صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

محمد عبيد غباش.. حوار يخترق الأسوار

مراجعات في سير ونصوص مبدعين من الإمارات (5)

لا يتكئ الجيل الأول من المبدعين الإماراتيين، في الشعر وفنون الكتابة عموماً، إلا على موهبته الطازجة الطالعة من عناصر التكوين الأولى للإنسان العربي في صحرائه المزدحمة بالرسالات والقيم، التي صاغت روحه وخياله. وحينما راح رموز من هذا الجيل يترجمون مواهبهم، بقصائد متوهجة ونصوص متمرسة، فإنهم لم يكونوا يعكفون على تشييد بنيانهم الإبداعي الخاص، بقدر ما كانوا يساهمون في صياغة صرح أدبي لوطن ناهض.. أصبح متكئاً لأجيال من المبدعين الإماراتيين، أتوا وسوف يأتون..
هنا إطلالة على سير ونصوص رموز من الجيل الإبداعي المؤسس.


الكاتب الدكتور محمد عبيد غباش هو بالإضافة إلى اشتغاله في مجال إبداع الرواية إعلامي وأكاديمي بارز، وله الكثير من البصمات والأدوار في مسيرة الحركة الثقافية في الإمارات، وبخاصة حين ترأس تحرير مجلة “الأزمنة العربية” التي توقفت عن الصدور العام 1996. وفي السياق ذاته، يمكن القول إنه واحد من أهم الذين أسسوا لبنية ثقافية محلية، فهو من الأجيال التي بدأت الكتابة مطلع السبعينيات، وبخاصة روايته “دائماً يحدث في الليل”، وما زال يثري الحقل الإبداعي بإسهامات كتابية نوعية، تؤكد دوره الفعال في تطوير طرائق السرد وأشكاله.
لقد كان غباش مولعا بتناول قضية “التمايز الطبقي”، وهي قضية شمولية، ساهمت في بزوغ نجم أسماء كبيرة في عالم الرواية، وهذا ما كان يعيه الكاتب في بناء روايته التي تصور فيها الحياة كما ينبغي أن تكون، من خلال لغة ومفردات سهلة الفهم، وتعمل في ذات الوقت على بناء مستقل لكل شخصية في الرواية، باستخدامه المتقن للسرد الذي جاء بلسان ضمير المتكلم، حيث نقرأها بلسان الشخصية الرئيسية “خالد” منذ أول كلمة في الرواية.
أول ما يلفت النظر في هذه الرواية التي يمكن وصفها بـ”رواية الإيقاع” هو اكتمالها الفني من خلال العناية برسم الشخصية المركزية (خالد) فمن خلالها استطعنا التعرف على بقية الشخصيات مثل: سالم الماجد، ريم، أحمد، مريم، جمعة، عوض، فاطمة، في إطار المفهوم الداخلي الأرقى للشخصية وكيف يؤثر على سلوك بقية الشخصيات في المتن الروائي: “ولدت صلتي بأحمد من أشلاء علاقتي بمريم، فلولا انهدام ما بيني وبينها، وقبولها الزواج من أبيه، لكان احتمال تعرفي عليه ضئيلا إن لم يكن معدوما” (الجزء الأول، الفصل الخامس). كما أن أحمد يلتقي بليلى عن طريق الشخصية المركزية: “كان المرض العصبي الذي هاجمتني أولى نوباته عشية زيارة أحمد لي لأول مرة، هو السبب وراء التقاء أحمد بليلى ونمو علاقتهما التي انتهت إلى الزواج”. تجد في ثنايا أحاديث هذه (الشّلة) المثقفة نوعاً من الثرثرة حول الحرية والمساواة، في حين أن الكاتب كان يرمي من أحاديثهم إلى تحليل مشاعرهم وهي تتأرجح بين أحلام وشعارات بعض المثقفين، وبين الواقع الاجتماعي السائد بكل مرارته وقسوته وتحولاته، ويبدو ذلك من حديث فاطمة: “يبدو أن جلساتنا التثقيفية هذه لا فائدة منها، نحن كل ليلة نتحدث عن حرية الإنسان وعن صفات المجتمع المتقدم الخالي من الاستغلال والعبودية والتسلط، إلى آخر المثل العريضة التي نثرثر فيها بطريقة شبه يومية، ولكن عندما نتبنى سلوكا شخصيا ندوس على هذا كله ونعود لارتداء جلودنا العتيقة، فإذا بكم مستغلون رغم أحاديث المساواة، ومتسلطون رغم التغني بالحرية ورجال شرقيون رغم ادعاءات حقوق المرأة”. يكشف كلام فاطمة عن تطور منتظم لإيقاع الشخصيات وتطور الحالة والحدث نحو الكشف عن المخبوء والمستتر في عالم أهل الثقافة، والملاحظ هنا أن موضوع السرد في الرواية لم يكن العالم الخارجي فحسب، بل والعالم الذاتي للسارد ولشخصياته، أي أن الكاتب لا يكتفي بمعاينة الواقع الخارجي، بل يمنح سرد العوالم الداخلية والنفسية مكانة هامة واعيا بالطابع التركيبي المعقد الذي يربط بين الخارج والداخل، بين الذات والمجتمع، ويجعل كل معرفة أو حقيقة ذات طابع نسبي.

الإسقاط الفني
قد ينظر البعض إلى السطح المنسوج للرواية، على أنه بسيط، وربما ضمن السياق العام للحياة اليومية الروتينية، فحادثة اغتصاب طفل، قد تمر دون أن يتنبه لها الرأي العام بخصوصية، وربما كانت النظرة إلى الحادثة في الوقت الذي كتب فيها غباش روايته، محدودة، لكن النظرة الاستشرافية للكاتب، يمكن ملاحظتها اليوم، في عصر العولمة وثورة المعلومات، حيث أصبحت قضايا الاغتصاب، ظاهرة تتشكل في أكثر من معنى ودلالة. أما الموضوع فيتناول حكاية مجموعة من الأصدقاء الذين يلتقون كل يوم، يتبادلون أطراف الحديث، ويناقشون وضعهم الاجتماعي المأزوم، وفجأة تحدث جريمة اغتصاب طفل بريء، بل وقتله من قبل شخصية ثانوية سلبية هي (جمعة) الذي تقتله (فاطمة) ليتحول الحدث في الجزء الثاني من الرواية إلى دراماتيكية ذات طابع بوليسي لإخفاء جريمة فاطمة وذلك بتخطيط ومهارة سالم الذي انضم في وقت لاحق للمجموعة، لنكتشف سريعا أنه كان في طفولته ضحية لجمعة وسيده والد أحمد، وكأن الكاتب يطرح لنا منظومة متشابكة من العلاقات الطبقية التي يقيم عليها حبكته الفنية، لقد كان دافع سالم من الانضمام للشّلة هو (الانتقام)، فيما تنتهي الأحداث بهروب الشخصية المركزية (خالد) إلى خارج البلاد (الهند) لإنقاذ صديقته فاطمة من جريمة قتل جمعة، وقدمه لنا الكاتب على أنه شخص مهمش، مسحوق، مسلوب الإرادة من قبل سيده المقاول ناصر، ليوصم في مجتمعه بلقب “مغتصب أطفال”.
الواقع أن ما يميز “دائما يحدث في الليل” في السياق السابق هو تقنياتها وطريقتها في التحليل النفسي والتغلغل في أغوار الشخصيات التي رسم كل واحدة منها بعناية فائقة وعلى نار هادئة، للكشف عما يجري من دقيق الأحاسيس ضمن إيقاع ممتاز كان يصعد ويهبط في تناغم شديد مع الحدث. إن الحضور القوي والنوعي لأساليب وطرائق تشخيص العالم الذهني والنفسي، وبالأخص منها (المونولوج الداخلي المسرود)، وهو من أكثر الأشكال التعبيرية جمالا وثراء لأنه يشير إلى انتماء الكلام إلى المحكي، ومن ذلك منح القارئ فرصة كبيرة لالتقاط ما بين السطور من مفردات يستطيع أن يبني عليها العديد من الإسقاطات من قضية الاغتصاب الجسدي، إلى الاغتصاب الفكري، وما يتفرع عنه من مظاهر مصادرة حرية التعبير، وغيرها مما يدخل في باب طرح الاستفهامات والتلميحات إلى أخطر قضية يمكن أن تولد من رحم هكذا موضوع وهي العدالة الاجتماعية المفقودة في أرجاء الأرض.

