناطق مختلفة من العالم مثل فيتنام وأنجولا.
ويضيف «جاديس» قوله: «لا شك أن الوضع الاستراتيجي لروسيا الآن لا يمكن أن يقارن بوضع الاتحاد السوفييتي. وذلك لأننا لم نعد نرى أثراً للتحالفات الدولية على الإطلاق».
إلا أن هناك عناصر تشابه أيضاً بين الحربين. ومن ذلك أن الحرب الباردة الأولى تميزت بخطة طويلة المدى كان الاتحاد السوفييتي يعتمدها لتأسيس إمبراطورية أوروبية عظمى تدور في فلكه وتعمل كواجهة متقدمة لحماية حدوده من عدوان الدول الغربية. وانتهت هذه الإمبراطورية وتفككت بمجرّد أن وعى القادة السوفييت بأن اقتصادهم المترنّح لا يمكنه أن يصمد أمام التكاليف الباهظة لهذه الخطة، ووجدوا أن أضرار الإبقاء على إمبراطورية أوروبا الشرقية تحت كنفهم ووصايتهم تفوق ما تنطوي عليه من عوائد وفوائد. وأما هذه الحرب الباردة الثانية الأصغر حجماً وفق المقاييس النسبية للأمور، فلقد أصبحت تقودها روسيا بحكومتها الأوتوقراطية الديكتاتورية التي تعمل كل ما في وسعها لإعادة تجسيد نظام الحكم في عهد الاتحاد السوفييتي بقدر ما تستطيع. وترمي من وراء سياستها هذه إلى تحقيق هدفين، يكمن أولهما في محاولة إعادة إحياء أمجاد الإمبراطورية الروسية العظمى، ويكمن الثاني في الإبقاء على خط حدود فاصل وآمن مع الغرب. ومن المؤكد أن هذه الحرب الباردة الثانية ستنتهي بنفس الطريقة التي انتهت بها الحرب الباردة الأولى. وذلك لأن الاقتصاد الروسي القائم على عوائد النفط والغاز، لا يمكنه أن ينافس حتى اقتصاد دول أوروبية متواضعة كبولندا وإستونيا عندما يتعلق الأمر بمعدل النمو الاقتصادي.
ويمكن لهذه الحقيقة وحدها أن تفسر السبب الذي جعل الشراكة الاقتصادية الأوكرانية مع الاتحاد الأوروبي تحمل في طياتها مثل هذا الخطر الكبير على فلاديمير بوتين. وكلما ازداد ارتباط الاقتصاد الأوكراني بالغرب، كلما تضاءل احتمال بقاء الأوكرانيين ضمن فلك بوتين. وسبق لبوتين أن قال في خطاب ألقاه عام 2005: «إن انهيار الاتحاد السوفييتي هو أكبر كارثة جيوسياسية خلال القرن العشرين. وبالنسبة للشعب الروسي، أصبحت تلك الكارثة تمثل مأساة مريعة. فلقد وجد عشرات الملايين من مواطنينا الروس أنفسهم خارج حدود وطنهم روسيا». وكان يقصد بذلك الدول المجاورة ومنها أوكرانيا. فكيف يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل مع هذه النسخة الثانية للحرب الباردة؟. من أجل الإجابة عن هذا السؤال، استعنت بتجارب وخبرات المحلل السياسي الأميركي الشهير «جورج كينان» (توفي عام 2005) الذي سبق له أن وضع استراتيجيات كانت صالحة لقيادة تسعة رؤساء أميركيين بالإضافة لجاديس الذي تحدثنا عنه قبل قليل.
وغالباً ما كان «كينان» يحذّر من أن التعصب للقومية الروسية ليس مجرد نتاج للأيديولوجيا الشيوعية التي كانت سائدة في العهد السوفييتي. ولقد شرح ذلك بشيء من التعمق عندما قال في برقية مطوّلة أرسلها عام 1946 من سفارة الولايات في موسكو إلى وزارة الخارجية في واشنطن: «في أسفل المشهد المتوتر للكرملين في العلاقات الدولية، يقبع الإحساس التقليدي القوي للروس بعدم الأمان».
وقال لي «جاديس»معقباً: «لو أن كينان بقي حياً لما شعر بالمفاجأة من سلوكيات بوتين. لأن بوتين يجسّد بشكل تام ما يمكن لكينان أن يتوقعه منه. إلا أن ما كان يمكن أن يفاجئه هو أن يأتي رجل من طراز الديموقراطيين الاسكندينافيين ليتربع على سدة الحكم في موسكو». إلا أن «كينان» يبدو وكأنه أظهر قصوراً في تصوّره لأزمة أوكرانيا. ويقول جاديس: «لقد شعر كينان بالرعب عندما أعلنت أوكرانيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي المنحلّ عام 1991. وكثيراً ما عبر عن تشاؤمه فيما يتعلق بقدرة الأوكرانيين على الاحتفاظ باستقلال بلادهم». وكان كينان يعارض توسع حلف الناتو في أوروبا الشرقية، وهو الإجراء الذي كان له أن يستثير غضب بوتين والشعب الروسي ضد الغرب. وبقيت النصائح التي وجهها كينان للرؤساء الأميركيين عندما كانوا يناقشون الأمور المتعلقة بروسيا، مسموعة لعدة عقود. فلقد دعا إلى اعتماد استراتيجية النفس الطويل لمواجهة التوسع السوفييتي عبر الضغط الدبلوماسي والعسكري، وترك الباب مفتوحاً أمام المبادرات التي لا تستخف بالشعور الوطني عند الروس. وهذه هي الطريقة التي انتهت بانهيار الشيوعية. وفي عام 2000، عندما وصل بوتين إلى السلطة في روسيا ما بعد الشيوعية، كانت نصيحة كينان هي ذاتها. «الصبر.. الصبر.. ثم الصبر. هذا ما نحتاجه الآن».


‎دويل مكمانوس
محلل سياسي أميركي


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي. انترناشونال»

اقرأ أيضا