الاتحاد

دنيا

المشاهدون وضعوها في دائرة الشك

تتسابق القنوات الإخبارية الفضائية نحو نقل ما يحدث في العالم من أحداث وأخبار، وتسعى جاهدة إلى نقل تفاصيل الحدث لحظة بلحظة، وما يكتنف الحدث من تفاصيل ومتابعات ومعلومات، وأول ما يتحدث عنه المشاهد أو المستمع ''المتلقي'' ويتبادر إلى ذهنه هو الصدق والحيادية، حيث يحمل الخبر كثيراً من التأويلات والتفسيرات، لكنه لا يحتمل الإضافات، فهو مجرد حادث وقع في مكان وزمن محددين، وما على نشرة الأخبار إلا أن تقدمه إلى المشاهد كما حدث تماماً دون زيادة أو نقصان، وأي خروج عن هذا النص يجعل من نشرة الأخبار برنامجاً آخر لا يمت لاسمها الأصلي بأية صلة!·
ولا يخفى على أي متابع للمحطات الإخبارية الفضائية التنوع والتناقض اللذان يميزان تلك القنوات، فالأرقام والأحداث والمواقف وكل ماله علاقة بالخبر الواحد تأخذ شكلا مغايراً بين قناة وأخرى· والأمثلة عديدة·
عن هذا التناقض، مما يضعنا أمام كم هائل من التساؤلات، حيث يجد المشاهد نفسه ضائعاً في متاهات من البرامج التحليلية والحوارية التي تحاول تفسير الأحداث اليومية حسب أهوائها الخاصة، ووفق توجهات القناة ، فتكبر وتتسع المتاهة، ويضيع الخبر الأصلي ، وتغيب الحقيقة· هل هي مجرد فوضى واختلاف في الآراء ؟ وهل يثق المتابع ''المتلقي'' بما تبثه القنوات الفضائية الإخبارية من أخبار ؟











