الاتحاد

الإمارات

الأمن المائي العربي.. إكسير الحياة

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

عرض: طه حسيب

في مقدمه كتابه المعنون بـ«الأمن المائي العربي.. الواقع والتحديات»، يرصد الدكتور منذر خدّام بُعداً جوهرياً في أمن إكسير الحياة في منطقتنا العربية الواقعة ضمن إقليم يتسم بالجفاف وتخترقه صحاري شاسعة يكاد ينعدم فيها هطول الأمطار، قائلاً: إن «الشأن المائي العربي ليس شأناً داخلياً صرفاً، بل تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والسياسية والإقليمية، وتتعارض بسببه مصالح حيوية في ظل نوع من المنافسة على المنطقة». ويؤكد خدام أيضاً أن الأمن المائي العربي في وادي النيل وبلاد الشام والعراق وثيق الصلة بالأمن الغذائي العربي؛ ذلك لأن دولاً مثل السودان وسوريا والعراق، تمثل «خزاناً للغلال لا ينضب في حال تم استثمار عوامل الإنتاج الزراعية فيها بصورة علمية». ويُعرّف خدام الأمن المائي بأنه وضعية مستقرة لموارد المياه يستجيب فيها العرض لحجم الطلب، وفي حال انخفاض المعروض عن حجم الطلب يظهر العجز المائي، وبالتالي ينخفض مستوى الأمن المائي.

تتداخل العوامل الاقتصادية والسياسية وأيضاً العسكرية والاستراتيجية في مسألة الأمن المائي العربي في ظل قوى إقليمية لديها مطامع في الموارد المائية العربية تظهر في صورة ابتزاز سياسي واقتصادي مثلما تفعل إسرائيل التي تعتبر المياه مبرراً للاحتفاظ بالأراضي العربية العربية المحتلة، خاصة في الجولان والضفة الغربية. ناهيك عن خلافات ونزاعات عربية- تركية حول المسألة ذاتها.

مصدر للصراع
وتسلط فصول الكتاب الثماني على الأمن المائي المصري والسوداني وما يتعلق به من رؤى مستقبلية والتأمين القانوني والسياسي والثقافي لموارد المياه المصرية والسودانية، فضلاً عن تحديات الأمن المائي العربي والموارد المائية في بلاد الشام والعراق وأطماع تركيا وإسرائيل في هذه الموارد.
يقول الخبير الأميركي توماس ناف، وهو أستاذ فخري لتاريخ الشرق الأوسط بجامعة بنسلفانيا: «المياه في الشرق الأوسط قضية اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتمتد لأن تصبح مصدراً محتملاً للصراع، ما يجعلها ذات بعد عسكري»، وهذا يتطلب تنسيقاً عربياً لحل هذه المشكلات. واقتبس الكاتب مقولة للدكتور أحمد كمال أبو المجد، أستاذ القانون بجامعة القاهرة، مفادها أنه «لا أمن عسكرياً لأمة خارج أمنها الاقتصادي، وذروة الأمن الاقتصادي هو الأمن الغذائي ولب الأمن الغذائي ومنتجه هو المياه». ولطالما كانت المياه في المنطقة العربية من القضايا العامة لندرتها، ففي مصر القديمة، بنى «أمنحوتب الثالث» تاسع فراعنة فراعنة الأسرة الثامنة عشر، حكم مصر في الفترة من 1391 ق.م. إلى 1353 ق.م، دشّن أول سد لتخزين المياه في التاريخ، وفي اليمن تم بناء سد مأرب في القرن الثامن قبل الميلاد، وفي الجزيرة العربية، يلفت خدّام الانتباه إلى تدشين خزانات سطحية للمياه عُرفت باسم «العقوم»، وكان البحث عن موارد المياه مصدراً للصراع بين القبائل إلى أن جاء الدين الإسلامي.

مخاطر داخلية
إذا كانت المياه تعني الحياة، فندرتها تؤثر في الأمن الغذائي والصناعي، وتهدد بالتالي أساس وجود المجتمع والإنسان ككائن حي، فندرة المياه في المنطقة العربية سببها تنامي الطلب عليها، بالإضافة إلى أن المتاح منها ليس مستقراً، جراء التغيرات المناخية التي يصعب التحكم بها، إضافة إلى المهددات البشرية الداخلية المتعلقة أساساً بالهدر وسوء الاستخدام، ما يستوجب تنمية الوعي الجماهيري، وخلق ثقافية مائية وإعداد البرامج الترشيدية، واستخدام أدوات إدارية وقانونية لحمايتها، على سبيل المثال، تجريم السلوكيات التي من خلالها يتم التبذير في استهلاك المياه.
ومن المهم الإشارة إلى تقديرات المعهد الدولي للموارد التي تتضمن تحذيراً مبكراً من أزمات مياه. في المنطقة، حيث ورد في تقرير للمعهد عام 1992 أن المتوسط السنوي لنصيب الفرد في العالم العربي من الإمدادات المائية المتجددة سيتراجع من 3430 متراً مكعباً في عام 1960 إلى 667 متراً مكعباً عام 2050، أي سيتراجع بنسبة 80 في المئة تقريباً. واللافت أيضاً أن تقديرات المياه في الوطن العربي تعادل فقط 30 في المئة من نظيرتها في آسيا و25 في المئة من نظيرتها في أفريقيا، و15 في المئة من تقديرات المياه في العالم، ومستوى التأمين المائي المقبول عالمياً للفرد سنوياً يبلغ 1000 متر مكعب.

