الاتحاد

تقارير

جنوب إفريقيا... وعودة أجواء التوتر العرقي

أطلق النار.. أطلق النار.. أطلق النار على الأبيض.. أطلق النار.. أطلق النار. هذه مقاطع من أغنية تعود لزمن الفصل العنصري (الأبارتايد)، وقد أعاد إحياءها مؤخراً يوليوس ماليما، الزعيمُ الشاب في حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي".
لماذا؟ لأن الأسبوع الماضي كان فظيعاً بالنسبة للعلاقات بين الأعراق في جنوب إفريقيا. ومشاهد الشحن والاحتقان كانت كثيرة، ومنها:
أولا، صورة مضرجة بالدماء لزعيم اليمين المتطرف من البيض في البلاد والمنادي بالتفوق العرقي يوجين تيربلانش الذي قُتل، على صدر الصفحات الأولى للصحف.
ثانياً: المعركة القضائية حول ما إن كانت الأغنية التي تدعو إلى قتل المزارعين البيض تندرج ضمن خطاب الكراهية أم هي جزء من تاريخ التحرر من النظام العنصري.
ثالثاً: غضبة ماليما، الذي طرد صحافياً من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" من مؤتمر صحافي بعد أن وصفه بـ"العميل اللعين" و"الحقير" ذي "الميول البيضاء". وفي يوم الأحد، اختزلت إحدى الأسبوعيات الجنوب إفريقية كل هذا في عنوان واحد: "حكم الأغبياء".
لقد تساءل العديد من الجنوب إفريقيين كيف يمكن أن تبلغ العلاقات بين الأعراق مثل هذا المستوى المنحط في وقت يفترض فيه أن تكون اللحظة لحظة تفاؤل وطني، قبل شهرين فقط على فتح البلد أبوابه للعالم بمناسبة استضافته لكأس العالم لكرة القدم.
هذا الحدث الرياضي العالمي الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مناسبة للاحتفاء بنضج البلاد، ولكونه فرصة ثمينة تقدم فيها نفسها كديمقراطية إفريقية متقدمة ذات اقتصاد حديث وبنى تحتية كافية، وهي إلى هذا "دولة ألوان قوس قزح" المتسامحة عرقياً، بعد 16 عاماً على نهاية نظام التمييز العنصري.
على العكس من كل هذا يهدد تصاعد التوتر العرقي بالقضاء على مشاعر التفاؤل الوطني الموحِّدة للبلاد والتي كانت من المزايا المتوقعة لهذا الحدث. وفي هذا الإطار، يقول المحلل ويليام جوميدي من كلية الإدارة العامة التابعة لجامعة ويتووترسراند: "أعتقد أن يوليوس ماليما يسعى وراء تكتيك سياسي قصير النظر لأنه يلعب على أجواء عدم اليقين والقلق والاستياء.
غير أن ذلك سيكون خطيراً جداً بالنسبة لجنوب إفريقيا على المدى الطويل"، مضيفاً "عندما تترك الجني يخرج من القمقم، فإنه يصبح من الصعب جداً إعادته إليه".
ويمثل هـذا التوتر العرقي لحظة مفصلية في فترة رئاسة الرئيس جاكوب زوما، وهو زعيم ذو أسلوب غير توافقي جعله عاجزاً عن وقف المعارك الداخلية بين التيارات المختلفة داخل حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي"، أو كبح جماح خطاب ماليما المثير للانقسام.
ويرى المنتقدون أن فراغ الزعامة يجعل البلاد تسير على غير هدى، حيث تبدو حكومة حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي" عاجزة عن الوفاء بوعودها في ما يتعلق بتحسين الرعاية الصحية والتعليم وخدمات أخرى. وفي غضون ذلك، يستغل ماليما إحباط الطبقة الدنيا السوداء عبر تحويل غضبها ويأسها ضد البيض و"الإمبرياليين" وتأليبها عليهم.
وفي هذا الإطار يقول جوميدي: "إن أكثر ما يحتاجه حزب المؤتمر الوطني الإفريقي هو زعماء أكثر صدقاً وكفاءة وبصيرة. فهذا النوع من الزعامة لم يعد موجوداً؛ وفي ظل هذا الفراغ، يدخل زعماء ونشطاء مثل ماليما حلبة التنافس".
وفي يوم السبت الماضي انتقد زوما الناشط الشاب ماليما بشدة، معتبراً أن تصريحاته غريبة عن ثقافة "المؤتمر الوطني الإفريقي"، وقال زوما لصحافيين في مدينة دربان الواقعة شرق البلاد: "إننا نشدد من جديد على أنه يتعين على الزعماء أن يفكروا قبل أن يتحدثوا لأن لكلماتهم تداعيات أوسع على البلاد" .
بيد أن تاريخ أغنية "أطلق النار على الأبيض" موضوع مختلَف بشأنه، ذلك أن "المؤتمر الوطني الإفريقي"، الذي يستأنف حكماً للمحكمة العليا حول الأغنية، يقول إنها أغنية مهمة من أغاني النضال.
هذا في حين يقول البعض إن شعار "اقتل الأبيض.. اقتل المزارع" ظهر لأول مرة جزءاً من حملة "مستوطن واحد.. رصاصة واحدة" في أوائل عقد التسعينيات.
والواقع أن موقف "المؤتمر الوطني الإفريقي" حول هـذه الأغنيـة قد تغير؛ ذلك أنه عندما حكمت "لجنة حقوق الإنسان" في البلاد عام 2003 بـأن شعــار "أطلق النـار على الأبيض" يندرج ضمن خطاب الكراهية، رحب أمين عام الحزب بالحكم قائلا "إن العبارة لم تكن، ولا يمكن أن تكون، ولن تكون شعاراً لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، مثلما أنها لن تُستعمل من قبله أبداً".
غير أن الأمين العام الحالي للحزب جويدي مانتاشي اعتبر مؤخراً أن الأغنية لا ينبغي أن تمحى من التاريخ لمجرد أن بعض الناس شديدو الحساسية قائلا: "إن أي شخص يقوم بإدراج هذه الأغنية في إطار خطاب الكراهية هو من أولئك الذين يحاولون محو التاريخ".
غير أن آخرين يقولون إن الأغنية مسيئة وهجومية بسبب عمليات القتل المتكررة للمزارعين البيض على أيدي السود، والتي غالباً ما ترتكب على نحو عنيف جداً مثل الهجوم القاتل الذي استهدف تيربلانش عشية عيد الفصح.


روبن ديكسون - جوهانسبرج

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا