الاقتصادي

الاتحاد

أوروبا تتأخر بخطوات في مجال اندماج شركات خدمات الاتصالات والكابل

قال العديد من المحللين الأوروبيين إنه لكي تتعافى صناعة الاتصالات من أزمتها الراهنة يتعيّن أن يجري فيها عمليات الاندماج والاستحواذ، أسوة بما يجري في الولايات المتحدة التي بدأت فيها هذه الاستراتيجية بالفعل في جني ثمارها.
في الولايات المتحدة عقدت اتفاقية اندماج تقوم كومكاست بموجبها بشراء تايم وورنر كابل مقابل أسهم تزيد قيمتها على 45.2 مليار دولار. وهذا الاندماج، إذا وافق عليه المساهمون وهيئة مكافحة الاحتكار، سيجمع بين أكبر شركتي كابل في أميركا لتكوين كيان يقدم للولايات الأميركية خدمات الفيديو وبيانات النطاق العريض (الإنترنت السريع) وخدمات اتصالات شبكة الإنترنت من كاليفورنيا إلى ولايتي كارولينا الشمالية والجنوبية.
أما في أوروبا فإنه يصعب تكوين مقدم خدمات من هذا القبيل يغطي القارة بأكملها. ذلك أنه سعياً إلى حماية المستهلكين، سلك مسؤولو هيئات مكافحة الاحتكار نهجاً متشدداً لا يتيح إبرام اتفاقيات الاستحواذ على الشركات المحلية المتخصصة في خدمات الهاتف المحمول والكابل والبث التلفزيوني المدفوع. ولكن ذلك أدى إلى عرقلة مليارات اليورو من الاستثمارات اللازمة للنهوض بشبكات الاتصالات في أوروبا إلى أعلى مستويات التقدم التي بلغتها الولايات المتحدة وآسيا في هذا المجال.
ويخشى مشرعو الاتحاد الأوروبي ونظراؤهم في الدول أعضاء الاتحاد الثماني والعشرين من أن موجة من الاندماجات قد تقلل من خيارات المستهلكين بما يؤدي إلى رفع الأسعار وتركهم للتعامل فقط مع كبار مشغلي الاتصالات مثل فودافون البريطانية وتليفونيكا الإسبانية.
شدة المنافسة
وقال محللون إن العديد من مشغلي الهاتف المحمول والكابل الأوروبيين لا يزالون يواجهون منافسة شديدة من شركات محلية، الأمر الذي أبقى على انخفاض الأسعار لمصلحة المستهلكين، ولكنه لم يتمكن من إشباع طلبهم الملح على خدمات بيانات متطورة من أجهزة متقدمة مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب اللوحية (تابليت).
وقال ستيفن هارتلي مدير الاتصالات والنطاق العريض (الإنترنت عالي السرعة) في شركة أوفم الاستشارية في لندن: «في أوروبا انصب الاهتمام على تشجيع المنافسة لا الاستثمار طوال العشرين سنة الماضية. ولا بد من تغيير ذلك بالنظر إلى أنها أضحت سوقاً مشبعاً».
وقال العديد من الشركات الأوروبية إن إصرار المشرعين وهيئات التنظيم والمراقبة على الحفاظ على منافسة قوية لم يكفل الحوافز اللازمة للاستثمار في بنية أساسية ضرورية مثل شبكات الهواتف المحمولة والكابل عالية السرعة التي تحتاجها الدول الأوروبية لإنعاش اقتصاداتها المتأزمة.
وطوال العقد الماضي تخلفت أوروبا عن الولايات المتحدة وكبريات الاقتصادات الآسيوية في الاستثمار في شبكات الألياف البصرية ذات ترددات النطاق العريض وما يسمى بشبكات الجيل الرابع اللاسلكية. وقال محللون وتنفيذيون بهذا المجال إنه من أجل أن تواكب أوروبا العصر، فإنه يلزمها مؤسسات كبرى فاعلة تغطي القارة بأسرها لديها القدرة المالية على ضخ تلك الاستثمارات الضخمة.
اندماجات السوق
وقال طوم فيليبس مدير التنظيم الرقابي في «جي إس إم إيه» رابطة المهن الاتصالاتية الأوروبية: «تميل المفوضية الأوروبية ميلاً شديداً إلى تصعيد المنافسة. إلا أن الاتحاد الأوروبي ليس سوقاً واحداً. ولذلك ينبغي إزالة الحدود الوطنية لإتاحة اندماجات السوق».
