الاتحاد

الملحق الثقافي

الأخلاق.. خلاص البشرية

 قمر صناعي لقياس «جاذبية أينشتاين» /‏‏‏ وكالة الفضاء الأوروبية (ايزا)

قمر صناعي لقياس «جاذبية أينشتاين» /‏‏‏ وكالة الفضاء الأوروبية (ايزا)

إعداد وتقديم : عبير زيتون

في خطاب قصير للكاتب الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو ألقاه على شرف عالم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين عام 1930، قال فيه: «نابليون ورجال عظماء مثله بنوا إمبراطوريات، ولكن أينشتاين وأمثاله بنوا أكواناً كاملة، من غير أن يُسيلوا قطرة دم واحدة من دم إخوانهم البشر». طغت شهرة «ألبرت أينشتاين» (1879- 1955) كعالم عبقري للفيزياء الحديثة مع اكتشافاته العلمية المعروفة «بالنظرية النسبية العامة، والخاصة» التي وصفت بثورة القرن العشرين، على أي صفة أخرى عُرف بها هذا العالم الألماني – السويسري الأميركي – الذي يعتبر من العلماء العظماء القلائل الذين تأثروا بالفكر الفلسفي، وربطوا بين العلم والفلسفة والفنون الأخرى في محاولاته لتفسير ظواهر الكون، وتحقيق السعادة والرقي في حياة الإنسان. ففي الجانب المَجهول من شخصيته، يعتبر صاحب نوبل للفيزياء عام 1921 (فيلسوفاً إنسانياً) يمتاز بمواقفه الإنسانية، الداعية إلى «عالمية إنسانية» تحترم الآخر، وترفض مبدأ التمييز العنصري القائم على مفهوم الشعبوية، والقومية الضيقة، وأحد كبار دعاة اللاعنف، والسلام العالمي، المبني على العدالة، وقيم الحرية، والأخلاق الإنسانية في حبها للآخر، وانفتاحها عليه، ولعل أشهر دعوات «أينشتاين» كانت الدعوة إلى وقف الحروب، وإلغاء مفهوم سباق التسلح، والاهتمام بالتربية الأخلاقية للناشئة.

