الاتحاد

دنيا

الملك الشاعر

كان حجر الكندي ملكاً في بني أسد، وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقتة، فغبر ذلك دهراً، ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجبيهم، فمنعوه ذلك - وحجر يومئذ بتهامة - وضربوا رسله، وضرجوهم ضرجاً شديداً قبيحاً·
فبلغ ذلك حجراً فسار إليهم بجند من ربيعة وقيس وكنانة، فأتاهم وأخذ سراتهم، فجعل يقتلهم بالعصا، وأباح الأموال، وصيرهم إلى تهامة، وآلى بالله ألا يُساكنوهم في بلد أبداً، وحبس منهم عمرو بن مسعود الأسدي، وكان سيداً وعبيد بن الأبرص الشاعر، فسارت بنو أسد ثلاثاً·
ثم إن عبيد بن الأبرص قام فقال: أيها الملك؛ اسمع مقالتي:
يا عين فابكي ما بنـــــــــــي
أسد فهم أهل الندامة
أهل القباب الحمر والنــــ
ـعم المؤبل والمدامه
وذوي الجياد الجرد والـ
ـأسل المثقفة المقامه
حلا أبيت اللعن حـــــــــــــلا
إن فيما قلت آمه
في كل واد بين يثــــــــــــــــــــ ـ
رب فالقصور إلى اليمامه
تطريب عانٍ أو صيـــــــــــــا
ح مُحرق أو صوت هامه
ومنعتهم جــــــــــــــــدًا فقـــــد
حلوا على وجل تهامه
بَرِمَتْ بنو أسدٍ كمــــــــــــــــا
برمت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين مـــــــــــن
بشم وآخر من ثمامه
إما تركت تركت عَفـــــــــــــــْـ
ــواً أو قتلت فلا ملامه
أنت المليك عليهـــــــــــــــــــــــم
وهم العبيد إلى القيامه
ذلوا لسوطك مثل مـــــــــــــا
ذلّ الأشيقر ذو الخزامه
فرق لهم حجر حين سمع قوله؛ فبعث في أثرهم فأقبلوا، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم فقال لبني أسد: من الملك الأصهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الرّبرب، لا يعلق رأسه الصخب! هذا دمه ينثعب، وهذا غداً أول من يسلب·
قالوا: من هو! قال: لولا أن تجيش نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر ضاحية·
فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبته، وهزموا أصحابه وأسروه فحبسوه، وتشاور القوم في قتله؛ فقال لهم كاهنٌ من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا رأيهم فيه: أي قوم! لا تعجلوا بقتل الرجل حتى أزجر لكم·
فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتلهم؛ فلما رأى ذلك عِلْباء بن الحارث الكاهلي، خشي أن يتواكلوا في قتله، فدعا غلاماً من بني كاهل - وكان ابن أخته - فقال: يا بني؛ أعندك خير فتثأر بأبيك، وتنال شرف الدهر، وإن قومك لن يقتلوك!
فلم يزل بالغلام حتى حرَّبه، ودفع إليه حديدة قد شحذها، وقال: ادخل عليه مع قومك، ثم اطعنه في مقتله·
فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها، ثم دخل على حجر في قبته التي حبس فيها·
فلما رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله، فوثب القوم على الغلام فقالت بنو كاهل: ثأرنا وفي أيدينا!
فقال الغلام: إنما ثأرت بأبي·
فخلوا عنه، وأقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قوم! قتلتموه! ملك شهر، وذل دهر، أما والله لا تحظون عند الملوك بعده أبداً·
ولما طعن الغلام حجراً ولم يجهز عليه أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع - وكان أكبر ولده - فإن بكى وجزع فاله عنه، واستقرهم واحداً واحداً، حتى تأتي امرأ القيس - وكان أصغرهم - فأيهم لم يجزع، فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي، وبين في وصيته من قتله، وكيف كان خبره·
فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب فوضعه على رأسه، ثم استقرأهم واحداً واحداً، فكلهم فعل ذلك، حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يلاعبه بالنرد؛ فقال له: قتل حجر؛ فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه· فقال له امرؤ القيس: اضرب فضرب، حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد عليك دستك·
ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره، فقال: حرمت على الملذات حتى أقتل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة·
وكان امرؤ القيس قد طرده أبوه حجر، وآلى ألا يقيم معه أنفة من قوله الشعر - وكانت الملوك تأنف من ذلك - فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب، من طي وكلب وبكر بن وائل؛ فإذا صادف غديراً أو روضه أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد فتصيد فأكل وأكلوا معه، وسقاهم وغنته قيانه·
ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره· فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن، فقال:
تطاوَل الليل علينا دمون دمون إنا معشر يمانون وإننا لأهلنا محبون
ثم قال: ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً· لا صحو اليوم، ولا سكر غداً، اليوم خمر، وغداً أمر· ثم قال:
خليلي لا في اليوم مصحى لشارب ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب
فلما صحا آلى ألا يأكل لحماً، ولا يدهن بدهن، حتى يدرك ثأره؛ فلما جنه الليل رأى برقاً، فقال:
أرقت لبرقٍ بليلٍ أهــــــل
يضيء سناه بأعلى الجبل
أتاني حديث فكذبــــــــته
بأمر تزعزع منه القلل
بقتل بني أسد ربهـــــــــم
ألا كل شيء سواه جلل
فأين ربيعة عن ربهـــــــــا
وأين تميم وأين الخول
ألا يحضرون لدى بابه
كما يحضرون إذا ما أكل
وارتحل امرؤ القيس حتى نزل بكراً وتغلب، فسألهم النصر، وبعث العيون على بني أسد، فلما كان الليل قال لهم علباء: يا معشر بني أسد، تعلمون والله أن عيون امرئ القيس قد أتتكم، ورجعت إليه بخبركم، فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة، ففعلوا·
وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب، حتى انتهى إلى بني كنانة، وهو يحسبهم بني أسد، فوضع السلاح فيهم، وقال: يا لثارات الملك! يا لثارات الهمام! فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت: أبيت اللعن! لسنا لك بثأر، نحن من كنانة، فدونك أثرك فاطلبهم، فإن القوم ساروا بالأمس·
فتبع بني أسد، ففاتوه ليلتهم تلك، فقال:
ألا يا لهف هند إثر قوم هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضاً ولو أدركته صفر الوطاب
وأدركهم ظهراً، وقد تقطعت خيله، وقطع أعناقهم العطش، وبنو أسد جامون على الماء، فنهد إليهم فقاتلهم، حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم، وحجز الليل بينهم، وهربت بنو أسد·
فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم، وقالوا له: قد أصبت ثأرك·
قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحداً·
قالوا: بلى، ولكنك رجل مشؤوم، وكرهوا قتالهم، وانصرفوا عنه، فمضى هارباً لوجهه حتى لحق بحمير·
فاستأجر من قبائل العرب رجالاً، فسار بهم إلى بني أسد، ومر بتبالة، وبها صنم للعرب تعظمه، فاستقسم عنده بقداحه، وهي ثلاثة: الآمر، والناهي والمتربص· فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها فكسرها وضرب بها وجه الصنم، وقال: لو أبوك قتل ما عقتني، ثم خرج فظفر ببني أسد·
وألح المنذر في طلب امرئ القيس، ووجه الجيوش في طلبه من إياد وبهراء وتنوخ، وأمده أنو شروان بجيش من الأساورة فسرحهم في طلبه، فلم يكن لامرئ القيس بهم طاقة، وتفرقت حمير ومن كان معه عنه، فتجافى عصيبة من بني آكل المرار، ونزل ببعض رؤساء القبائل يستجير بهم، وصار يتحول عنهم إلى غيرهم، حتى نزل برجل من بني فزارة، يقال له: عمرو بن جابر بن مازن، فطلب منه الجوار، حتى يرى ذات عيبه·
فقال له الفزاري: يا ابن حجر، إني أراك في خلل من قومك، وأنا أنفس بمثلك من أهل الشرف، وقد كدت بالأمس تؤكل في دار طي، وأهل البادية أهل وبر، لا أهل حصون تمنعهم، وبينك وبين أهل اليمن ذؤبان من قيس، أفلا أدلك على بلد! فقد جئت قيصر، وجئت النعمان؛ فلم أر لضيف نازل ولا لمجتد مثله ولا مثل صاحبه·
قال: من هو وأين منزله؟ قال: السموءل بنيماء، هو يمنع ضعفك حتى ترى ذات عيبك، وهو في حصن حصين وحسب كبير·
فقال له امرؤ القيس: وكيف لي به؟ قال: أوصلك إلى من يوصلك إليه·
فصحبه إلى رجل من بني فزارة يقال له: الربيع بن ضبع الفزاري، ممن يأتي السموءل يعجبه الشعر، فتعال نتناشد له أشعراً؛ فقال امرؤ القيس: قل حتى أقول· فقال الربيع:
قل للمنية أي حين نلتقي بفناء بيتك في الحضيض المزلق
ولقد أتيت بني المضاض مفاخراً وإلى السموءل زرته بالأبلق
فأتيت أفضل من تخمل حاجة إن جئته في غارم أو مرهق
عرفت له الأقوام كل فضيلة وحوى المكارم سابقاً لم يُسْبق
فقال امرؤ القيس:
طرقتك هند بعد طول تجنب وهنا ولم تك قبل ذلك تطرق
ثم مضى القوم حتى قدموا على السموءل، فأنشده الشعر، وعرف لهم حقهم، ثم إنه طلب أن يكتب له الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر·
ومضى حتى انتهى إلى قيصر، فأكرمه، وكانت له عنده منزلة·
ثم إن قيصر ضم إليه جيشاً كثيفاً، فيه جماعة من أبناء الملوك، فلما فصل قال لقصير قوم من أصحابه: إن العرب قوم غدر، ولا تأمن أن يظفر بما يريد، ثم يغزوك بمن بعثت معه·
فبعث إليه حينئذ بحلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب، وقال له: إني أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك؛ فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب إليّ بخبرك من منزل منزل·
فلما وصلت إليه لبسها، واشتد سروره بها؛ فأسرع فيه السم وسقط جلده فقال:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ليلبسني مما يلبس أبؤسا
فلو أنها نفس تموت سوية ولكنها نفس تساقط أنفسا
فلما صار إلى بلدة من بلاد الروم تدعى أنقرة احتضر بها فقال:
رب جفنة مثعنجره وطعنة مسحنفره تبقى غداً بأنقره
ورأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك، فدفنت في سفح جبل يقال له: عسيب، فسأل عنها، فأخبر بقصتها، فقال:
أجارتنا إن المزار قريب وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا وكل غريب للغريب نسيب
ثم مات فدفن هناك·

اقرأ أيضا