يقول مشعل صالح الدرمكي ''معلم'': ''لقد ارتبطنا بالتليفزيون كمصدر رئيس للأخبار العربية والعالمية حيث إنه الوسيلة الإعلامية الأسرع لنقل الأخبار من كافة أنحاء العالم حتى أصبح وسيلة أكثر فعالية مقارنة بالصحف اليومية، وعادة ما أثق بالأخبار الرسمية التي أسمعها، لا سيما إن كانت أخبار أحداث مهمة هنا أو هناك، وقد يكون هناك تفاوت في درجة المصداقية، وهذا يتوقف على طريقة نقل الخبر، أو نوعه، لكن هناك اختلافا في التحليلات الإخبارية بطبيعة الحال''·
مجرد عادة
·· ويضيف راشد مبارك الحربي ''أعمال حرة'' قائلاً: ''نحن نسمع الأخبار من عدد كبير من القنوات الإخبارية الشهيرة كالجزيرة والعربية وح أو غيرها، ولم نهتم كثيراً بمدى مصداقية الخبر، وجرت العادة أننا كجمهور نسمع وقليلاً ما نتابع، لكن يلاحظ أن الأخبار وخاصة السياسية منها تكون واحدة، وتتفاوت في التفاصيل حسب مصدر هذا الخبر، أو ذاك، لكنني عادة أثق بهذه الأخبار لا سيما إن كانت مقترنة بالصور، ولم يعد هناك خبر يمكن إخفاؤه في ظل كثرة القنوات الفضائية، ووكالات الأنباء العالمية والمراسلين الموجودين في كل مكان من العالم·
العالم قرية صغيرة
أما سمر الدالي ''طالبة جامعية'' فترى أن الأخبار الفضائية أصبحت صناعة رائجة، وهناك كثير من وكالات الأنباء الإخبارية المتخصصة في سائر أنحاء العالم، وكلها تتسابق لرصد الأحداث وبيعها ونقلها كسبق إعلامي، ولا أظن أن الأخبار السياسية تحديداً تتعرض للتلفيق أو التحوير كثيراً، لأن أي قناة أو أي مصدر سيحرف في الخبر، سينكشف أمره ويفقد مصداقيته عند الجمهور، لأن الآن العالم أصبح قرية صغيرة، وكل الأحداث معروفة ومرصودة ويراها الجميع، ولعل ما يحدث في غزة خير دليل على ذلك، لكن إذا كان هناك حجب للحقيقة، أو نقلها من طرف واحد، هنا يكون السؤال، وربما إذا اقتصر نقل الخبر على جهة واحدة بعينها يتيح فرصة الخداع والتمويه الإعلامي، كما حدث أيام الحرب على العراق، لكن بشكل عام إنني أثق بالقنوات الإخبارية بنسبة يمكن أن تكون ''جيدة'' وبنسبة تزيد عن 75؟''·
اتفاق·· واختلاف
·· ويضيف أحمد الزين المخرج السينمائي: ''لا أتذكر أنني سمعت خبراً مهماً سواء كان يتعلق بالمواقف السياسية أو المعارك العسكرية أو بتحركات ونشاطات رؤساء الدول أو الحكومات، أو ما يتعلق بحدث سياسي أو عسكري أو رسمي صرف، ووجدته خطأ أو كذباً، ربما هناك بعض الأخبار التي تغلف بالمبالغة أحياناً، لكن توارد هذه الأخبار في الفضائيات الإخبارية يتم على ما أعتقد حسب أهميتها، وتشمل كثيراً من التفاصيل التي تهم المشاهد، وهذه التفاصيل تتباين حسب المصدر الرئيسي للخبر أو المعلومة، وحسب نشاطه المهني، لكن هذه الثقة ترتبط بشكل كبير بمصداقية القناة التليفزيونية وتوجهها المعروف، ومن ثم فإنني أتعاطى مع هذه الأخبار في ضوء توجه القناة نفسها·
مصداقية السبق
·· أما الإعلامية عائشة البستاني، فترى أن الثقة في الأخبار التي تبثها القنوات الإخبارية التليفزيونية أمر طبيعي عندما يتوقف الأمر على الخبر ذاته، لأن كبريات القنوات الإخبارية تتسابق نحو تحقيق السبق الإعلامي ومصداقيته، وهي تعتمد في ذلك على شبكات واسعة من وكالات الأنباء المتخصصة، والمراسلين الموجودين في كافة أنحاء العالم، فالحدث حدث، لكن طريقة التناول وتفاصيلها، وتحليلاتها تختلف بالتأكيد من قناة لأخرى حسب تبنيها وجهة نظر بعينها، أو توجها محددا، أو وفق رؤية فريق التحرير، فنحن لا نختلف مثلاً حول حدوث فيضان هنا أو هناك، أو اعتداء عسكري أو معركة عسكرية وقعت في بقعة معينة، فالحدث يتم وإنما تفاصيل الحدث وتحليلات المختصين هي التي تتفاوت وتختلف، والمشاهد الواعي المهتم بأي شأن من الشؤون التي تهمه، يستطيع بحسه وذكائه وخبرته أن يقيم مصداقية ما يسمع، وما يرى·