فن المناقشة
إن “فاطمة” هي أكثر الشخصيات النسائية التي رسمها الكاتب في روايته حيوية ونشاطا باحثة عن فعل التغيير، مستفيدا من التطور الذي أحدثه التعليم على حياة المرأة ومكانتها وما فتحه أمامها من آفاق جديدة أنعكس على وعيها في التصدي للكثير من القيم والعادات. وبهذا الوصف، تصبح فاطمة نقيضا لشخصية “مريم” وشخصية “ليلى”، فالأولى نموذج قدري للمرأة المستسلمة، والثانية محدودة الإرادة إزاء فعل التغيير. وتبدو لنا “فاطمة” في الرواية نموذجا مبشرا بميلاد جيل جديد من النساء على مستوى المشاركة في نقلة التغيير، ومستوى مجابهة المجتمع الذكوري. يقدم لنا محمد عبيد غباش في إطار من الواقعية النثرية الجميلة شخصية “فاطمة” باتجاهاتها الفكرية على أنها “نورا” جديدة (بطلة الكاتب النرويجي هنريك ابسن) في مسرحيته الشهيرة “بيت الدمية” 1879، حينما رفضت البقاء تحت سقف واحد مع زوج أسير (تورفالد هيلمر) لتقاليد اجتماعية بالية، وهي زوجة قوية ومكافحة عاشت من أجل استقلالها وحريتها والعمل على المساواة مع الرجل. وبمقاربة بين المرأتين استطاع غباش أن يدخل من خلال العناصر النسائية إلى أحداثه فن المناقشة الاجتماعية، متميزا في ذلك بتعبيرية تتميز بالنظام والترتيب والموضوعية، ولنا أن نكتشف هذا الجانب سريعا في القرار الذي اتخذته فاطمة برفضها الزواج من ابن عمتها خالد، ومن ثم رفضها للزواج من صديق الشلة راشد: “حسنا يا ابن العمة أريد أن أجيبك على مشاريع الزواج بالنفي.. والنفي حتى تتغير نظرتك إلي، لكل حادث حديث”. إن الكاتب يصنع من المناقشة صورة فنية لإشكالية العلاقة الرجل بالمرأة في مجتمع التحول، إشكالية مبنية على صراع الأفكار، الذي يفرز بدوره تلميحات إلى حقوق المرأة، وتمكينها من اتخاذ القرار، ولنا أن نستشف ذلك من ردة فعل احمد الغاضبة والعنيفة تجاه قرارات فاطمة المتتابعة برفض الزواج لمن يتقدمون لها: “من يسمع حديثك يظن أن راشد قد قتل عزيزا لك.. أصبحت مدمنة للمشادة والشجار، كل يوم لك ضحية! الأسبوع الماضي كان خالد، قبله كنت أنا، والآن راشد هذا الملاك الذي لا يستطيع أن يؤذي نملة.. كل هذه القسوة المريضة لأنه لم يتحدث معك مباشرة، أين تحسبين نفسك.. في أوروبا؟ لم تجب فاطمة بأي كلمة، بل نهضت من كرسيها باتجاه المطبخ ولمحت انعكاسات الضوء في عينيها اللتين خيل لي أنهما مبتلتان بالدموع، بينما الوجوم يخيم على وجهها” (الرواية، الجزء الأول، الفصل الخامس).
يستخدم غباش عنصر “الراوية” من منظور فني غير تقليدي، ويستثمر هذا الجانب في شخصية “خالد” فهو الراوي والكاتب والشخصية الرئيسية التي تحرك الأحداث بحذر شديد، ولعل ذلك يحسب للكاتب في أنه قدم لنا “الراوية” بشقيه الإيجابي والسلبي، وقد تخلى في الكثير من المواقف عن تمجيد نفسه، وإتاحة الفرصة لبقية الشخصيات بالتعبير عن نفسها، وهو أيضا “مثقف” يبحث عن ذاته ودوره ورسالته في مجتمعه من خلال (برج عاجي)، حينما تكشف لنا مناقشات (الشّلة)، أنهم ليسوا أكثر من رومانسيين مثاليين، وأن وعيهم لم يكن متجذراً في عمق مجتمعهم، كان وعيا معزولا، مثل بعض المثقفين العاجزين عن اقتحام الشارع والتعبير عنه، تماما مثلما وصفهم الراوي داخل الرواية بأنهم معزولون وغير منفتحين على الناس والمكان، وكل علاقتهم بالمجتمع مبنية على أفكار مثالية معلقة في الهواء. إن الكاتب يقدم لنا “راوية” من نوع خاص، فمن خلال سلوكه يستحضر لنا المفهوم الحقيقي للديموقراطية، ملخصا في “نقد الذات” الذي مارسه خالد، حينما كان يعترف وبجرأة واضحة بأخطائه وكأنه ضمنا يتهم هؤلاء الأرستقراطيين المثقفين وانفصالهم النقدي غير المباشر عن المكان، لينجح الكاتب في بناء (شخصية مزدوجة) تصل في ذروتها إلى التوهج الداخلي إلى حد التمرد والى حد الهروب الواعي.

