الاتحاد

الاقتصادي

غاز بروم دولة داخل دولة وعمّالها عبيد بأجور مرتفعة


نوفيي اورنجوي(روسيا) - 'الاتحاد': حاجز في مقدمة الباص وحاجز آخر في مؤخرته، والهدف إبقاء الجميع تحت السيطرة·· والجميع هنا ليسوا سجناء يساقون الى المنفى الجليدي، بل زوار من رجال أعمال وإعلاميين أجانب، دعتهم السلطات الروسية مؤخراً الى زيارة منظمة لأراضي 'غاز بروم' العملاقة العالمية الأولى في انتاج الغاز الطبيعي والتي تنتج وحدها ما يوازي 50 في المئة من غاز الاتحاد الأوروبي الموسع·
تبعد منشآت 'غاز بروم' حوالى 2300 كيلومتر عن العاصمة موسكو التي تنطلق الطائرة التي لتحط في مطار مدينة 'نوفيي اورنجوي' احدى مدن 'غاز بروم' الرئيسية في القطب الشمالي الروسي· ومن هناك تستمر الرحلة عبر الباص وبعد الحصول على التأشيرة الخاصة من السلطات المحلية·
المدينة التي تأسست في الحقبة السوفييتية عام 1973 وبسكانها البالغ عددهم قرابة 100,000 والمخصصة لاستخراج الغاز الطبيعي المتوافر بكثرة في حقولها الشاسعة هي مدينة مقفلة بوجه الاجانب الممنوعين من زيارتها الا في حالات استثنائية وبعد اجراءات رقابة مشددة من جانب رجال الاستخبارات السرية الروسية·
في منتصف ديسمبر الفائت وفي خطوة غير مسبوقة دعت شركة 'غاز بروم' مجموعة صغيرة من الصحافيين والخبراء الماليين لزيارة ميدانية الى محطتها الجديدة البالغة التطور 'بتسوفو' والتي بدأت فيها مؤخراً عمليات استخراج غاز طبيعي من حقل شاسع يعتبر من ملحقات منطقة 'اورنجوي' والمفترض ان تنتج 27 مليار متر مكعب سنوياً اي ما يوازي 250 في المئة من صادرات 'غاز بروم' سنوياً الى فرنسا·
والغاز هنا مختزن على عمق 1000 متر تحت طبقات كثيفة جداً من الجليد الدائم وكانت السلطات السوفييتية السابقة قد أرسلت في السبعينيات فرقاً من الشبيبة الشيوعية عملت على بناء مدن نفطية في هذه المنطقة النائية وعلى حفر آبار لاستخراج الغاز الجوفي الدفين·
50 درجة تحت الصفر
ظروف العمل والعيشة صعبة جداً هنا والمثل المتداول بين العمال يقول: 'إذا بلغت سن الأربعين ولم تصب بالمرض فذلك لأنك تكون قد مت'!
ويضحك نيكولاي: 'لقد بلغت سن الخامسة والأربعين وما أزال بصحة جيدة ولم أمت بعد ولكن لن أدع ابنائي يأتوا للعمل هنا'·
فصل الشتاء يستمر تسعة أشهر تهبط الحرارة فيها الى ما دون 50 درجة تحت الصفر واعتبارا من الدرجة 40 تحت الصفر يصبح ممنوعاً على العمال العمل في الخارج·· وليس من باب الحرص على صحتهم كما يشرح نيكولاي بل لأن الفولاذ يصبح هشاً عند هذه الحرارة المتدنية وبحيث يمكن ان يتسبب العمال في كسر الأدوات المستخدمة في استخراج الغاز والمصنوعة من الفولاذ!
وفي شهر ديسمبر تتقلص فترة النهار الى خمس ساعات فقط من العاشرة حتى الواحدة ظهراً أما في يوليو فالنهار يطول والحرارة تعتدل لكن العمال يصبحون فريسة سهلة لجحافل البعوض وغيرها من الحشرات الطائرة·
في حقل بتسوفو الذي يبعد 50 كيلومتراً عن الدائرة القطبية يتوزع دوام العمل بمعدل 12 ساعة يومياً ولمدة شهر متواصل يليه شهر راحة لكن كما يقول فلاديمير، احد المسؤولين التقنيين: 'قضاء إجازة الشهر الكامل هنا هو عملية شاقة يموت فيها المجازون من الضجر والفراغ ولمن يريد الانتقال الى موسكو أو غيرها لقضاء هذه الاجازة مع عائلته فعليه ان يتحمل صعوبات السفر ايضاً'· غرف تتسع الواحدة منها لاثنين أو لأربعة، مخصصة لسكن العمال هنا·· فيما كشف أحدهم للصحافيين الاجانب ان قسما كبيرا من العمال ينامون في عربات قطارات الشحن الخاصة في الشركة 'أتقاسم مع زميلي سريراً واحداً، انا أنام عندما يكون هو في العمل ثم يأتي دوره للنوم عندما أكون انا في العمل'!
وبحسب أوامر الشركة يتوجب على العمال الدفاع عن الزوار الأجانب في حال تعرضهم لأعمال إرهابية!
'ظروف العمل والعيش هنا في منشآت 'غاز بروم' هي بمثابة عبودية بكل معنى الكلمة'، يقول عامل آخر يعمل هنا منذ 30 عاماً، ويضيف: 'الراتب جيد ويتجاوز الألف دولار لكنني أنفق معظمه هنا فأسعار السلع الاستهلاكية مرتفعة جداً في هذه المنطقة القطبية'·
أجور مرتفعة·· ولكن
الأجور التي تدفعها 'غاز بروم' مرتفعة فعلاً وأعلى بأربعة أضعاف من متوسط الاجور العام في روسيا البالغ 195 يورو 'أجل العامل لدى 'غاز بروم' 810 يورو وأجر المهندس يصل الى 1600 يورو' لكن في المقابل فالعمل لدى 'غاز بروم' أشبه بالانتحار البطيء·
وكما يقول احد كبار التقنيين: 'المشكلات الصحية أخطر ما نعانيه هنا ربما بسبب نقص الاوكسجين ونقص الضوء والماء اضافة الى فقر وجباتنا الغذائية من الفواكه والخضار الطازجة·· والامراض هنا متشابهة لدى الجميع تقريباً وتتراوح بين ارتفاع الضغط والامراض القلبية وسرطان المعدة'·
ولمواجهة هذه المشكلات الصحية سعت 'غاز بروم' مؤخراً الى زيادة اهتمامها بالاستثمارات الاجتماعية·· وفي الاطار نفسه انشأت قصراً للرياضة وقصراً للثقافة اضافة الى عيادة ميدانية·· وكما يقول الدكتور فاليري مارينين، احد مسؤولي العيادة: 'ليس هناك امراض مهنية، بالمعنى الطبي للكلمة لدى عمال شركة 'غاز بروم' الذين يبدو ان اجسامهم تعتاد على الشروط الصحية في هذه المنطقة لكننا نلاحظ ان نسبة كبيرة منهم يموتون بسرعة بعد التقاعد ومغادرة المنطقة'!
في المقابل، وكردة فعل طبيعية سلبية تجاه صعوبة اوضاعهم المعيشية، يلاحظ الخبراء ارتفاع نسبة انتشار ادمان الكحول والمخدرات لدى العاملين في منشآت شركة 'غاز بروم' القطبية حيث يحكى عن استهلاك 40 كيلو من الهيروين شهرياً في منطقة 'نوفيي اورنجوي'·
الصحافية الزائرة 'ماريا رادينا' قالت في نهاية الجولة: 'العيش هنا مغامرة مأساوية اشبه بأيام الحقبة السوفييتية·· الأجور مرتفعة نسبياً لكن ظروف العمل في منشآت 'غاز بروم' اشبه بالسخرة'·
المحلل المالي لدى شركة 'متروبل' الروسية 'افجيني ساتسكوف' قال بدوره: 'على 'غاز بروم' ان تكون حذرة من هذه الاوضاع المأساوية التي تحاصر فيها عمالها انها من أغنى الشركات في روسيا والعالم وتكاليف انتاجها متدنية جداً لا تتعدى ثلث تكاليف الانتاج المحددة في المعايير الدولية لكن هذه التكلفة المتدنية سائرة نحو الارتفاع لأن انتاجها سائر نحو التراجع بفعل الاستخراج المتواصل لخزاناتها تحت الأرضية منذ العام ·1966
أما شركة 'بتسوفو' الجديدة التي اطلقتها 'غاز بروم في العام 2001 فليست قادرة على تحقيق اكثر من مجرد استقرار مؤقت لمستوى الانتاج، أما شركات استخراج الغاز الطبيعي الاخرى المتوقع اطلاقها خلال السنوات القليلة المقبلة فلن تحلّ مشكلات العمّال نظراً لوقوعها في الشمال القطبي أيضاً وكأوف شور في بحر الاركتيك حيث الكثير من الصقيع الجليدي والقليل من الضوء·
الشركة- الدولة
يبقى ان شركة 'غاز بروم' هي نوع من الدولة داخل الدولة الروسية فهي صاحبة الاحتكار التام في استخراج الغاز الطبيعي الروسي وهي الى ذلك تمارس العديد من الانشطة الاضافية من تجارة المال الى وسائل الإعلام، وهي في الحقيقة تحت سيطرة الدولة التي تمتلك 38 في المئة من أسهمها وتغطي حوالى 25 في المئة من اجمالي الموازنة الحكومية·· ومن هنا إلحاح الكرملين الدائم على 'غاز بروم' بضرورة توسيع أعمالها وزيادة انتاجها·· ومن هنا احتمال دمجها بشركة 'روز نفط' خلال العام الجاري 2005 مما سيبعدها عن الارتباط بشركة 'يوكوس' وبشركة 'يوغنسك نفط غاز'·
ويصل انتاج شركة 'غاز بروم' الى حوالى 540 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً مما يجعلها الاولى عالمياً في استخراج وتصدير الغاز·· وهي معروفة برخص أسعار غازها المهدد بالنضوب في المستقبل القريب· ويباع 60% في المئة من انتاج 'غاز بروم' في الاسواق الروسية بأسعار زهيدة بالكاد توازي تكاليف الانتاج '24 دولارا للألف متر مكعب' يصدر الباقي الى بلدان اوروبا الغربية بأسعار تقارب 130 دولارا للألف متر مكعب·
أورينت برس

اقرأ أيضا

الخوري: إيرادات 2018 لا تشمل الدخل من «المضافة» و«الانتقائية»