الاتحاد

ثقافة

«بلغني» تعرض التمزق الداخلي بين زوجين تسود بينهما الكراهية

جهاد عبدو وآلاء عفاش في لقطة من المسرحية

جهاد عبدو وآلاء عفاش في لقطة من المسرحية

احتضنت خشبة معهد الشارقة للفنون المسرحية مساء أمس الأول، العرض السوري “بلغني”، وهو العرض المستضاف في الدورة الثامنة من ملتقى الشارقة للمسرح العربي، الذي تنظمه إدارة المسرح بثقافية الشارقة، حيث يقام الملتقى هذا العام تحت شعار “المسرح والشباب” من أجل إثراء الرؤى الجديدة وتفعيل المواهب الشابة في المسرح العربي.
حضر العرض عبدالله العويس رئيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ومحمد بن جرش مدير عام مسارح الشارقة وأحمد بورحيمة مدير قسم المسرح بثقافية الشارقة، بالإضافة إلى حشد من المسرحيين والمهتمين وضيوف الملتقى.
العرض من إخراج الفنان السوري الشاب خالد أبوبكر، ومن تأليف علي الزبيدي وسينوجرافيا محمد بلال الظفري، وقاد دفة الأداء ثلاثة ممثلين فقط هم: الفنان المخضرم جهاد عبدو في دور الزوج، وآلاء عفاش في دور الزوجة، وعروة العربي في دور الطبيب.
احتشد العمل بالدلالات والرموز الضمنية والسينوجرافيا المتقشفة والموحية أيضا، وكانت العتبة الأولي للدخول في مناخ العرض مشحونة بغموض استهلالي، أخذ يتوضح تدريجيا ويعطي مفاتيحه المغرية للجمهور كي يتواصل مع إيقاعه المتصاعد بهدوء واتزان، وكي يقبل على فرجة شهية ومليئة بالوعود.
يبدأ العرض بمشهد لزوجين يرقصان في مكان يبدو افتراضيا ومناوئا للواقع، حيث يرتدي الزوج ملابس بيضاء بينما تتشح الزوجة بالسواد، وسط جو معتم هو الآخر إلا من الإضاءة الخافتة والساقطة على جسد الزوجين، ويلاحظ المتفرج وجود حالة من التوتر والكآبة والنفور الذي يهيمن على المكان وعلى الشخوص، وما زاد من وقع هذا الجو القاتم والمقلق وجود شبكة من الخيوط الشفافة والمتداخلة التي تفصل مقدمة الخشبة عن الصالة، أما ديكور العرض فكان فقيرا وموزعا بدقة على مقاس الإيهام والبهتان والريبة المبثوثة في ثنايا العرض، احتوى الديكور على طاولة مقلوبة وكرسيين مقلوبين أيضا وبضعة أوراق بيضاء معلقة على الستارة الداخلية للخشبة بالإضافة إلى كيسين للملاكمة، وساهم اللونين الأبيض والأسود الطاغيين على السينوجرافيا في تأكيد التمزق الداخلي الذي يفصل بين الزوجين، ويجعلهما محصورين داخل نطاق مغلق من المشاعر السوداء التي تتربي على الذكريات الداكنة وتتغذي على الكراهية الصاعدة في النفس مثل رمح مسموم.
ومن خلال حوارات موظفة جيدا ومصاغة بدقة وعناية للتعبير عن دواخل الشخوص نرى ثمة تقاسيم شعرية في الكلام، ولكنها الشعرية التي تتهدم بعنف وسط التنافر اللوني واللفظي والنفسي الذي يجمع ويفرق بين الزوجين، وكأن ثمة منشار افتراضي هائل يقسم الخشبة إلى نصفين، ويجعل من الحب لعنة ومن العشق سردا للعذابات النازفة، يتدخل الطبيب الذي يقوم بدوره الفنان عروة العربي كي يضع حلولا وكي يقرب المسافات بين الزوجين المتناحرين، ولكن على عكس ما هو مرتجى منه يشحن الطبيب المكان بتوتر مضاعف، ويساهم في ترسيخ حيرة الزوجين وتوسيع المتاهة التي يقيمان فيها، ينصحهما الطبيب بضرورة الإنجاب كي يحدث التغيير المنتظر في هذا المكان القاحل والمتصحر روحيا وعاطفيا، يعترف الزوجان بأنهما عقيمان، ولكن الطبيب يقترح العلاج بالأنابيب، ومن خلال حوارات مدوخة ورقصات تعبيرية جامحة وحيل وظفها المخرج جيدا لتبادل الأدوار بين الممثلين، وإسقاط الحالات المستترة والمغيبة والمسكوت عنها والتي تعكس واقعا حياتيا واجتماعيا مرا، يذهب العرض في مسار متصاعد نحو غاياته ومقولاته وكأنه يسلك دربا خطرا وسط ألغام التأويل وقنابل التفسير المتشظية في أرض البؤس والويلات المحيطة بنا والمزروعة فينا.
تميز الممثلون الثلاثة بدرجة عالية في تقمص أدوارهم رغم التبدلات الكثيرة التي طرأت على شخصياتهم طبقا لإيقاع الحكاية وطبقا لمستويات العرض ومشاهده المتراوحة بين الضراوة والنعومة وبين الجنون والصحوة، وبين وحشة الموت وبشارة الميلاد، واستطاع المخرج خالد أبوبكر أن يترجم المحتوى الكابوسي للنص وان يروض انشغالاته الحلمية والشعرية داخل مناخ محصور ومقفل وفي ذات الوقت قدم لنا مساحة مشعة وواسعة من الدلالات والأنساق العاطفية التي تجابه الإنسان في كل مكان وفي كل زمن.

اقرأ أيضا

"محمد بن راشد للمعرفة" تبحث آفاق التعاون مع الأزهر الشريف