الاتحاد

دنيا

ما بين نكبة 48 ونكبة 2008- 2009 صور متشابهة وأخرى مختلفة

الجيل الجديد من النساء والفتيات الذي لم يعاصر أول نكبة في تاريخ الشعب الفلسطيني وهي نكبة العام ،1948 سمع عنها من أحاديث الأمهات والجدات في الأمسيات الشتوية الباردة، ورأى بعضاً من مشاهدها من خلال ما تحتفظ به ''الأونروا'' من أفلام الأبيض والأسود، والتي تعرضها المحطات التلفزيونية كلما مرت ذكرى مرور عام جديد من النكبة·
ولكن لم يمر بخلد هؤلاء أن التاريخ سيعيد نفسه وبصورة أبشع وأسوأ ويعيش هذا الجيل في القرن الحادي والعشرين نكبة جديدة، ولكنها ليست في أرضه بل في الأرض التي هجر إليها·
رحلة اللجوء والتي تتوالى أحداثها لينتقل اللاجئون الفلسطينيون من قراهم المدمرة في العام 1948 إلى غزة ويعيشون في ثماني مخيمات للاجئين وينتشرون في مدن قطاع غزة وقراه، هذه الرحلة المستمرة أو اللعنة وصلت بهم ولكن بهذه الصورة البشعة التي ننقلها إليكم·
في شمال غزة، حيث أقامت ''الأونروا'' مراكز للإيواء في مدارسها ليصبح عددها واحدة وعشرين مدرسة تضم الآلاف من الفلسطينين، معظمهم من منطقة العطاطرة الواقعة إلى الشمال الغربي من بيت لاهيا، بأقصى شمالي قطاع غزة، قدَرُها أن تكون على التماس المباشر مع عدوان يتواصل بلا هوادة·
فالمنطقة القابعة في أقصى شمالي قطاع غزة، ليست محظوظة بالتأكيد بوقوعها على التخوم الملتهبة· فمن الناحيتين الشمالية والشرقية، يحدها السياج الصهيوني الذي يفصلها عن الأراضي المحتلة سنة ،1948 بينما يحاصرها البحر من الناحية الغربية، لتفضي من ناحيتها الشمالية إلى بلدة بيت لاهيا·
إن خيارات السكان محدودة، فإما البقاء بانتظار القصف الذي يهوي بالبيت على رؤوس قاطنيه، أو اللوذ بمركز إيواء تحت علم الأمم المتحدة، أو أن يحظى الفارون في طريقهم بنصيب من القذائف والنيران والشظايا·
خيارات صعبة
من استطاع الوصول من بلدة العطاطرة إلى مركز الايواء تحدث عن معاناته، فيقول أحدهم وهو يتلعثم في الحديث: هذه حرب إبادة جماعية، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فحينما بدأت الحملة البرية، وطُلب منّا مغادرة المنطقة بعد قصف منازلها بالقذائف والرشاشات الثقيلة؛ هربنا تحت وقع القصف دون أخذ شيء معنا· أثناء هروبنا أصيب كثيرون بجراح وسقطوا على الأرض، ومن كان يحاول أن يسعف أياً من الجرحى تُطلق عليه النار مباشرة ويبقى بجانب المصاب، لينضم إلى قافلة الضحايا·
الحاجة أم أحمد، حيث جلست على الأرض وقالت باكية: نكبة العام 48 لا شيء أمام ما يحدث هنا، لم نر كل هذه المجازر ونحن نهرب من ديارنا، وتضيف حفيدتها: ما نعيشه يفوق أي وصف، تركنا بيوتنا الآمنة الدافئة لنعيش هنا في مدرسة على الأرض، ننام في الفصول رجالا ونساء وأطفال؛ لأن الخوف يعربد في القلوب ولا يوجد بيننا رب عائلة على استعداد لكي يترك عائلته تنام في فصل وينام هو في فصل آخر، كلنا نرفع نفس الشعار ''يا إما نموت سوا أو نعيش سوا''·
تلتقط خيط الحديث امرأة أخرى: عندما يريد زوجي الذهاب إلى الحمام، أقوم بمرافقته لأن حمامات المدارس تبعد مسافة عن الفصول، وبالتالي تكون الطائرات فوق رؤوسنا في الفضاء الواسع ويفعل زوجي نفس الشيء معي ومع صغاري·
نار الحطب
لا نستطيع أن نشعل النيران للتدفئة ''تصرخ إحدى النساء لأن طائرات الاستطلاع فوق رؤسنا لا تفرق بين النار التي نوقدها طلبا للدفء ولكي نطهو عليها طعامنا وبين نيران الأسلحة التي يوجهها المقاومون نحوهم، كل شيء أصبح مستهدفا''·
سعاد ابنة الخامسة عشرة تقول وهي تبكي: اعتقدت أن قصة الهجرة واللجوء لن تتكرر، لأن العالم أصبح أكثر حرية وتقدما، ولكني أعيش أسوأ كوابيس حياتي، فكما عاشت جدتي في خيمة سنوات طوال، ها أنا أعيش وإخوتي في فصل من مدرسة تابعة للأمم المتحدة، هل كتب على الشعب الفلسطيني وصمة اللجوء طوال حياته؟ ما ذنبنا لنحرم من بيوتنا ومدارسنا ونموت كالكلاب الضالة على الطرقات؟·
يشار إلى أنه في أعقاب الصراع العربي الإسرائيلي عام ،1948 تأسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (خامسا) في 8 ديسمبر/كانون أول عام 1949 لغرض تقديم الإغاثة المباشرة وبرامج التشغيل للاجئين الفلسطينيين· وقد بدأت الوكالة عملياتها الميدانية في أول مايو/أيار عام ·1950 وفي غياب حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، تقوم الجمعية العامة بالتجديد المتكرر لولاية ''الأونروا''، ويمتد آخر تجديد حتى 30 يونيو/حزيران ·2008
ومنذ نشأتها تقدم ''الأونروا'' خدماتها في أوقات تتسم بالهدوء النسبي تارة وتسودها أعمال العنف تارة أخرى في الشرق الأوسط· فقد وفرت الغذاء والمسكن والملبس لعشرات الآلاف من اللاجئين الفارين، وقامت في الوقت نفسه بتوفير التعليم والرعاية الصحية لمئات الآلاف من شباب اللاجئين، و تعد ''الأونروا'' أكبر الهيئات العاملة على توفير الخدمات الرئيسية، في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية، لما يربو على الأربعة ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين في الشرق الأوسط·

اقرأ أيضا