أرشيف دنيا

الاتحاد

الابتلاء سنة من الله في الحياة.. والدنيا دار امتحان

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد– صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ خَبَّابِ? ?بْنِ? ?الأَرَتِّ? ?قَالَ?:? (?شَكَوْنَا? ?إِلى? ?رَسُولِ? ?اللَّهِ? ?صَلَّى? ?اللَّهُ? ?عَلَيْهِ? ?وَسَلَّمَ-? ?وَهُوَ? ?مُتَوَسِّدٌ? ?بُرْدَةً? ?لَهُ? ?فِي? ?ظِلِّ? ?الْكَعْبَةِ-? ?قُلْنَا? ?لَهُ:? ?أَلا? ?تَسْتَنْصِرُ? ?لَنَا،? ?أَلا? ?تَدْعُو? ?اللَّهَ? ?لَنَا?؟? ?قَالَ?:? ????
«كَانَ? ?الرَّجُلُ? ?فِيمَنْ? ?قَبْلَكُمْ? ?يُحْفَرُ? ?لَهُ? ?فِي? ?الأَرْضِ? ?فَيُجْعَلُ? ?فِيهِ،? ?فَيُجَاءُ? ?بالْمِنْشَارِ? ?فَيُوضَعُ? ?عَلَى? ?رَأْسِهِ? ?فَيُشَقُّ? ?باثْنَتَيْنِ،? ?وَمَا? ?يَصُدُّهُ? ?ذَلِكَ? ?عَنْ? ?دِينِهِ?،? ?وَيُمْشَطُ? ?بأَمْشَاطِ? ?الْحَدِيدِ? ?مَا? ?دُونَ? ?لَحْمِهِ? ?مِنْ? ?عَظْمٍ? ?أَوْ? ?عَصَبٍ?،? ?وَمَا? ?يَصُدُّهُ? ?ذَلِكَ? ?عَنْ? ?دِينِهِ،? ?وَاللَّهِ? ?لَيُتِمَّنَّ? ?هَذَا? ?الأَمْرَ? ?حَتَّى? ?يَسِيرَ? ?الرَّاكِبُ? ?مِنْ? ?صَنْعَاءَ? ?إِلَى? ?حَضْرَمَوْتَ? ?لا? ?يَخَافُ? ?إِلا? ?اللَّهَ،? ?أَوِ? ?الذِّئْبَ? ?عَلَى? ?غَنَمِهِ?،? ?وَلَكِنَّكُمْ? ?تَسْتَعْجِلُونَ?» (?أخرجه البخاري?)?.? ????
إن الابتلاء سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة، ومن المعلوم أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء واختبار كبير، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى:
- ?{?ألم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ?}?(سورة العنكبوت الآية (1-3).
التطهر من الذنوب
إن أثبت الناس في البلاء وأجلهم صبراً، أفضلهم عند الله منزلة وأجلهم قدراً، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، كما جاء في الحديث: (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ، فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (أخرجه الترمذي)، وما يبتلى الله عبده بشيء إلا ليطهره من الذنوب، أو يرفع قدره ويعظم له أجراً، وما وقع الصابر في مكروه، إلا وجعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، ومن ضاق بالقدر ذرعاً وسخط قضاء الله، فاته الأجر وكان عاقبة أمره خسراً.
ومن المعلوم أن الابتلاء سنة من سنن الله– عز وج– في هذه الحياة، وهذا أمرٌ لابُدَّ منه في تاريخ الدعوات والدعاة إلى الله– عز وجل–، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، وَيُنَقِّي النفوس من الشوائب التي قد تَعْلَقُ بها، وهي ضرورية أيضاً حتى يتميز الصف، ويثبت من يثبت، ويتخلى صاحب النفس المريضة والقلب الميت.
إن طريق الجنة محفوف بالمكاره والصعاب والعنت والمشقة، كما قال– صلى الله عليه وسلم-: (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) (أخرجه مسلم)، وكيف لا تكون الجنة كذلك؟! وهي مقر الرسل والصالحين والشهداء والصديقين، وهذا جزاؤهم بما صبروا في الحياة الدنيا.
وفي هذه الأيام نرى الشدائد والبلايا قد نزلت بالمسلمين، فما يحدث في المسجد الأقصى المبارك من اقتحامات واعتداءات من قبل المحتلين ليس عنا ببعيد، وكذلك ما يحدث في سوريا من قتل وتشريد وتدمير، وكذلك ما يجري من أحداث مؤلمة بحق المسلمين في بورما وأنجولا وأفريقيا الوسطى، وما يتعرضون له من أذى وتطهير عرقي لإخراجهم من بلادهم.
إن التسامح الذي عامل به الإسلام غيره لم يُعْرف له نظير في العالم، ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة، ومنح مخالفيه في الاعتقاد كلّ أسباب البقاء والازدهار مثل ما صنع الإسلام، وفي أي مجتمع يضم أناساً مختلفي الدين، قد يثور نقاش بين هؤلاء وأولئك، وهنا نرى تعاليم الإسلام صريحة في التزام الأدب والهدوء ?{?وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..?}? (سورة العنكبوت الآية (46).
هذا هو المنهج الإسلامي القويم في التسامح مع الآخرين، وفي علاقة التعايش السلمي المبني على الوفاق والعدل مع غير المسلمين، ما داموا على العهد والميثاق محافظين، وتلكم هي سماحة الإسلام التي أثرت الكون كلّه منذ سطوع فجره، ونثرت على الإنسانية بردها وسلامها وخيرها وأمانها ?{?صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابدونَ?}? (سورة البقرة الآية (138).

ضرورة الصبر والتفاؤل
لقد حارب الإسلام اليأس وأوجد البديل وهو الأمل، وحارب التشاؤم وأوجد البديل وهو التفاؤل، ونحن هنا نذكر بعض الأمثلة على تفاؤله– صلى الله عليه وسلم– رغم الظروف الصعبة والقاسية التي مرت به-عليه الصلاة والسلام- وبالمسلمين:

الرسول... وسراقة? ?بن? ?مالك? ?
المؤمن دائماً على قناعة بأن الليل مهما طال فلابد من بزوغ الفجر، والأمل هو شعار المؤمن في حياته، فلابد من الأمل والتفاؤل دائماً، وهذا درس نتعلمه من سيرة النبي– صلى الله عليه وسلم–، فحينما هاجر- عليه الصلاة والسلام- وخرج من وطنه مكة المكرمة مع صاحبه أبي بكر، تبعهما أحد فرسان العرب الطامعين في الجائزة التي رصدتها قريش لمن يأتي بمحمد وصاحبه حياً أو ميتاً، وهي مائة ناقة، فصمم (سراقة بن مالك) على الفوز بها، فركب فرسه، وأخذ سلاحه ورمحه، وأسرع حتى أدرك النبي وصاحبه أبا بكر، فعثرت قدم فرسه مرة ومرة ومرة، ثم غاصت أقدام الفرس في الأرض، ثم قال له النبي– صلى الله عليه وسلم–: “عد يا سراقة وإنني أعدك بسواري كسرى”؟ قال له: كسرى بن هرمز؟! قال: «نعم كسرى بن هرمز»، سمع الرجل هذا وهو غير مصدق أن هذا المطارد المهاجر يطمع في أن يرث مملكة كسرى وكنوزه، فأخذ هذا الكلام، ودخل بعد ذلك في الإسلام.
حتى كان عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب– رضي الله عنه– وقد فتحت مملكة كسرى وفتح إيوان كسرى في المدائن، وجاءت كنوز كسرى ومنها سواراه، فتذكر عمر بن الخطاب– رضي الله عنه- بشرى النبي– صلى الله عليه وسلم– لسراقة، فنادى في الناس: أين سراقة بن مالك؟ فجاء من وسط الجماهير وهو يقول: ها أنا يا أمير المؤمنين، قال: أتذكر يوم قال لك النبي– صلى الله عليه وسلم– كذا وكذا، قال: نعم أذكره ولا أنساه، فقال له: تعال ألبسك سواري كسرى، وألبسه السوارين، وقال له: الحمد لله الذي أذل بالشرك كسرى وأعز بالإسلام سراقة بن مالك، ونحن هنا نتساءل: ما الذي دفع الرسول عليه السلام أن يقول ذلك لسراقة؟
إنه التفاؤل بما عند الله، وهكذا كان أمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم– وهو مطارد من وطنه، كان يعتقد أنه سينتصر، وأن دينه سيظهر، وأن الله ناصر عبده، بفضله وكرمه.
ولقد كان رسول الله– صلى الله عليه وسلم- متفائلاً في جميع أحواله، فيوم اجتمع أعداء الإسلام من كل حدب وصوب لمحاربته في غزوة الخندق كان الرسول والمسلمون في حالة صعبة كما وصفهم القرآن الكريم: ?{?إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا*هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً?}? (سورة الأحزاب الآية (10-11).


بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
‏www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا