الاتحاد

الملحق الثقافي

النّجاح والسعادة.. زينة الحياة وجوهر الكينونة

د. ألفة يوسف

يخلط المخيال الشّائع بين كلمتين يتواتر استعمالهما معاً، ويتواتر في بعض الأحيان تعاوضهما وهما: كلمتا النّجاح والسّعادة. والحقّ أنّ الكلمتين مختلف معناهما تماماً.
النّجاح: يتّصل بتحقيق جماع أشياء في العالم الخارجيّ. فيمكن أن يكون النّجاح نجاحاً في العمل بالحصول على شغل لائق، ويمكن أن يكون النّجاح نجاحاً في تحقيق الثّراء بالحصول على أموال، ويمكن أن يكون النّجاح نجاحاً في تلميع الصّورة الاجتماعيّة ببلوغ منصب سياسيّ مرموق، ويمكن أن يكون النّجاح نجاحاً في إشباع النّرجسيّة الفرديّة بإنجاب البنين والبنات إلخ...
ومهما تكن مجالات النّجاح وسبله فهو يتحدّد وفق نظرة الآخر، وغالباً ما يكون هذا الآخر هو الآخر الجماعيّ متمثّلاً في المجتمع الّذي يحيا فيه الإنسان. ويمكن أن يكون النّجاح وفق الآخر الفرديّ، زوجاً كان أو صديقاً أو زميلاً في العمل.
ومن جهة أخرى، فإنّ النّجاح، على اختلاف مجالاته وتنوّعها، يقوم على الجمع، فمن يجمع المال يحاول دوماً مواصلة جمعه، ومن يرنو نحو المناصب يبذل قصارى جهده حتّى تظلّ دوماً، وكذا جميع المجالات الأخرى. إنّ النّجاح حركة لا تنتهي نحو مزيد الجمع. وهي حركة ترنو بالضّرورة إلى المستقبل ساعية نحو جمع آتٍ يكون أكبر وأكبر. على أنّ هذا الجمع لا يني ولا ينتهي ولا يُشبع. ذلك أنّ تحقيق أيّ حاجة يفتح الباب على تحقيق حاجة أخرى سواها وهكذا دواليك...
انطلاقاً ممّا سبق يمكن أن نقرّ أنّ للنّجاح ثلاث سمات أساسيّة، أولاها: أنّه يتجسّم من خلال نظرة الآخر الخارجيّ، وثانيتها: أنّه منفتح نحو المستقبل، وثالثتها: أنّه يقوم على الجمع. وهذه السّمات الثّلاث هي الّتي تكتب حدّ النّجاح الأساسيّ، وهذا الحدّ مفاده بأنّ النّجاح لا يُشبع ولا يريح. فكم عاشق شعر أنّ وصال معشوقه هو أقصى آمال نجاحه في الحبّ فإذا به يحسّ بعد تحقّق ذاك الوصال بوحشة النّفس التي تتوهّم الإشباع فلا تصادف إلاّ فراغاً، وكم معوز تصوّر أنّ تكديس المال وتجميعه يجيب نهم نفسه فإذا به لا يجد بعد جمع الثّروات سوى رزم من المال لا تريح ولا تطمئن.
السّعادة: إذا كان النّجاح يقوم على جمع المواضيع الخارجيّة مهما يكن ضربها ونوعها واختلافها، فإنّ السّعادة لا علاقة لها بالمواضيع الخارجيّة لا كمّاً ولا كيفاً. وبعبارة أخرى، فكلّما اتّجهَتْ نفسُك صديقي القارئ نحو تحقيق أيّ هدف مادّي في العالم الخارجيّ، فاعلم أنّ تحقيق ذاك الهدف قد يحقّق لك إشباعاً آنيّاً لا يلبث أن ينفتح على فراغ وهوّة تحدوك إلى أن تنشد تحقيق أهداف أخرى. وبذلك فمهما تكن عدد الأهداف الّتي ستحقّقها في حياتك فإنّها لن تكون السّبب الجوهريّ لسعادتك. إنّ السّعادة، خلافا للنّجاح ليست سعياً نحو موضوع خارج الذّات، ولكنّها حال ذاتيّة جوّانيّة داخليّة ثابتة لا تفعل فيها المؤثّرات الخارجيّة المتنوّعة. ومن المنظور ذاته، فإنّ السّعادة لا تختلف باختلاف السّياقات وتنوّعها، وليست مفتقرة إلى اعتراف من الآخر أو إقرار.