·· من جانب آخر يقول علي السامرائي (منتج تليفزيوني في أبوظبي): ''إن مضمون الرسالة الإعلامية قد اختلف في السنوات العشر الأخيرة عما قبلها بفعل وسائل الاتصال الحديثة، والتقنية الرقمية، وتكنولوجيا النقل والرصد والارسال الحديثة التي باتت أولويات العمل الإعلامي، لا سيما الخبري منه، ففي لحظة واحدة تتناقل كافة وسائل الإعلام الخبر في أي بقعة من العالم، وتنقله في ثوان معدودة مدعم بالصور الواقعية من قلب الحدث، ولم يعد هناك مجال للتخلف أو التخريف، فالمادة الخبرية في مضمونها الرئيسي واحدة، لكن تبقى عملية كيفية التناول، ومدى التركيز على الخبر، وترتيبه وأولوياته، فالثقة في الخبر موجودة بكل تأكيد، إنما لا يعني ذلك ان يتبنى المشاهد وجهة نظر ناقل الخبر أو الحدث، فقد أسمع أو أشاهد صورة خبرية أو خبرا معينا في قناة تليفزيونية لا أثق بها كقناة من حيث المصداقية، لكن في الوقت ذاته، سأتعاطى مع الخبر كحقيقة، لأن هذه القناة مهما كانت بعيدة عن الخطوط والمعايير المهنية، فإنها لا تفتعل أخباراً حتى تبثها للمشاهد·
معايير مهنية
·· كما يشير الناقد سمير فريد إلى حقيقة مهمة تتعلق بمصداقية القنوات الإخبارية عند المشاهد ويقول: ''إن معيار المصداقية والموضوعية الخبرية فيما تتناقله القنوات الفضائية يتعلق الآن بالدقة في التناول، وسرعة رصد الحدث، وتقديم المعلومات التي تتعلق وترتبط به، وتخدم استيعاب المشاهد أو المستمع لما يشاهد أو يسمع، وليس هناك ما يمكن تسميته بالإعلام الحر، أو المستقل، فإن سيادة رأس المال تلقي بظلالها على الإعلام لكن يبقى الخبر خبراً، وليس بالإمكان نفيه أو تأكيده إلا من خلال الواقع، وكل الاختلافات تكمن في الأيديولوجية الفكرية، أو المواقف السياسية التي تتبناها هذه القناة أو ذاك· فإنني أثق في حدوث الخبر أو وقوعه هنا أو هناك، وأتأكد من ذلك من خلال أكثر من مصدر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، كيف نتناول الخبر أو الحدث؟ ولا يمكن إغفال تأثير الصورة، واللغة الخبرية، والتقارير التي تثري الخبر وتشبع نهم المشاهد المهتم!
ويضيف فريد:'' عادة نرى فجأة ما يطفو خبر على السطح ويستحوذ على اهتمام المحطات جميعها دون استثناء،وهو أمر طبيعي، لكن المثير للعجب هو أن هذا الخبر أو الموضوع الشائك يختفي فجأة كما ظهر ليحل مكانه خبر أو موضوع آخر يستحوذ على اهتمام جميع القنوات في آن واحد!'' ·
توصيل المعلومة
ويقول علي بن سالم الكثيري (رجل أعمال): ''إنه لمن الوارد أن تشتغل الأحداث مثلاً في لبنان أوالعراق أوفلسطين كما نرى الآن في آن واحد، لكن ما سر ذلك الاتفاق الضمني بين المحطات الإخبارية على إبراز خبر على حساب آخر؟ ومن ثم العودة إلى الآخر على حساب الخبر الذي همش أمامه في البداية؟ إن أهمية الخبر تفرض نفسها، وأحيانا أرى أن عدد القتلى في حادث ما على إحدى القنوات ربما يكون خمسة، بينما تعرضه قناة أخرى نفس الخبر لكن القتلى هنا سيكون عشرة أو ربما ثلاثة! وتبرز قناة موت أطفال في تفجير انتحاري في العراق مثلا، بينما تركز أخرى على موت جنود أميركيين في الانفجار نفسه! إذن الخبر قد وقع، وإنما الاختلاف في التناول والتفاصيل التي تعكس سياسة القناة، فالثقة هنا تكون بمقدار، وليست مطلقة''·
وتقول هايدي الجمل ''موظفة'' إذا كنا نتكلم عن الإعلام بصفة عامة، فيجب أن نعرف أن اسمه في حد ذاته يدل على ''توصيل معلومة'' وينقل الصورة التي يريد الآخر أن يراه عليها، فالعالم بأمور السياسة يدرك أن ما تبثه القنوات الإعلامية ليس له، ولكن الآخرين عالم آخر وهم الشريحة الكبرى في المجتمع يأخذها وكأنها منزلة من السماء فيصدقها كتصديقه بعقيدته، حتى إذ ما فتحت السماء للإعلام المعادي فأظهر عكس الاتجاه بحقائق ملموسة، فأيقن المتلقي العربي زيف إعلامه وتقصيره في تقديم المعلومة الحقة له حتى لا يبحث عن منفذ آخر يتلقى منه الأخبار والحقائق·
قد أصدق خبراً ولا أصدق آخر· فالأمر يتوقف على نوع الخبر ومكانه'''

اقرأ أيضا