مهددات خارجية
ويذكر المؤلف في صفحات كتابه أنه إذا كانت ثمة أطماع في موارد المياه، فإننا بصدد تحدٍّ خارجي، مواجهته تبدأ برسم سياسة مائية وطنية، تستند على مبدأ التعاون الإقليمي، وإبراز اتفاقيات بعيدة المدى مع الدول المشاطئة للموارد المائية، مع التأكيد على مبدأ عدم الإضرار بالغير، ومبدأ الاستخدام العادل للمياه، وإنشاء هيئات إقليمية للتعاون في مجال تطوير وإدارة الموارد المائية الدولية.
وتقدر الموارد المائية المتجددة سنوياً في العالم العربي بنحو 350 مليار متر مكعب، منها 150 مليار متر مكعب- أي ما يعادل 42 في المئة منها- مصدرها تدفقات نهرية خارج المنطقة العربية، ويمكن تفصيلها كالتالي: 74 مليار متر مكعب من نهر النيل، و30 مليار متر مكعب من نهر الفرات، و40 مليار من نهر دجلة.

أحواض المياه الجوفية
ويشير الكاتب في صفحاته المنشورة عام 2001 إلى تقرير التنمية في العالم لعام 1992 والذي تضمن معلومات عن أحواض المياه الجوفية في العالم العربي، حيث ثلاثة أحواض كبرى هي: حوض الأرج الشرقي ويقع جنوب جبال أطلس في الجزائر ويمتد إلى تونس ويحتل مساحة تقدر بنحو 400 ألف كيلومتر مربع وتُقدر كمية المياه المخزونة في هذا الحوض بنحو أربعة أضعاف الإمدادات المتجددة في المنطقة العربية. الحوض الثاني هو حوض النوبة بين مصر وليبيا والسودان ويمتد إلى تشاد، وتبلغ مساحته 1.8 مليون متر مكعب، ويقدر حجم المياه المخزونة فيها بعشرين ضعف الإمدادات السنوية المتجددة في المنطقة. الحوض الثالث، هو حوض الديسي للمياه الجوفية ويقع بين الأردن والسعودية، وتبلغ مساحته 106 آلاف كيلومتر مربع، وتستفيد من مياه هذا الحوض عملياً السعودية، التي استخدمت قسماً من مياهه لزراعة الحبوب. كما توجد أحواض جوفية أخرى ذات أهمية محلية، وحسب خدام، فإن كمية المياه الجوفية المتاحة للاستخدام في المنطقة العربية تبلغ 15.3 مليار متر مكعب سنوياً يستغل منها بالفعل 12 مليار متر مكعب.

مياه البحار
وتعد مياه البحار مصدراً يمكن استخدامه من خلال «التحلية»، لكنها تبقى مشروطة بعوامل فنية واقتصادية، وتشير مصادر أميركية إلى أن 35 في المئة من إجمالي محطات إزالة الملوحة من مياه البحار في العالم موجودة في الوطن العربي، وبشكل خاص في الجزيرة العربية. وهذا المصدر قد تتحول في المستقبل إلى مصدر استراتيجي لإمداد المنطقة العربية بالمياه، خصوصاً مع توفر مصادر طاقة متجددة، مثل الطاقة الشمسية، ولكن المسألة برمتها رهن التطور العلمي والقدرات الاقتصادية. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أهمية المياه المعالجة، مثل مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي، كمصدر للمياه وبالإمكان إعادة استخدامها في الزراعة، وحجم المياه المعالجة يصل إلى 6.5 مليار سنوياً، وقد يرتفع مستقبلاً إلى 12 مليار متر مكعب، وهو رافد يمكن تنميته لتعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء.

تنمية الموارد المائية
لدى المؤلف قناعة بأن تنمية الموارد المائية العربية تتطلب العمل على زيادة كميات المياه المتاحة من خلال التوسع في بناء الخزانات السطحية واستكشاف الأحواض الجوفية، وتطوير معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي، وتعظيم الاستفادة من تقنيات تحلية المياه وتطوير التعاون العربي والإقليمي في مجال الانتفاع بالمورد المائية المتاحة، بالإضافة إلى ترشيد استعمالات المياه في شتى المجالات، خاصة الزراعية (تقنيات الري والتركيب المحصولي الملائم) والاستخدامات الصناعية وتنمية ثقافة ترشيد استهلاك المياه، وتوفير قوانين وتشريعات لضمان الاستخدام الأمثل للمياه.

سيرة المؤلف:
- تخرج الدكتور منذر خدّام في أكاديمية العلوم الزراعية قسم الاقتصاد من بلغاريا عام 1974.
- عين معيداً بجامعة تشرين السورية عام 1975.
- حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من أكاديمية العلوم الزراعية ببلغاريا عام 1980.
- أستاذ في كلية الزراعة بجامعة تشرين في اللاذقية.

 

اقرأ أيضا

رئيس بوركينا فاسو يزور واحة الكرامة وجامع الشيخ زايد الكبير