أرشيف دنيا

الاتحاد

نار الانتقام

اشتد الحوار بين «فرج» ووالد زوجته على الرغم من أن الأسباب الظاهرة تافهة، ولم يكن هناك ما يدعو لذلك، لكن الكامن في النفوس تحرك وخرج ليتحول الحديث المجرد إلى شجار وسباب ثم تشابك بالأيدي، فشل الحضور في تهدئة الموقف فكلاهما يلجآن إلى التصعيد أكثر، اشتعلت المعركة الكلامية فقام فرج بضرب حماه بشومة على رأسه ضربة أفقدته الوعي، كسرت عظام جمجمته، وأودت بحياته خلال دقائق معدودة، سكت الجميع ولاذوا بالصمت الرهيب، تحدق عيونهم في مشهد الدم والجثة على الأرض، تجمع الكثيرون وفي لحظة كان الخبر قد انتشر في القرية انتشار النار في الهشيم، لم يتخلف عن الحضور إلا أقارب فرج ابتعدوا واختفوا خشية الانتقام من أحدهم.
الخوف من التبعات
تعكر الصفو وامتلأت القرية برجال الشرطة والنيابة والأدلة الجنائية والطب الشرعي في مشهد مخيف ليس فقط مما حدث وما يحدث الآن، ولكن من التوابع وما سيقع بعد ذلك، كانت الجنازة حارة والقلوب ترتجف، لا أحد ينطق بكلمة واحدة، ربما يحاول أحدهم أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لكن من دون أن يرفع صوته، آخر يضرب كفا بكف متعجبا مما حدث ومستنكرا كيف يقتل رجل والد زوجته ولم يفكر في مصير الجميع بعد ذلك، خاصة أن ما حدث بينهما لا يدعو إلى هذا العنف، إمام المسجد كان الوحيد الذي رفع صوته ليسمعه الناس وهو يقول «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ثم يطلب من الشباب تقريب الجثمان للصلاة عليه، ثم يعرفهم بكيفية صلاة الجنازة لمن لا يدري، وبعدها يحملون الجثمان إلى المثوى الأخير.
بعد العودة من المقابر كان التصرف معروفا بينما الجميع ينتظرون سماع صوت العقل، لكن ما حدث كان متوقعا، فقد رفض أقارب القتيل إقامة سرادق أو تلقي العزاء وهذا يعني في أعرافهم أنهم يعتزمون الثأر له، وبعد أن ينتقموا من قاتله أو أحد أقاربه حينها يتقبلون العزاء حتى ولو بعد حين من الدهر، في هذه الحالات لا يستطيع أحد أن يتدخل للصلح لأن النتيجة معروفة مسبقا وهي الرفض التام لأن لديهم قاعدة بأنه لا تصالح في الدم، لذلك اصبح من المعروف والمنتظر المزيد من الدماء والثأر.
الآن تذكر الجميع أحداث الماضي القريب والبعيد، فقد كانت بين عائلتي القاتل والقتيل سنوات طويلة من الثأر والانتقام والقتل، استمرت لعقود عدة، توارثتها الأجيال، وقضت على الأخضر واليابس، لا أحد يعرف على وجه التحديد أعداد الذين قتلوا في هذه «الحرب» الطويلة، كانوا فرادى وجماعات، ومنهم من مات في السجون، وتم احتسابه ضمن القتلى، ويتم الانتقام لهم. تعب الجميع وتأثرت أحوالهم المعيشية بل تدهورت ولم يعد من بين أبنائهم من نال أي قسط من التعليم لأنهم كانوا متفرغين للقتال، وهذا كله جعلهم يثوبون إلى رشدهم مضطرين لقبول أول بادرة للمصالحة، ولا داعي للنظر إلى الخلف بغض النظر عما أسفرت عنه الأعوام الماضية، فالجميع خاسرون في النهاية والنتيجة ليس فيها رابح.
