الاتحاد

دنيا

علماء: الإلحاد والتشدد.. وجهان لعملة واحدة

تجديد الخطاب الديني أحد أهم أساليب معالجة الإلحاد (أرشيفية)

تجديد الخطاب الديني أحد أهم أساليب معالجة الإلحاد (أرشيفية)

أحمد مراد (القاهرة) - الإلحاد يقوم على فكرة عدمية أساسها إنكار وجود الله الخالق سبحانه وتعالى، فيدّعي الملحدون أن الكون وجد بلا خالق، وأن المادة أزلية أبدية، وهي الخالق والمخلوق في نفس الوقت، وفي التاريخ العربي هناك أدلة على وجود ملحدين قبل الإسلام باسم آخر وهو اسم الدهريين، الذين كانوا يعتقدون بقدم العالم وأن العالم لا أول له، ولكن في الآونة الأخيرة ترددت الكثير من الأحاديث والأقاويل عن الإلحاد والملحدين في العالم العربي.
بدعة جديدة
وتقول الدكتورة سهير الفيل أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر: إن فكرة إنكار وجود الخالق تبدو من الأساس مستبعدة تماماً، ولم تلقَ قبولاً شعبياً في كل العصور، إذ يقول المؤرخ الإغريقي بلوتارك: «لقد وجدت في التاريخ مدناً بلا حصون، ومدناً بلا قصور، ومدناً بلا مدارس، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد»، فالإلحاد بدعة جديدة لم توجد في القديم إلا في النادر في بعض الأمم والأفراد، ومما تجدر الإشارة إليه أن الحركة الصهيونية أرادت نشر الإلحاد في الأرض فنشرت العلمانية لإفساد أمم الأرض بالإلحاد والمادية المفرطة والانسلاخ من كل الضوابط التشريعية والأخلاقية كي تهدم هذه الأمم نفسها بنفسها، وعندما يخلو الجو لليهود يستطيعون حكم العالم.
شخصية الفرد
وحينما نتحدث عن أسباب الإلحاد لا يمكن أن نعزوها إلى الأسباب الفكرية وحدها، فإن شخصية الفرد وفقاً لما ذكرته أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر فإنها مكونة من جوانب روحية ونفسية وعقلية واجتماعية، وكل جانب من هذه الجوانب له حاجات تنتظر إشباعها. كما أن لها دوراً مهما في تكامل الشخصية، والملحد إنسان تعرض لمؤثرات تسببت في بناء شخصيته، وأثرت في تكوينه الفكري، مع جانبه العقدي، ليظهر على سلوكه، ويصبغ تصرفاته وعلاقاته الاجتماعية، وطريقة إشباعه لحاجاته، حتى أصبحت له مبادئ واتجاهات وأفكار توجه سلوكه وتصرفاته، وتشكل مذهبه في الحياة والعلاقات.
المفهوم الديني
وترى أن احتكار مفاهيم الدين، ومصادرة الآراء الدينية الأخرى، الخارجة عن إطار المفهوم الديني، الرافض للآراء الأخرى يجعل المجتمعات في حيرة من أمرها، إذ تتعدد الفتاوى الدينية في مسألة واحدة، ويتم إقصاء الرأي الآخر في الدين، بدعوى الوصاية المستترة على النصوص الدينية من قبل الأفراد والجماعات الدينية، بل وفي أحيان عديدة من قبل الأنظمة السياسية المستبدة، التي توظف النصوص الدينية لمصالحها، لكي يكون لها استمرار في البقاء على كراسي السلطة.
أما الدكتورة إلهام شاهين الأستاذ بجامعة الأزهر فتشير إلى أن وصف الإلحاد في مجتمعاتنا الإسلامية بأنه “ظاهرة” غير دقيق في الوقت الراهن، لكنه ظاهرة عالمية بلاشك، وحسب الدراسات الحديثة فإن نسبة الإلحاد بين سكان العالم تصل إلى السدس. إذ تفيد بعض الإحصاءات الغربية أن بين كل ستة أشخاص في العالم يوجد ملحد واحد، وهذه نسبة كبيرة فرضت نفسها على المستوى العالمي في الوقت الراهن، لكن هذا لا يعني السكوت والغفلة عن انتشاره ضمن حزمة العولمة وما ينتج عنها.
سبل المواجهة
وعن سبل مواجهة الإلحاد تقول: أهم الحلول لتطويق الإلحاد ومحاصرته تمهيداً للقضاء عليه هو أن نعود إلى سابق عهدنا بديننا الحنيف، كما جاءنا به رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، ونعتمد الإسلام في مجال الدعوة إلى الله تعالى بالإقناع وعرض الأدلة ومناقشة غير المسلمين على قاعدة “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”، والقلوب بيد الله سبحانه وتعالى يقلبها كيف يشاء “فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها”، ويبقى أسلوب المحاورة والمناظرة وبسط البراهين والاستدلال المنطقي الممنهج، والمطبوع بالرفق دوما، هو أسلوب الإسلام الحضاري العالي الراقي “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون”، وبهذا المنطق الراقي والحجة البالغة ووضوح المحاجة البليغة دخل الناس في دين الله أفواجا، وبقي آخرون على دينهم من يهود ونصارى وغيرهم. ولم يكرههم دين الله تعالى، إنما اعتمد مبدأ الترغيب والترهيب، وترك الناس يختارون ما يشاءون، لكن بعد البيان والتبيان “لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي..”، ولكي يتبين الرشد من الغي لابد من تحرير العلماء والدعاة إلى الله حتى يقوموا بهذا الواجب، وبعدها “لا إكراه في الدين”.


التسليم المطلق للعلم

يرى الدكتورة عبدالباسط هيكل الأستاذ بجامعة الأزهر أن الإلحاد قائم على التسليم المطلق للعلم، والتسليم المطلق للعقل، ورفض الغيب والوحي، مشيراً إلى أن الملحد لا يؤمن إلا بالمحسوس وما أثبته العلم، كما يؤمن بالمنطق الحديث القائم على الحقيقة المتغيرة أي أنه يرى أن كل حقيقة حتى حقيقة الألوهية شيء متغير وغير ثابت، ولفظ الإلحاد ظهر في البيئة الغربية رفضاً لخطاب الكنيسة الذي أدى إلى تدهور الحياة في العصور الوسطى، وهناك بُعد أخر للإلحاد، وهو الإلحاد العقلي والذي يرى فيه البعض أنه لا يوجد إله يخلق الألم والشر، وبذلك ينكرون وجود الإله.
وشدد على ضرورة العمل على ترسيخ ما يعرف في الإسلام بالثوابت المتمثلة في الإيمان بالعالم الغيبي، وللأسف لا توجد كتب ومصنفات ومؤلفات لترسيخ فكره الإيمان بالغيب إلا القليل النادر، مشيراً إلى أن غياب المكون الإيماني عن مناهج الدراسة قد يكون سبباً في انتشار الإلحاد، إلى جانب عدم التعرف على الطبيعة الحقيقية للإسلام والمتمثلة في وسطيته، فالناس في طرفين ما بين متشدد وملحد، والتشدد والألحاد هما وجهان لعملة واحدة، وليست عملة الإسلام، وهناك من المسلمين من يلحد اعتراضاً على واقع المسلمين، فهو في هذه الحالة قبل أن يكفر بالله قد كفر بالناس، ودافعه في الكفر بالله هو الكفر بواقع المسلمين.


ضرورة تجديد الخطاب الديني

نبه الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني باعتباره أحد أهم أساليب معالجة الإلحاد، إضافة إلى توفير أدوات التواصل الثقافي، وتدريب الأبناء على التواصل مع الأخر مع الاحتفاظ بعقيدتنا وقيمنا وأخلاقنا، ولا نربي أولادنا في غرف مغلقة، ويجب أن نشرف عليهم في كل المراحل العمرية والحياتية ولاسيما عند تواصلهم مع الآخرين.
وتقول الدكتورة سهير طلب أستاذ التفسير والحديث بجامعة الأزهر: قد يصل بعض الشباب إلى الإلحاد نتيجة لليأس والإحباط من عدم قدرته على تحقيق الذات والإلحاد يعد في حد ذاته عقوبة من الله تعالى للعاصي، حيث يختم الله عز وجل على قلبه، ويجعل صدره ضيقاً، ويصرف قلبه عن الحق وذلك لتطاوله على الله، وقد حذر الإسلام من خطورة اليأس وتأثيره على الإنسان.

اقرأ أيضا