غير أن مؤيدي المستهلك يحتجون بأن موقف مسؤولي مكافحة الاحتكار المشجع للمنافسة كفل للأوروبيين خيارات مقدمي خدمات متعددة وأسعاراً أقل بالمقارنة مع نظرائهم الأميركيين. فالأوروبيون، على سبيل المثال، يدفعون حوالي 38 دولاراً في المتوسط في عقود هواتفهم المحمولة شهرياً، بحسب إحصائيات رابطة جي إس إم إيه. وهذا يساوي نحو نصف ما يدفعه الأميركيون مقابل الخدمة ذاتها حسب رأيهم.
والآن تقوم المفوضية الأوروبية الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي بإجراء مزيد من التغييرات التنظيمية في صناعة الاتصالات، بما يشمل خفضاً كبيراً لرسوم التجوال التي تفرضها شركات الاتصالات على عملائها من أصحاب الهواتف المحمولة عندما يكونون خارج دولتهم الأم.
وقالت نيلي كروز المفوضة الأوروبية التي ترأس قطاع الاتصالات أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في سويسرا في شهر يناير الماضي: «في كثير من الحالات لا تزال أنماط الأعمال مرتكزة على خدمات الأمس ورسوم الأمس. وطموحات شركات الاتصالات تلائم الأسواق الوطنية ولكنها مقيدة داخل حدود كل دولة».
مكافحة الاحتكار
ومع ذلك، ورغم قيود مكافحة الاحتكار، لا يزال مشغلو الكابل والهواتف المحمولة الأوروبيون يصيغون مقدماً اتفاقيات استعداداً للوقت والمكان اللذين يمكنهم فيهما إطلاق تلك الاتفاقيات أملاً في تحقيق اقتصادات أكبر حجماً، إذ تعكف شركات مثل دويتش تليكوم الألمانية على زيادة عروضها لتشمل حزماً موحدة السعر لكل من خدمات الهاتف المحمول والكابل والخطوط الثابتة والتلفاز المدفوع تمسكاً بالعملاء الأوروبيين الذين يبحثون عن طرق لتقليص إنفاقهم.
وقامت العام الماضي فودافون، التي كانت قد باعت حصتها في فيريزون وايرلس مقابل 130 مليار دولار، بشراء مشغل الكابل الألماني «كابل دويتشلاند» مقابل 10.5 مليار دولار وتدرس حالياً عرضاً مشابهاً من شركة الكابل الإسبانية «أو أن أو» مقابل حوالي 10 مليارات دولار.
وتعتبر فودافون، المتمركزة في بريطانيا ولكن عملياتها منتشرة في أوروبا واقتصادات ناشئة مثل الهند، هدفاً محتملاً للاستحواذ. كما عكفت العملاقة الأميركية «إيه تي أند تي» على دراسة عدد من الاتفاقيات الأوروبية وإن كانت قد أعلنت في أواخر يناير أنها لا تجري محادثات لشراء فودافون.
كما اتفقت تليفونيكا على شراء مشغل الهواتف المحمولة الألمانية إي - بلس مقابل حوالي 11.6 مليار دولار، فيما أجرت دويتش تليكوم عدداً من صفقات الاستحواذ مؤخراً في وسط أوروبا وشرقيها.
كما أعلنت ليبرتي جلوبال شركة الإعلام الخاضعة لملياردير الكابل الأميركي جون سي مالون عن صفقة نقد وأسهم قيمتها 13.7 مليار دولار لشراء شركة الكابل الهولندية زيجو في شهر يناير، واشترت أيضاً فيرجن ميديا مشغل الكابل البريطانية مقابل حوالي 16 مليار دولار العام الماضي.
وقال محللون إنه من المرجح استمرار صفقات من هذا القبيل نظراً لأن أكبر شركات اتصالات في أوروبا تهدف إلى الاستحواذ على شركات أصغر في الأسواق التي لديها فيها عمليات قائمة بالفعل.
ومع ذلك، فإن أي مساع لتكوين كيانات ضخمة تغطي أوروبا بأسرها على غرار اندماج كومكاست مع تايم وورنر ربما سيدفع مسؤولي مكافحة الاحتكار إلى المطالبة بتنازلات تهدف إلى ضمان مستوى عال من المنافسة في الدول الأوروبية كافة.
وقال روبرت جريندل رئيس قطاع الاتصالات في بنك أسبيريتو سانتو للاستثمار في لندن: «ستظل أوروبا سوقاً مجزأ في المستقبل القريب، فهي سوق شديد الاختلاف إذا ما قورنت بالسوق الأميركي».

عن - إنترناشيونال نيويورك تايمز
ترجمة - عماد الدين زكي

اقرأ أيضا

روسيا: لا نحتاج اجتماعاً مبكراً لـ «أوبك+»