صحيفة الاتحاد

تقارير

تمويل المجتمع المدني... ومحاكمة التدخل الخارجي

في قضية تحولت إلى دراما دولية، افتتحت في القاهرة يوم السادس والعشرين من فبراير الجاري إجراءات محاكمة 16 أميركياً، و27 مصرياً من العاملين في منظمات تعمل لترويج الديمقراطية، وذلك في قاعة محكمة مكتظة تعمها الفوضى في العاصمة المصرية القاهرة.
ويتهم العاملون المذكورون بتشغيل منظمات مجتمع مدني من دون الحصول على تصريح رسمي وتلقي أموال غير قانونية من جهات أجنبية. ويرى مشرعو القانون الأميركيون أن القضية ذات دوافع سياسية على منظمات الحقوق والديمقراطية في مصر وتهدد بقطع المعونة الأميركية لمصر، والتي تصل لـ1.5 مليار دولار سنوياً، وذلك إذا مضت الحكومة المصرية قدماً في متابعة إجراءاتها.
ولكن القضية ينظر إليها من منظور آخر من قبل الجمهور المصري فهي في نظره قضية مثيرة تتعلق باستخدام حكومات دول أجنبية لتلك المنظمات لهز استقرار مصر والتحكم فيها. ومن هذا المنطلق عملت أجهزة الإعلام المحلية على استثارة المشاعر الوطنية لصرف أنظار المصريين عن بطء خطوات الإصلاح الديمقراطي التي يضطلع بها النظام القائم وتوجيه مخزون الغضب تجاه الخارج.
يقول "عبد الرحمن" وهو ميكانيكي وسائق تاكسي: "هؤلاء العملاء الأجانب يعملون من أجل تدمير مصر" ويضيف" وهم في رأيي سبب جميع الأحداث السلبية والمشكلات التي عانينا منها خلال العام الأخير... حيث تعمد أميركا الى استخدام أموالها لإضعاف مصر. وإذا لم تدينهم المحكمة فإن المصريين سوف يجدونهم ويعاقبونهم".
وعلى الرغم من اتهام 16 أميركياً، فإن عدد الموجودين منهم في مصر 7 فقط لم يحضر أي منهم إجراءات المحكمة التي عقدت يوم السادس والعشرين من الشهر الجاري ولكنهم جميعاً ممنوعون من السفر، بل ويقال إن بعضهم قد لجأ إلى السفارة الأميركية حتى لا يتم إلقاء القبض عليه.
وقد أنكر المتهمون المصريون الثلاثة عشر الذين حضروا إجراءات المحاكمة والذين كانوا محبوسين داخل قفص حسبما هو معتاد في مصر، التهمة الموجهة إليهم وتم الإفراج عنهم من دون كفالة حتى موعد الجلسة التالية التي ستعقد في شهر أبريل القادم. كما تغيب عن حضور الجلسة المتهمون الآخرون وهم ينتمون إلى الجنسيات الألمانية والأردنية والصربية والفلسطينية.
من بين المنظمات الخمس المتهمة هناك أربع أميركية تنتمي اثنتان منهما لـ"المعهد الجمهوري الدولي"، و"المعهد الوطني الديمقراطي" اللذين يرتبطان بصلات غير مباشرة بالحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة، ولديهما أنصار أقوياء في الكونجرس. وقد قام أعضاء المعهدين بتقديم دورات للأحزاب السياسية في مصر كما راقبوا الانتخابات التي جرت هناك في الفترة الأخيرة.
ويدعى المعهدان أنهما قد قدما طلبات تسجيل لدى السلطات المصرية المختصة أثناء حكم مبارك، ولكن تلك السلطات لم تتخذ إجراء بالموافقة والرفض تجاه الطلبين تاركة إياهما معلقين من الناحية القانونية.
وقد ظل المعهدان يعملان لسنوات ويقول مسؤولوهما إنهم كانوا يتصلون بتلك السلطات وأن الحكومة كانت على علم بأنشطتهما، بل وتم الترخيص لهما من قبل كيان حكومي بمراقبة الانتخابات الأخيرة.
وعلى الرغم من أن مصر كانت تعارض دائماً مسألة التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال ترويج الديمقراطية على أراضيها، وتفضل أن تظل مسألة التمويل تحت السيطرة الحكومية، فإن الأمر الذي لا تنكره تلك المنظمات أنها قد زادت من عمليات التمويل بشكل جوهري في مرحلة ما بعد الثورة التي أطاحت بحكم مبارك مراهنةً على أن حكام مصر المؤقتين سوف يرحبون بمساعدة مصر على التحول نحو الديمقراطية.
ولكن تبين أن المسؤولين عن السلطة في مصر الآن، كانوا أكثر عداء لتلك المنظمات من نظام مبارك، حيث أوعزوا لأجهزة الإعلام بشن حملة تشويه ضد تلك المنظمات العام الماضي، وقامت وزيرة مصرية متبقية من عهد مبارك، يعتقد المسؤولون المصريون أنها تمثل القوة الدافعة وراء حملة محاكمات منظمات المجتمع المدني وأظهار أعضائها على أنهم جواسيس أجانب يهددون أمن مصر القومي. ويشار في هذا السياق إلى أن المصريين يشعرون بقدر من الشك في الولايات المتحدة التي ساندت نظام مبارك لمدة ثلاثة عقود، ويشعرون بالاستياء لما يدركونه تدخلًا خارجياً في عملية الانتقال تجاه الديمقراطية التي يمرون بها في الوقت الراهن.
بيد أن المراقبين يختلفون فيما بينهم بشأن ما إذا كان حكام مصر العسكريون يريدون في قرارة أنفسهم أن تصل القضية للحد الذي وصلت إليه أم لا. ولكن مما لا شك فيه أن القضية تعمل في صالحهم من حيث إنها تستثير المشاعر الوطنية، وتزيد بالتالي من نسبة تأييدهم الشعبي، ولكنها في الوقت نفسه تهدد علاقات مصر بالولايات المتحدة التي تعد أكبر مانحي المساعدات الأجنبية لمصر، بيد أن الشيء المؤكد في الوقت الراهن أن الضغط الشعبي سيضمن المضي قدماً في القضية.
ويتوقع الكثيرون أن تنتهي القضية بخطوة لحفظ ماء الوجه من جانب مصر من خلال إصدار أحكام إدانة ضد المتهمين ولكن ليس أحكاماً بالسجن.

كريستين تشيك - القاهرة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»