اغتراب داخلي
عن روايته “مزون” المكونة من 134 صفحة في 9 فصول، والتي هي في الأصل منجز مطور لرواية “دائما يحدث في الليل”. في “مزون” تتجسد غربة الإنسان في وطنه، ويتعزز هذا الاغتراب نتيجة لتضافر عاملين رئيسيين: القدر من جانب والظروف التاريخية الحديثة التي يمر بها المجتمع في الستينيات من القرن الماضي. ويقول غباش في هذا الصدد: “أعتقد أننا كلنا بشكل أو بآخر نشعر بغربة داخلية بسبب التحولات التي تعيشها مجتمعاتنا، نحن بحاجة إلى نموذج للحياة، وإذا حاولت تطبيق ذلك علي أن أستحضر جزءا من طفولتي، حينما ركبت جملا من دبي إلى رأس الخيمة، نفس الشخص الآن يركب طائرة ليصل إلى نيويورك في وقت أسرع”. وربما يكون رد بطل الرواية على هذا الكلام مرادفا للمعنى حينما يقول: “ما الذي حدث لأنفي وعيني بل وكل حواسي حتى صارت الأشياء أمامي لا طعم ولا لون لها، بينما الصور في ذاكرتي تقفز بالألوان والأصوات والروائح” (مزون ص 32). تلك هي الوضعية الإشكالية لبطل الرواية “عبد الرحمن أبي عوف” شاب في نهاية العشرينات، يسرد شاهدا حكاية جريمة قتل أقدمت عليها ابنة خالته “سلمى” بحق المغدور زوجها “مطر”، صديق طفولة أبي عوف وشقيق حبيبته “مزون”. تتوالى الأحداث في مسار سردي يتلبس فيه الراوي التهمة عن سلمى في إطار حبكة تشترك في صياغتها مجموعة من الشخصيات الثانوية، لتنتهي الأحداث بهروب المتهم إلى خارج الوطن، محققا رغبة مكبوتة في داخله بالهجرة، تاركا خلف ظهره رحلة محفوفة بالتأزم وواقعا مترديا، وعلاقات متشابكة لم تفض إلا للمرارة والقلق والأسى.
الفصول الأربعة الأولى من الرواية، لعب فيها تكنيك الحدث ألاسترجاعي دورا مهما في الكشف عن تفاصيل تطور الحالة النفسية ومزاج شخصية البطل في بوح ذاتي جميل: “لمحت شبح أمي وأبي وكأنهما تقمصاني، بل لعلي ما أنا حقا إلا هما، حتى ذلك الفعل الرابض وراء هذه القسمات يخيل إلي كثيرا أنه ليس شيئا يخصني، هو الآخر مزيج من عقلي أمي وأبي وعقول كل أولئك الأشخاص الذين تأثرت بهم، في نهاية الأمر لا يتبقى مني أنا عبد الرحمن، الشخص المزعوم شيء لا يعود إلى غيري.. (الرواية ص 40). حول الرواية وعلاقتها برواية “دائما يحدث في الليل” كتب الناقد محمد ولد عبدي: “ومهما يكن ظننا بالكاتب فإننا نحسب أن “مزون” لا تلغي البتة “دائما يحدث في الليل” فللنصين من السمات الفنية والدلالية ما يعطيه مشروعية الاستقلال، خصوصا بالنظر إلى سياقي إنتاجهما وتلقيهما وأثر ذلك على تأويلهما، مما نحسبه موضوعا طريفا ثرّ النتائج، يحتاج قراءة تأويلية لا تدخل في اختصاص قراءتنا هذه منهجا ولا أدوات، لأنها تدخل في نظرية التلقي”.
واعتبر الدكتور سمر روحي الفيصل في كتابه “قضايا السرد في الرواية الإماراتية” الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عام 2003 السرد في “مزون” هو من نوع “السرد الذاتي” في محاولة للقضاء على الحكاية والسارد المهيمن وزج السارد الممثل إلى رحاب البنية الروائية الجديدة كتعبير عن حداثتها.

فن الاحتجاج
الجانب الثاني من مسيرة محمد عبيد غباش الكتابية تمثل في سلسلة ضخمة من الدراسات والمقالات والبحوث التي كتبها ونشرها عبر الصحافة ووسائل إعلامية مختلفة، مقالات في السياسة وشؤون الحياة المختلفة والثقافة والفكر، جميعها عكست إيقاعا مهما من فنون الاحتجاج التعبيرية التي توجه رسالة مهمة نحو ضرورة احترام (الكرامة الإنسانية). من سلسلة تلك المقالات ما عرض من خلاله لقضية إشكالية العمالة الرخيصة في دول مجلس التعاون الخليجي، وناقش أيضا قضية البطالة.
وفي صيغة أدبية ممتعة قدم غباش “شهادة” في ندوة الرواية الإماراتية في الشارقة عام 2002 برعاية الدائرة الثقافية، وحملت الشهادة عنوان “كاتب يعترف” متسائلا: كيف نجعل الأشجار تقهر المقاولين؟ وكيف ننسج أدبا ينصر المهزومين؟ ونجتزئ: “كمثل باقي جيلي تعلمت اللغة العربية أساسا في المدرسة كلغة مكتوبة وليس كلغة تخاطب، وكمثل غيري خضعت طيلة السنوات الثلاثين الأولى، من حياتي للتقاليد البلاغية المتوارثة منذ العهد الذهبي للغة العربية في العصر العباسي، ولذلك بدأت ككاتب ملتزم بذلك التراث، مفتونا بالصنعة اللفظية، أعظّم الكناية، وأبجّل السجع، يعجبني الطباق ويسحرني الجناس، وأرى في الإطناب فضيلة، وهي أساليب ربما يكون بعضها أكثر مواءمة للشعر، ولكنها لا تمثل بالنسبة للرواية على أحسن الأحوال الأهمية نفسها، بل والتي تمتلك القدرة على تشويه الفن الروائي بسهولة إن هي تم توظيفها بكثرة”.
من اللافت في تجربة الكاتب حضوره القوي في معظم المنتديات والملتقيات الثقافية على مستوى الدولة، ومن ذلك مشاركته بورقة عمل مهمة في ندوة أزمة المجلات الثقافية التي انعقدت في المركز الثقافي بعجمان مطلع مارس 2010، استعرض من خلالها تجربة مجلة “الأزمنة العربية”. وعن تجربته الروائية تحدث غباش في ندوة نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ضمن فعاليات ملتقى الثلاثاء الأدبي، وقدم لها الدكتور يوسف عيدابي. واعتبر غباش أن كتاب الرواية الحاليين في منطقة الخليج العربي هم الجيل الريادي، وعبر هذه الريادة وكان لا بد من التصدي لمجموعة من التحديات والإشكاليات في العمل والكتابة بصورة عامة، ومن هذه الإشكاليات كانت اللغة القائمة على جملة من المقومات الإنشائية والبلاغية غير قادرة على استيعاب التجربة الإنسانية والتغيرات الاجتماعية الحادة في القرن العشرين، فكان لا بد من العمل على تطوير هذه اللغة. وتطرق غباش إلى مسألة خطيرة في هذا السياق، حينما قال بأن المضمون (التسلوي) الكبير الذي وصل إلينا من الأعمال الروائية والتي اعتاد عليها القارئ، جعلته يستهجن الأعمال الروائية الجادة، فكان الرهان أيضا على الوصول إلى تلك (الثيمة) التي يتم عبرها اختراق فخ التسلية وتجنب الوقوع في الجدية المبالغ فيها، إلى جانب عدم تحويل العمل الروائي إلى وثيقة أو مادة صحفية مشحونة بالمواقف الأخلاقية.
