الاتحاد

دنيا

سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث

هو الأمام العلامة أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أحد أئمة الإسلام، من قبيلة ثور بن عبد مناة، وهي قبيلة من مضر، ولد -رحمه الله- سنة 97 هجرية بالكوفة، ودرس على أبيه سعيد بن مسروق، الذي كان ثقة عند المحدثين، وهو من صغار التابعين وطلب سفيان العلم وهو حدث باعتناء والده المحدث الصادق، وأمه كان لها أثر حسن في توجيهه للعلم· وكان آية في الحفظ ويضرب به المثل في ذلك فكان أحفظ الناس للحديث النبوي في عصره، وقال عنه شعبة : سفيان أمير المؤمنين في الحديث ·
وتلقى العلم على يد أبيه، وزبيد بن الحارث، وحبب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس من مشايخ الكوفة والبصرة والحجاز وغيرهم· ويقال إن عدد شيوخه ستمئة وكبارهم الذين حدثوه عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله وابن عباس وأمثالهم·
وتنقل سفيان الثوري في البلاد من البصرة إلي مكة والمدينة ثم إلى الشام ومصر، طلبا للحديث والفقه· وكان كلما دخل بلدا اجتمع عليه طلبة العلم وأهل الحديث يسألونه ويسمعون منه وهو بجانب روايته للحديث يعلمهم دقائق الفقه والورع والزهد وتعظيم الله عز وجل وجمع الثوري بين العلم والورع والعبادة والتواضع وشدة الخوف من الله عز وجل·
كان شديد الزهد فلا تبلغ قيمة ثيابه سوى درهم أو درهمين، ويمكث عدة أيام لا يتناول طعاما من شدة فقره، وعنده الزهد زهدان زهد فرض وهو الزهد في الحرام، وزهد فضل وهو الزهد في الحلال·
وعلي الرغم من أن الإمام الثوري كان إماما في الناس، فإن غير واحد شهد بأنه لم يره يجلس في صدر مجلس قط· ولذلك ذاعت شهرته في بلاد الإسلام·
وكان الناس يتسابقون إلى مجلسه ويقفون بباب داره في انتظار خروجه· وقال عنه عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري·
ومع علمه كان ورعاً في الفتوي ولا يتسرع في الجواب وقال مروان بن معاوية: شهدت سفيان الثوري وسألوه عن مسألة في الطلاق، فسكت وقال: إنما هي الفروج· أي أخاف أن أفتي بالحل وهي محرمة عليه، فأتسبب في الوقيعة والوقوع في فرج لا تحل له· وقال ابن أسباط: سئل الثوري وهو يشتري عن مسألة، فقال للسائل: دعني فإن قلبي عند درهمي فلست متفرغاً لأفتيك، وقد أخطئ وأنا منشغل بالبيع والشراء·
وكان لا يقبل عطاء من أحد خاصة من السلطان وكان حريصاً على ما لديه من علم فلا يحدث رعاع الناس ولا العجم الذين لا يحسنون العربية حتى لا ينقلوا العلم خطأ، وكان من أشد الناس أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر خاصة مع السلاطين والأمراء·
وفي موقفه من العمل كان الإمام الثوري يقول إن الإنسان خلق مستخلفا في الأرض لأعمارها والعمل فيها، وليس للقعود انتظارا لاحسان أو تصدق، حتى وان كان هذا القعود من اجل العبادة·
وعرف بتجنب العمل مع الخلفاء والولاة، وكثيرا ما دعاه الخليفة أبو جعفر المنصور ليوليه أمرا فكان يرفض، ويقول : ما يريد مني أبو جعفر؟ فوالله لئن قمت بين يديه لأقولن له : قم من مقامك فغيرك أولي به منك·
ويلتقي سفيان بأبي جعفر في مني، فيقول له سفيان : اتق الله، فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعا، حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارا، وكان ينزل تحت شجرة· فيقول له المنصور: أتريد أن أكون مثلك ؟ فيقول له سفيان : لا تكن مثلي، ولكن كن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه· فيقول له المنصور : أخرج·
وبسبب هذا الجفاء المتواصل، وشدة الثوري على أبي جعفر، يأمر أبو جعفر بصلب سفيان الثوري ولكن يموت المنصور قبل تنفيذ هذا الأمر· ويحاول المهدي مع سفيان فيما فشل فيه المنصور، واضطر الثوري للفرار عدة مرات والتنقل من بلد لآخر بسبب مطاردات المهدي له وإصراره على تولية سفيان منصب القضاء·
ونهى الثوري عن الاقتراب من منابر الظلمة أو أي من أعوانهم، ولم يجز العمل مع السلطة الظالمة حتى بذريعة كسب الرزق للعيال·
ولذا عد الإمام الثوري النظر إلي وجه الظالم خطيئة، وكان يقول بالمقاطعة الكلية للسلطان الظالم والجائر بما يقود إلي عزله ومحاصرته فكان هذا أسلوبه في الإصلاح والتغيير، وعلي الرغم من إنكاره على الحاكم الظالم، إلا انه كان يرفض الخروج على السلطان بالسيف، تجنبا للوقوع في الفتنة، إلا إذا كان هنالك ما يبرر هذا الخروج من الناحية الشرعية·
ومن مؤلفاته ''الجامع الكبير''، و''الجامع الصغير'' وكلاهما في الحديث · وله كتاب في الفرائض · وله في صحيح البخاري 395 حديثا، وفي صحيح مسلم 413 حديثا، وفي سنن أبي داود 246 حديثا، وفي سنن الترمذي 348 حديثا، وفي سنن النسائي 315 حديثا، وفي سنن ابن ماجه 360 حديثا، وفي مسند الأمام احمد 1627 حديثا·
وتوفي -رحمه الله- مستخفيا في شهر شعبان سنة 161 هجرية بالبصرة

اقرأ أيضا