الاتحاد

تقارير

فلسطين وإسرائيل: لقاء استكشافي في الأردن

يوم الثلاثاء الماضي، وفي مدينة عمّان الأردنية، التقى مفاوضون فلسطينيون وإسرائيليون لأول مرة وجهاً لوجه منذ أكثر من عام في محاولة للبحث عن صيغة مقبولة للطرفين تعيد إحياء المفاوضات المتوقفة.
لكن في ظل أجواء غير متفائلة تخيم على المفاوضات وعدم توقع أي اختراق حقيقي في اللقاء الأخير بين المفاوضين، حذر الرئيس الفلسطيني، من أنه سيتخذ "إجراءات جديدة"، ضد إسرائيل مع نهاية الشهر الجاري في حال لم يفضِ اللقاء إلى إطلاق المفاوضات على أساس المرجعيات الدولية التي يصر عليها الفلسطينيون.
وعلى رغم التشاؤم الذي يحيط بالأجواء، شكّل اللقاء الأخير بين الطرفين الرئيسيين وبحضور دبلوماسيين دوليين فرصة حقيقية لإحياء المباحثات المتعثرة وكسر الجمود الذي أعاق عملية السلام طيلة الفترة السابقة.
وفي تفاصيل اللقاء صرح وزير الخارجية الأردني، الذي يرعى محاولة إطلاق المفاوضات أن ممثل إسرائيل، "إسحاق ملوخو"، وكبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، حضرا إلى عمّان للتباحث حول كيفية إطلاق المفاوضات الثنائية، وإلى جانبهما حضر أيضاً دبلوماسيون من "اللجنة الرباعية"، المعنية بحل الصراع في الشرق الأوسط ودفع عجلة المفاوضات، والتي تتألف من الأمم المتحدة وأميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي.
ومباشرة بعد اللقاء الأولي الذي حضرته الأطراف جميعاً بما فيها مبعوثو اللجنة "الرباعية الدولية"، اقتصر الحديث لاحقاً على المبعوثين الإسرائيلي والفلسطيني ومعهما وزير الخارجية الأردني، وذلك لتبادل الآراء ووجهات النظر حول القضايا الأساسية التي سيتم تناولها مثل الأمن والحدود والقدس، التي يفترض أن تمهد الطريق لقيام الدولة الفلسطينية.
وقد صرح أحد الدبلوماسيين، الذي حضر الاجتماع الأولي، وطلب عدم الكشف عن اسمه أن ما جرى من تبادل للأحاديث بين الفلسطينيين والإسرائيليين كان "جدياً"، مضيفاً أن "اللقاء الأول كان بمثابة حصة للعصف الذهني جدد فيها الجانبان حرصهما على بدء المفاوضات وعدم إهدار مزيد من الوقت". وكانت اللجنة "الرباعية" قد حاولت على مدى الشهور الماضية استئناف المفاوضات، لكن دون جدوى بسبب رفض الفلسطينيين الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ما لم توقف الحكومة الإسرائيلية عملية بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية باعتبارها أجزاء أصيلة في الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو الطلب الذي رفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي، مطالباً بالدخول في مفاوضات دون شروط.
ويرى المراقبون أن مجرد بدء المفاوضات يمثل إنجازاً حقيقياً بعدما انهارت المباحثات السابقة في سبتمبر 2010 ، إثر انتهاء فترة تجميد الاستيطان ورفض إسرائيل لتمديدها، رغم المطالب الأميركية، ومن جانبهم تفاءل الفلسطينيون قبل عدة أشهر عندما أعلن الرئيس الأميركي موقفه المطالب بوقف الاستيطان وضغط في البداية على إسرائيل لوضع حد لنشاطها الاستيطاني قبل أن يتراجع عن ذلك ويصاب الفلسطينيون بالإحباط، فكان الرد الفلسطيني الاستماتة في رفض التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية، وتوظيف أوراق أخرى للضغط مثل التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب عضوية كاملة للدولة الفلسطينية من مجلس الأمن الدولي.
ويصر الفلسطينيون على وقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية الواقعتين تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 لأن استمرار البناء فيهما وتغيير معالمهما الجغرافية والديموغرافية يهدد بالقضاء نهائياً على حلم الدولة الفلسطينية، وبالتالي يفرغ المفاوضات من أي مضمون.
ومع أن المجتمع الدولي ومعه اللجنة "الرباعية" دعما مطالب الفلسطينيين بوقف الاستيطان الذي يعتبر غير شرعي وفقاً للقانون الدولي، إلا أنهما لم يدرجا تلك المطالب كشروط أولية لبدء المفاوضات، وهو ما أطلق يد إسرائيل لعدم تحديد مرجعية للمفاوضات، ولم يتنازل الفلسطينيون عن مطالبهم الأساسية وعلى رأسها وقف الاستيطان رغم قبولهم المشاركة في اللقاء مع إسرائيل في الأردن، بحيث انعكس ذلك في تصريحات الرئيس الفلسطيني، التي قال فيها "سنذهب إلى المفاوضات، لكن الفلسطينيين وضعوا 26 يناير الجاري كموعد نهائي لبدء تلك المفاوضات، وإذا لم يحدث ذلك سنتخذ إجراءات جديدة قد تكون قاسية".
وفي حديثه تفادى عباس الإشارة إلى تفاصيل تلك الإجراءات، لكن مسؤولين في السلطة الفلسطينية، قالوا إنهم قد يلجأون مجدداً إلى مجلس الأمن، وربما يسعون إلى عزل إسرائيل من خلال استصدار قرار من الأمم المتحدة يدين مجدداً الاستيطان. ومن جانبهم رفض الإسرائيليون الإدلاء بتعليق حول الموضوع، مفضلين انتظار ما سيسفر عنه اللقاء الاستكشافي مع الجانب الفلسطيني.
وكانت "اللجنة الرباعية" قد طلبت إلى الطرفين في شهر سبتمبر الماضي التقدم بمقترحات حول القضايا الأساسية وترتيبات الحدود والأمن، محددة مهملة أربعة أشهر التي ستنتهي في 26 يناير الجاري.
وفيما تقدم الفلسطينيون بورقتهم محذرين من نفاد الوقت تصر إسرائيل على أن الوقت لن يحتسب إلا بعد بدء المفاوضات وليس قبلها، ويأتي لقاء الأردن بين الفلسطينيين والإسرائيليين في وقت يسعى فيه محمود عباس للتصالح مع حركة "حماس" التي سيطرت على قطاع غزة في عام 2007 بعد فوزها في انتخابات نزيهة، وردت الحكومة الإسرائيلية بسرعة على هذه المساعي بتأكيدها أنها لن تدخل في مفاوضات مع حكومة فلسطينية تشارك فيها "حماس"، وهو ما يضع المزيد من العراقيل أمام عملية السلام ويكرس أجواء التشاؤم التي تخيم على المحاولات الجارية لإطلاق المفاوضات، كما تندرج جهود استئناف المفاوضات التي يرعاها الأردن في سياق تحولات إقليمية تتميز بصعود الأحزاب الإسلامية إلى السلطة، وتخوف الأردن من تعاظم دورها في ظل غياب أفق حقيقي للسلام في المنطقة.

جمال حلبي وجوزيف فيدرمان - عمّان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان سيانس مونيتور»

اقرأ أيضا