سئل أينشتاين: لماذا يستطيع العلماء أن يكتشفوا الذرات ولا يستطيعون أن يسيطروا عليها؟ فأجاب: لأن السياسة أصعب من الفيزياء.
***
إنني على يقين أن أجلّ خدمة يمكن أن نقدمها للإنسان هي أن نشغله بالسعي وراء غايات نبيلة وسامية. وهذا ينطبق أول ما ينطبق على عمالقة الفن ثم أساطين العلم. ولا يدور في خلدي أن أبحاث العلماء هي التي تسمو بالإنسان، وترفع مستواه الأدبي، إنما الذي يحقق ذلك هو المجهود العقلي الذي نبذله سواء في التعليم أو الإبداع أو الابتكار.
***
يقيني أن كل ما في العالم من مال وثراء لا يستطيع أن يوفر للإنسانية التقدم والازدهار الذي تصبو إليه، حتى ولو كان ذلك المال والثراء في أيدي أشد الرجال حرصاً على بلوغ ذلك الهدف، ولكن القدوة الحسنة وحدها هي التي تستطيع ذلك، إذ إنها تدفع الإنسان إلى الأفكار والأعمال النبيلة.
***
كم هو غريب مقامنا نحن البشر هنا على هذه الأرض. كلٌّ منَّا يأتي في زيارة قصيرة، دون أن يدري لماذا، لكنه يبدو وكأنه يحدس غاية ما، غير أن ثمة شيئاً واحداً نعرفه فعلاً: الإنسان هنا من أجل غيره من البشر وبخاصة من أجل أولئك الذين تتوقف سعادتُنا على ابتسامتهم، وهنائهم، وكذلك من أجل النفوس المجهولة التي لا عدَّ لها التي نرتبط بمصيرها برباط من التعاطف.
***
تأثرت في شبابي بعبارة شوبنهاور: «بمقدور الإنسان أن يفعل ما يريد لكنه لا يستطيع أن يريد كل ما يريد»، وكانت عزاءً لنفسي في ملمات الحياة وشدائدها، ومعيناً لا ينضب للتجلد والصبر. هذه القناعة تهدينا إلى التسامح وإلى فهم الحياة والآخرين، دون تزمت أكثر مما يجب، وتفسح المجال للعيش ببهجة وانشراح.
***
إن المثل العليا التي أنارت سبيلي في الحياة، والتي ملأتني على الدوام شجاعة، كانت دائماً وأبداً (الخير، والحق)، فلولا حسن التعاون والتوافق، والانسجام بيني وبين من يشاركونني الرأي، ولولا سعيي الدائب وراء ذلك الهدف المنشود الذي لا نبلغه أبداً في مجال الفن، والبحث العلمي لبدت لي حياتي فارغة.
***
أجمل شيء في وسعنا أن نختبره، ونتمتع به هو هذا الغموض من الحياة، إنه الإحساس الصافي، والعميق الذي يفيض من نبع العلم، والفن الحقيقيين. فمَن يستغرب هذا الغموض، ومَن لم يعد يقدر أن يتوقف مدهوشاً أمامه دهشة وعجباً، مخطوفَ الأنفاس، هو ميت حقاً، انطفأ نور عينيه. هذا الإحساس بالغموض ممزوج بالخوف، أنشأ الدين أيضاً. إن معرفة أن هناك حجُباً لا يمكننا تخطيها، والوقوف على مظاهر الانسجام العميق، والجمال الباهر الذي لا يستوعبهما عقولنا إلا في أبسط صورة من صورهما، هذه المعرفة، وذلك الشعور، هما جوهر التقوى والزهد والعبادة الحقيقيين.
***
إن بلوغ الغاية الأخلاقية، والجمالية هدف أكثر اتصالاً (بالفن) من (العلم). لا شك أن فهم إخواننا في البشرية، أمر مهم، ولكنه لن يعطي نتائجه إلا إذا آزره شعور بالتعاطف مع الآخر، في الحزن والفرح، وتربية هذا المعين الفياض للعمل الأخلاقي، هو أخص خصائص (الدين) عندما يخلص من الشوائب والخرافات، وهذا ما نُهمله في أشد الوقت حاجة.
***
إن المشكلة المخيفة التي يثيرها الوضع السياسي المضطرب في العالم لها أثر كبير في الخطيئة التي ترتكبها مَدنيتُنا، إذ أقصت الأخلاق، فلا خلاص للبشرية دون ثقافة أخلاقية تقوم على فهم الآخر، والتعاطف معه.
***
يجب أن نقوي روح التضامن الدولي، وأن نقاوم الشعوبية، باعتبارها حجر عثرة في سبيل سلام العالم. ويجب أن نلجأ في المدارس إلى تدريس التاريخ والجغرافيا لتفسير تقدم الحضارات، وخلق فهم متعاطف لمميزات الشعوب المختلفة حتى البدائية منها.
***
لقد كان يكفي المرء فيما مضى، أن يتحرر إلى حد ما من الأنانية الذاتية لكي يصبح عضواً نافعاً في المجتمع. أما اليوم فلابد أن يتخلص من ذاتيته الطبقية، والقومية حتى يتحسن مصير الإنسانية، ويصل إلى المستوى السامي المنشود.
***
كم أتمنى أن تستيقظ ضمائر الشعوب، وأن تستعيد سلامة المنطق حتى تبلغ طوراً جديداً في حياة الأمم. طوراً ينظرُ فيه الناس إلى الحرب على أنها ضلال غير معقول.
***
«صناعة التسلح» هي بحق أحد الأخطار الكبرى التي تهدد الجنس البشري. إنها قوى الشر التي تختبئ وراء ريح الوطنية التي تندلع في كل مكان.
***
لقد أدرك جميع العظماء على تعاقب الأجيال أهمية توفر السلام الدولي، ولكن التقدم الصناعي في زماننا حول هذا المطلب الأخلاقي إلى مسألة حياة أو موت للجنس البشري، ومما يجعل السعي الإيجابي في سبيل حل مشكلة السلام، واجباً أخلاقياً من ألزم الواجبات لا يستطيع أحد التهرب منه اليوم.
***
كم أود أن تدق أجراس الخطر حتى تتنبه الأمم قبل فوات الأوان، إلى ما يجب أن تفرضه على نفسها من عزم، وتصميم حتى تتجنب صراعاً شاملاً هو صراع الكل صد الكل. لقد اتضح أن قوة الضمير والروح الدولية ليسا كما يجب.
***
إننا على مفترق الطريق... اهتداؤنا إلى طريق السلام، أو استمرارنا في الطريق القوة الغاشمة التي لا تليق بحضارتنا وإنسانيتنا. أمر سنختاره بمحض إرادتنا، وعليه سيتوقف مصيرنا كبشر.
***
لو أن التقدم من ناحية التخطيط، والإدارة استطاع أن يساير التقدم الذي بلغناه تكنولوجيا، لتحققت لنا حياة رغيدة وسعيدة، لكن هذا التقدم الصناعي الذي بلغناه بشق الأنفس، يبدو الآن في أيدي هذا الجيل (كنصل حاد) يلهو به طفل لم يبلغ من العمر الثالثة، مما سبب الشقاء والجوع بدل الحرية.
***
إن مصير البشرية المتمدنة يتوقف الآن أكثر من أي وقت مضى على الطاقة الأخلاقية، ومتانتها التي في مقدورنا استخدامها كأداة مباشرة للنجاح كما فعل أسلافنا، فالسبيل إلى وجود سعيد ممتع هو في ضبط النفس والقناعة.
***
إن أهم حافز على العمل سواء في المدرسة، أو في الحياة هو (اللذة) التي تصاحب هذا العمل، وتصاحب إتمامه، والإحساس بأهمية نتيجته بالنسبة للمجتمع. إن إثارة، ودعم هذه القوى في نفوس الشباب، هو أهم عمل منوط بالمدرسة، فمثل هذه الدعائم السيكولوجية تؤدي وحدها إلى اشتياق متلهف بهيج إلى أعز ما يملكه إنسان، ألا وهو (المعرفة، والعمل) بروح الفنان الموهوب.
***
إن معرفتي بالأسس الجوهرية للديانة اليهودية، تجعلني أرفض فكرة الدولة المتَّصفة بالحدود والجيش والسلطة الزمنية. أخشى أن يلحق اليهودُ الضررَ بأنفسهم نتيجة تنامي القومية الضيقة بين صفوفنا، وهي التي حاربناها بقوة قبل أن تكون لنا
***
لابد من ثورية التفكير وثورية العمل، ولابد وأن تكون لنا من الشجاعة ما يحقق ثورية العلاقات بين دول العالم، فأساليب الأمس لم تعد صالحة ولا شك أنها ستكون غداً قد عفَّى عليها الزمن، وهذا من واجب المثقفين وينبغي أن يأخذوه على عاتقهم، فهل يملكون الشجاعة الكافية للتحلل من روابط قوميتهم الضيقة وحمل الشعوب نحو الانفتاح والتغيير؟
...............................................
* هذه الشذريات مستمدة من كتابه: آراء وأفكار – ترجمة د. رمسيس شحاتة – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986.

اقرأ أيضا