احتفال المصالحة
قبل عشر سنوات من اليوم تم الاحتفال بالتصالح، نحروا الذبائح وتعانقوا وبكوا حزنا على ما مضى، تسامحوا وتصافحوا بالدموع، حضر عِلية القوم وأكابر العائلات وقضى الجميع ليلة نبذوا خلالها العنف وتبرأوا مما حدث من قبل، تعاهدوا على العيش في سلام فهم جيران منذ مئات السنين، ولا يجوز أن يتطور أي خلاف لأسباب تافهة، وليعم الاحترام المتبادل، شعر كل أفراد العائلتين بالارتياح لهذه المصالحة التي كانوا يتمنونها بالفعل وأتعبهم الثأر وحمل السلاح، ساد الأمن والسلام والناس يتحركون في أمان ليلا ونهارا.
ولكي يتم محو آثار الماضي بشكل كامل وأيضا توثيق التصالح ولضمان عدم العودة إلى الماضي البغيض اقترح بعض الحكماء أن تتم المصاهرة بين أفراد العائلتين لتأخذ العلاقات بينهم شكلا آخر يؤدي إلى الترابط القوي، وبما لا يدع فرصة لتسلل الخلافات مرة أخرى، وكانت تلك الزيجة، حيث تقدم «فرج» للزواج من ابنة «عطية»، كأول بادرة لإثبات حسن النوايا والنظر إلى المستقبل بعين مختلفة وبتفاؤل، وهكذا كانت العروس «منى» أول بشرى خير لتأكيد الجدية وصفاء النفوس، وانتقلت إلى بيت زوجها تبدأ حياة جديدة بعيدا عما حدث من قبل، وانجبت ثلاثة أولاد أكبرهم في الثامنة من عمره والتحق بالمدرسة وتبعه أخواه الآخران.
ما فعله «فرج» اليوم جدد كل أحداث الماضي وجعل الشباب الذين لم يشهدوا الوقائع الفائتة يتساءلون عنها وعن تفاصيلها مسترجعين بدايات الخلافات، وتبارى كل من لديه معلومات صحيحة أو مغلوطة ليقدمها فتساهم في إعادة إشعال نار الفتنة، خاصة أن دم الرجل مازال حارا وفورة حماس الفتية تدفع نحو التهور بأي شكل بعيدا عن قراءة النتائج والتوابع، عاد التوتر من جديد وحمل هؤلاء وهؤلاء السلاح مرة أخرى، توترت الأجواء وفي انتظار سقوط ضحايا من هنا أو من هناك.
بين نارين
القاتل اختفى بعد أن تسبب في هذا كله ومحا الجهود الكبيرة وقضى على ما كانوا ينعمون به خلال هذه السنين من أمن وأمان واستقرار، هرب خشية القبض عليه لأنه يعرف أنه سيحبس لا محالة، ولكن أنى له أن يستمر في الاختفاء والجميع يعلمون أنه مرتكب الجريمة أمام عشرات الشهود وإن كانوا قد أحجموا عن الشهادة حتى لا يورطوا أنفسهم ويتم إقحامهم في هذه الأمور الشائكة، وحتى وهو في هروبه ليس أحسن حالا لأن رأسه مطلوب فهو إن لم يسلم نفسه للشرطة فسوف يظفر به غرماؤه ويقتلونه، وأخيرا تم القبض عليه وأمرت النيابة بحبسه.