كان من الضروري في تقديري أن نختم الموضوع بالعودة إلى مجلة “الأزمنة العربية” التي شكلت مرحلة مهمة ونقلة في مسيرة غباش، كونها شكلت علامة فارقة في مسيرة الحركة الثقافية في الإمارات وبخاصة في مرحلة تكوينها الأول، وفي حوار معه تحدث حول فكرة نشأة المجلة التي ساهمت في بروز نخبة من الأقلام الجادة. قال: “كانت الفكرة في بالي منذ اليوم الأول في الولايات المتحدة خلال الدراسة، حيث أن إيقاف وإلغاء مجلة “المجمع”، كان سببا في أن نعيد إصدار مطبوعة صحافية إعلامية جديدة ونتعلم من الدروس التي مررنا بها في الماضي والأخطاء التي ارتكبناها، كنا نريد عملا نكتب فيه بقدر عال من الحرية ونتفاعل مع بيئتنا وننهض من خلاله بمجموعة من الشباب الذين لا يجدون منابر يكتبون فيها، ولأننا لم نكن قادرين على القيام بعمل خيري اضطررنا أن نضعها في نموذج تجاري بحيث يدعمها القارئ، وعندما أردنا تأسيس المجلة عام 1978 رأينا أن تكون ثقافية وأن نبتعد عن الجانب السياسي، لقد شاركت أسماء كثيرة للنهوض بالمجلة والكتابة فيها منهم على سبيل المثال لا الحصر: عبد الحميد أحمد، أمينة بوشهاب، مريم بوشهاب، حبيب الصايغ، حمدة خميس، ظبية خميس، أحمد راشد ثاني، رأفت السويركي. كانت المجلة تطبع نحو 15 ألف نسخة وتوزع على مستوى الإمارات والعالم العربي. عام 1983 صدرت المجلة من لندن، ومن ثم انتقلت إلى قبرص، لتحل رحالها في بيروت حتى عام 1996، لتتوقف عن الصدور بشكلها الورقي، ولتعاود صدورها الكترونيا، وهي ممتلئة بشتى المواضيع حول الأدب والثقافة والفكر وغيرها”.
هناك الكثير مما يمكن كتابته عن كاتب إماراتي عاش طوال حياته من أجل الكلمة، أما مجمل تجربته فيشير إلى أنه كان على الدوام في حالة صراع مع إشكاليات عديدة منها: إشكالية المصداقية وإشكالية التأصيل، وإشكالية اللغة والتعبير، ومثل كل المشتغلين في مجال الإبداع وضع طموحاته ومحاولاته التي عرضنا لبعضها، وكان على الدوام يتنقل في لعبة الحفاظ على التوازن الاجتماعي، نحو عدالة اجتماعية رصدتها معظم كتاباته.


الكاتب والمناصب


ولد الدكتور محمد عبيد غباش في إمارة دبي في 29/ 9/ 1952، حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم السياسية من جامعة ويلز بالمملكة المتحدة، يعمل منذ العام 1994 أستاذا مساعدا بقسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، عضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، عضو جمعية أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإمارات، حاصل على جائزة جون لوك للتميز الأكاديمي ـ جامعة شيللر العام 1984، وجائزة رواد الصحافة ـ اتحاد الصحفيين بدولة الإمارات العربية المتحدة، وجائزة اتحاد الكتاب العرب العام 2004، كما حصل على جائزة تريم عمران الصحفية العام 2005. وتعتبر روايته “دائما يحدث في الليل” التي كتبها العام 1974 ضمن نتاجات الريادات الزمنية، وكان غباش قد نشر الرواية مسلسلة في أربع عشرة حلقة في مجلة “الأزمنة العربية” التي كانت تصدر في الشارقة أسبوعياً، ابتداء من العدد 20 بتاريخ 18/ 7/ 1979 وحتى العدد 33 بتاريخ 24/ 10/ 1979، وقد صدرت الرواية مؤخرا في طبقة جديدة أنيقة ومنقحة تحت عنوان “مزون”.
شغل غباش العديد من المناصب الأدبية، منها عمله رئيسا لتحرير مجلة “المجمع” بدبي العام 1975، رئيسا لتحرير مجلة “الأزمنة العربية” 1986، مدير عام جريدة “الفجر” بأبو ظبي من 2001 إلى 2002، مستشار ثقافي بالمجمع الثقافي بأبوظبي في الفترة ما بين 1990 إلى 1994، رئيس تحرير صحيفة days 7، من 2003 إلى 2006، من أهم كتاباته النثرية “من لا يعرف شيئا فليكتب” العام 1988. كما صدر له بالإنجليزية كتاب عن دولة الإمارات العربية المتحدة.