ذلك أنّ السّعادة، خلافا للنّجاح، ليست منفتحة نحو المستقبل، وليست ترنو إلى الزّمن الآتي الّذي يظلّ مجرّد غائب وهميّ. إنّ السّعادة هي اندراج في اللحظة الحاضرة بكلّ ما فيها وكلّ من فيها. إنّ السّعادة ليست من باب الجمع لأنّ اللّحظة الحاضرة تحتوي كلّ شيء بالقوّة وبالفعل. فأن تحيا في هذه اللّحظة الحاضرة بكلّ ذاتك يحيلك على ما يسمه بعض الحكماء والفلاسفة الرّوحانيّين بالحياة في «الحضرة الإلهيّة». فكيف يكون ذلك؟
يكون ذلك بكلّ بساطة بأن تتذكّر في كلّ لحظة أنّ كلّ ما تجمعه وما تحصل عليه وما تناله ممّا يسمّى نجاحا هو وقتيّ وراحل وفانٍ بالضّرورة. لا يعني هذا أنّ الطّموح أو السّعي نحو النّجاح ليس مشروعاً. بالعكس، إنّ نشدان الأفضل هو من طبيعة الإنسان. ولكن يبدأ المشكل عندما يلخّص الإنسان ذاته في تكديس الأهداف المادّية والغايات الموضوعيّة، وينسى أنّ جوهر الإنسان أكبر من ذلك وأعمق.
إنّ النّجاح متّصل بما تملك (l’Avoir)، والسّعادة متّصلة بكينونتك (l’Etre). فما تملكه عابر، أمّا جوهر كيانك الرّوحانيّ فسرمديّ خالد. ومن هنا، فلكي يكون الإنسانُ، عليه أن يتخلّى عن وهم الامتلاك المُشبِع لأنّ الإنسان، بكلّ بساطة، لا يمكن أن يمتلك شيئاً. إنّ حياتنا في جوهرها قائمة على العطاء بل إنّها عطاء، ألا يعطي كلّ منّا بعضا من حياته في كلّ لحظة يحياها، أليس الأكسجين قوام حياتنا حاملاً في تركيبته الأصليّة كلّ العناصر المؤكسدة الّتي تحلّل الجسد شيئا فشيئا؟ إنّ جوهر حياتنا هو أن نهب هذه الحياة الّتي وُهبت لنا من دون أن نطلبها ومن دون أن نطالب بها. إنّ هبة الحياة لنا هبة مجانيّة لا ينشد منها الواهب أيّ مصلحة، وهذا ما قد نجد عسراً في فهمه إذا ما لم نفهم أنّ جوهر الحياة هو العطاء. ففي هذا العطاء يتحقّق معنى الوجود البشريّ.
إنّ السّعادة هي في أن تتذكّر دوماً أنّ وجودك نعمة من نعم الله تعالى، وهذا الوجود الّذي يتجسّم ويتجدّد كلّ لحظة هو جوهر كيانك. أمّا الموضوعات الّتي تحصل عليها فهي على الرغم من قيمتها أعراض زائلة فانية. ألا يذكّرنا هذا بقول الله تعالى: «المال والبنون زينة الحياة الدّنيا والباقيات الصّالحات خير عند ربّك ثوابا وخير أملا» (الكهف، 46)؟. إنّ النّجاح هو زينة الحياة الدّنيا، أمّا السّعادة فمتّصلة بجوهر كياننا الّذي لا يزول.

اقرأ أيضا