حبس فرج لم يغير من الأمر شيئا، ولم يهدئ من التوتر، لكن زوجته هي التي كانت في موقف لا تحسد عليه، فالقتيل أبوها والقاتل زوجها، وهي بين اختيارين كلاهما مر، فكيف لها أن تبقى في بيت رجل قتل أباها وكيف تتركه وتعود إلى بيت عائلتها وتترك أبناءها الثلاثة وتتخلى عن زوجها، توقع الجميع بلا استثناء أن تلجأ إلى الاختيار الثاني وهو أن تعود إلى بيت أبيها، لكنها خالفت كل الظنون وسارت عكس ما توقعوا، فبعد أن انتهت فترة حداد مؤقتة وقصيرة خالية من العزاء عادت إلى بيت زوجها، قالت إنها لن تضحي بأبنائها ولن تتركهم للضياع، وكذلك لن تترك زوجها في محنته، وأن بيتها أولى بها، وقد لقيت وابلا من اللوم وأيضا الشتائم والانتقاد على هذا الموقف الذي لم يصادفوا مثله من قبل، خاصمها أخوتها وأمها وقاطعوها مستنكرين أن تعيش في بيت الرجل الذي قتل أباها حتى لو لم يكن موجودا معها، وظلت صامدة في وجه الرفض والقسوة التي تلاقيها من الجميع فليس أقارب زوجها أحسن حالا في المعاملة معها فهم يعتبرونها ابنة عائلة تناصبهم العداء والخصومة، فلم تجد قبولا من أي من الطرفين، ومع ذلك استمرت في الثبات على موقفها.
تحول مفاجئ
ثلاث سنوات مضت لم تتحسن الأحوال فيها وإنما تزداد توترا يوما بعد، وما زاد الطين بلة والأمور تعقيدا أكثر أنه تم إخلاء سبيل «فرج» مؤقتا إلى أن تتم محاكمته أمام محكمة الجنايات، يومها تجدد اللوم لزوجته وترقب الجميع مرة أخرى كيف ستتصرف، هل ستترك البيت أم ستبقى مع قاتل أبيها تحت سقف واحد، كل من حولها بالطبع يريدونها أن ترحل ولا يجوز لها البقاء بأي شكل وان ما تسوقه من حجج بأنها تخشى على الصغار من الضياع ليست مقبولة، بينما لم يتدخل «فرج» من قريب أو بعيد في اختيارها وترك لها اتخاذ القرار الذي تراه مناسبا بلا لوم أو مؤاخذة.
وكما حدث في المرة الأولى تكرر هذه المرة واختارت «منى» البقاء بجوار زوجها وأبنائها، وأعلنت ذلك صراحة أمام النسوة اللاتي تناقلن ذلك كأنه فضيحة ترتكبها المرأة في حق نفسها وعائلتها متناسين أنها في بيت زوجها، ولم ترتكب إثما أو حراما، بينما توعدها إخوتها بالويل والثبور وسوء العاقبة، لأنها تتساهل في دم أبيها وتبقى في بيت قاتله، وهددوها بعدم العودة إليهم مرة أخرى تحت أي ظرف مهما كان، وازدادت الأجواء توترا بعدما انتهى الذين حضروا لتهنئته بسلامة العودة ولو على استحياء وأن القضية ما زالت سارية وقيد المحاكمة، ودخل إلى بيته ليستريح ويغتسل ويبدل ملابسه.
لم تمض إلا دقائق معدودة حتى انقلبت الحال مرة أخرى رأسا على عقب، فقد خرجت «منى» وهي ترفع سكينا ملوثة بالدماء، وهي تصرخ وتبكي وتزغرد في الوقت نفسه معلنة أنها انتقمت من زوجها لمقتل أبيها، وتعود مهرولة إلى بيت عائلتها تتباهي بأنها ثأرت لوالدها على عكس ما اتهمها الجميع، قالت إنها تظاهرت طوال هذه السنين بالبقاء في بيت زوجها من أجل أبنائها وما كان ذلك إلا لكي تبقى حتى يعود القاتل وتقتله ولولا تلك الخدعة ما استطاعت أن تتمكن وتنال منه، ولن يسمح لها إخوتها بذلك فهم أولى بالدم منها، وعلى الرغم من هذا أيضا لم يرضوا عنها لأنهم لا يريدون لها أن تدخل السجن.
تم حبس «منى» وتنتظر المحاكمة وهي غير نادمة على ما فعلت، لكن شرر الثأر مازال يتطاير ولم تخمد نيرانه التي تستعر جذوتها.

اقرأ أيضا