الاتحاد

الملحق الثقافي

الشاعر سجيناً.. الشعر طليقاًً

الجمال الجوهريّ أسير المظاهر الخادعة وهو بحاجة إلى إطلاق سراحه (أرشيفية)

الجمال الجوهريّ أسير المظاهر الخادعة وهو بحاجة إلى إطلاق سراحه (أرشيفية)

كتابة - ماري جوزات لوهان
ترجمة - أحمد حميدة


يحتلّ موضوع الأسْر مكانة خطيرة في الأدب، سواء كان شهادة على تجربة معيشة، أم رمزاً للقدر الإنسانيّ، أواستعارة لما يحمله الإنسان في سرّه من حقائق باطنيّة أو جماليّة. وحتّى نتيقّن من ذلك، يكفي أن نستحضر أسماء مثل باسكال، بودلير، كامو أو مالرو، الذين كانوا جميعاً يرون في العالم سجناً رحيباً.. مدلهمّا.

نحن نعرف جيّداً هذه الخاطرة الشّهيرة لباسكال: «إنّ الإنسان ليرى نفسه تائهاً في هذه البقعة المجافية للطّبيعة، وإنّه من داخل الزّنزانة التي ينحشر داخلها – وأعني بذلك الكون – يحاول أن يتعلّم كيف يجلّ الأرض، وكيف يقدّر نفاسة ذاته حقّ قدرها. وما عساه يكون هذا الإنسان أكثر ممّا هو عليه حقيقة.. في رحاب المطلق؟».
ويتماهى بودلير مع رأي بسكال حين يفصح في إحدى قصائد «سويداء باريس» عن كون السجن هو:

«عندما تستحيل الأرض زنزانة صدئة ينخرها العفن،
ويتخبّط الأمل بين جدرانها الصّماء.. وسقوفها المتداعية،
كخفاش أعمى يضرب برأسه وجناحيه
في كهوف الظّلام المدلهمّة..»

وتنضاف لصورة السّجن تلك، التي هي صورة العالم، صورة البشر الذين يشبهون جحافل من المحكومين بالإعدام. وقدّ خصّص كامو فصلاً كاملًا من رواية «الطّاعون» لمأساة أولئك الأسارى بمدينة وهران الذين أبادهم الوباء وسحقهم موت شنيع، فيما أنّ أندريه مالرو، في خاتمة رواية «القدر الإنسانيّ»، مستلهما رأي بسكال، قدّم البشر على أنّهم كائنات منذورة للعذاب المميت، وأنّ كلّ منهم ينتظر دوره. وفي نفس المعنى كان بسكال قد كتب: «لنتخيّل للحظة، حشداً من النّاس مصفّدين في الأغلال، ومحكوم على جميعهم بالموت، فيُذبح بَعضُهم كلّ يوم على مرأى الآخرين، ويرى هؤلاء الآخرون قدرهم الشّخصيّ كقدر الذين قضوا، ولا خيار لهم غير ترقّب دورهم. أليس ذلك هو قدر الإنسان؟».
ويحدّثنا مالرو عن ثلاثة رجال، كانوا منذورين لموت فظيع في مرجل قاطرة، فقَبَل أحدهم التّضحية بنفسه، وأعطى لرفاقه حبوباً سامّة ومخلّصة ليجنّبهم عذاب الاحتراق. ويمكن أيضاً أن نذكر شكسبير الذي ينسِب إلى شخصيّاته، في المشهد الثاّني من الفصل الثّاني من «هاملت»، الرّدود التّالية:
«- ماذا فعلتم بثروتكم، يا أصدقائي الأعزّاء، حتّى يكون مالكم السّجن؟
- السّجن؟
- إنّ الدّانمارك.. لسجن.
- وكذلك هو العالم.
- إنّه سجن رحيب، به زنازين لا حصر لها فوق الأرض وتحت الأرض..
ويضيف هاملت بعد ذلك:
إنّه قد يُغْلقُ عليَّ داخل قِشر جوزٍ، لأرى نفسي ملكاً على فضاء لا نهائيّ».
ويعكس مثل هذا المقطع الأخير تضارب مفهوم الأسر، الذي عامّة ما يكون واقعاً تراجيديّا وكونيّا، ولكن.. وفي ذات الوقت، إمكانيّة مُفَارِقة لتأكيد فعاليّة الفكر، والحريّة المستكنّة في السرّ.

الأسر الشعري
إذا كانت هذه الأمثلة كافية لبيان مدى حضور موضوع الأسر في الأدب، فقد يحملُنا ذلك على التّساؤل عمّا إذا كانت لهذا الموضوع علاقة خاصّة بالشّعر، أو بالسرّ الكامن ما بين تجربة الأسر والإبداع الشّعريّ؟ لو تفكّرنا في مثل تلك العلاقة المفتَرضة، لتبيّنا بسرعة مدى أهمّيتها وانبثاثها وتعدّد أشكالها. بل إنّنا قد نذهب إلى حدّ إدّعاء أنّه عبر مَوشوُر الأسر، وعلى نطاق أوسع، أي على مستوى الحدود القصوى التي ينبغي تخطّيها أو اختراقها، قد يكون بالإمكان تلمّس جوانب أساسيّة في التمشّي الشّعريّ، في تشكُّله، في محدّداته، وفي الموجّهات التي ينفرد بها، أوفي الغايات التي يتشوّف إليها.
إنّ الحديث عن صوت شعريّ مأسور ينشد الانعتاق، لا يمكن أن يكون استقصائيّا وشاملًا، لذلك ارتأيت القيام ببعض الاختيارات المتاحة، ومنح امتياز خاصّ لبعض جوانب من تلك العلاقة المعقّدة والغامضة - ولكنّها لعلاقة أساسيّة - بين الشّعر والأسر.

المرارة.. قاسم مشترك
يبدو أنّ هذه العلاقة تلتئم بشكل طبيعيّ، وذلك حين نتأمّل الحالات الكثيرة لشعراء كابدوا الأسر، مثل: فرنسوا فيون، شارل دورليان، سيلفية بلّيكو، أوسكار وايلد، فرلين، أبّولنير، ماكس جاكوب، روبير دسنوس... ونعلم أيضا أنّه في زنزانة بغيضة بتوليدا، حيث مكث تسعة أشهر، نظم سان خوان دي لاكروث قصائده الأكثر روعة ومهابة: «ليل الرّوح المعتّم» و«نشيد الرّوح».
ولئن كانت الظّروف التي حكمت هذا الأسر مختلفة ومتنوّعة، فإنّ قاسما مشتركا ينتظمها جميعا، إذ في كلّ الحالات.. كانت التجربة المريرة للسّجن تُوضع على محكّ التّجربة الشّعريّة، أي أنّ الخطاب الشّعري فيها كان يخضع إلى ما يشبه اختبارا للحقيقة. فهل سيكون الجمال الذي يتوق إليه الشّعر ويطمح إلى إثباته في هذا العالم، قادراً على مواجهة ما يحمله كلّ ذلك من بلاء، بل من روع ورعب؟ هل أنّ بإمكانه الارتقاء إلى مستوى التحدّي.. في تلك الأماكن المظلمة المنذرة بالإحباط والقنوط؟ الحقيقة هو أنّ السّجن غالبا ما يكون بالنّسبة للشّاعر حيّزَ تحوّل وانبعاث، وعودة إلى الذّات، فيه يتمّ الانغماس في ما هو جوهريّ والانغمار في السرّ الباطن.. منبع الإبداع. هكذا كان الأمر مثلا بالنّسبة لفرلين، كما يستبين ذلك في قصيدته «السّماء فوق السّطح». وكذلك هو الأمر بالنّسبة لأبّولينير الذي احتجز بمستشفى للأمراض العقليّة بعد أن اتّهم زورا بالضّلوع في سرقة لوحة «الجوكندا». وقد يتحوّل السّجن في مثل هذه الحالات إلى بوتقة لخطاب متجدّد، كما لو أنّ انقباض الفضاء واسترخاء الفكر، يثيران في الشّاعر تفانيا كاملا لجوهر الفنّ، الذي يغدو مُستشعَرا لديه كسبيل وحيدة للتّعبير والانبعاث والخلاص. هكذا يبدو الشّاعر السّجين إذن، وكأنّه رمز نابض لقدر الشّعر ذاته في هذا العالم: شعر مأسور بالنّظر إلى الظّروف التّي حفّت وتحفّ به، ولكن أيضاً وبلا شكّ من حيث جوهره، فهو الكلمة المرغمة والمحاصرة من كلّ الجهات، ولكن بإمكانها أن تجد في تلك الحدود ذاتها محفّزاً لبحث قابل للتجدّد بلا انتهاء.

الأسر المجازي
على أن أشكال الأسر الشّعريّ.. متعدّدة، فقد تكون حقيقيّة وعضويّة كما بينّا ذلك، ويمكن أن تكون باطنيّة وميتافيزيقيّة، وبالإمكان أيضاً أن تكون ذات أبعاد جماليّة. وقد نستخلص من ذلك كلّه.. أنّ الكلمة المأسورة تنشد في كلّ الحالات قفزة تحرّريّة على المستوى السّياسي أوالجمالي، أوعلى الصّعيد الوجودي.
قد يتحدّد مستوى تحرّر الكلمة في مقام أوّل في المجال السّياسيّ، وهو في هذه الحالة كلمة محجورة، مذعنة للرّقابة ومُختَنَقة، ولكن بإمكانها، في انعدام حيلتها وتصاغرها، أن ترفع في وجه الأشكال المختلفة للقهر والطّغيان، طبيعتها المتعذّر إنقاصها وفرادتَها الثّابتة. ملجأُ ومعتصم السرّ، فهي تنبذ كلّ ما يعمل على محو الإنسان والدّوس على كرامته. وبإمكانها أن تفعل ذلك حين ترسل في وجه الكلمة المخادعة للدّعاية والأيديولوجيا صرخة ضمير حرّ، مثلما كان شعراء المقاومة خلال فترات احتجاز الأجساد والأفكار.. فترات الاحتلال. ولنذكر في هذا الخصوص قصيد غابريال أوديزيو «من فوق السّطح»، الذي قام فرلين بإعادة كتابته، والذي أشرنا إليه سابقا.
ويمكن للشّعر أن يضع أيضاً موضع الاتّهام، العالم البغيض الذي يتردّى فيه أسيرا. ونجد ذلك ماثلًا في ديوان نيلّي ساكس «خسوف قمريّ»، سليلة أسرة يهوديّة من برلين، حيث ولدت سنة 1891، كان على نيلّي ساكس أن تتحمّل فجيعة فقدانها لخطيبها في أحد المحتشدات النّازيّة، وفي ديوان «جوق اليتامى» ترسل ساكس صرخة مدوّية مستفهمة الجلاّدين، ومتسائلة عن إمكانية سحب أيّة كلمة أخرى من الصّمت، بعد تلك البلوى الفاجعة. والخطاب الشعريّ الذي تَستنْطقهُ أو تستذكره، يمكن أن يكون أيضا مفرّجا للسّجين أوالمبعد، طالما أنّ هذا الأخير يقيم بداخله ملجأ سريّا، يتفلّت فيه إحساسه من جلاّديه. والشّهادات في هذا الخصوص كثيرة، فيمكن أن نشير أيضاً إلى إلى جونفياف دي غول أنطونيوز، التي تُلمِح في «عبور ليليّ» إلى انفلاتات سريّة منحتها إيّاها بعض الكتب، وهي داخل محتشد رافنبُروكْ. كما يمكن أن نشير إلى ما كتبه ستيفان هيسّيل بصدد قصيد «الغراب» لأدغار آلان بو.
وما أقوله هنا.. قد يبدو مثاليّا، ولكنّني لم أسمح لنفسي بذكر كلّ ذلك إلاّ على أساس شهادات نابضة، لا يمكن أن توضع مصداقيّتها موضع السّؤال. وحتّى أبيّن بأكثر وضوح ما ينطوي عليه الخطاب الشّعريّ من تشبّث بالحياة وإصرار على الحريّة، سوف أشير إلى شاهدين ارتبط قدرهما بشكل وثيق بالخطاب الشّعريّ وبفواجع الزّمن الذي نعيش: جورج سنبران ومحمود درويش. لقد أبعِدَ الأوّل إلى محتشد بوخَنْوولدْ بتهمة انتماءه للمقاومة والفكر الشّيوعي، وكان قد تحدّث في «الكتابة أو الموت» عن مقتل أستاذه الأسبق بالسّوربون موريس هلبواخ، مبيّنا بأسلوب فاجع كيف أنّ الجمال، الذي يتجاوز فظاظة هذا العالم، يمكن أن ينغرس ويبرعم في الإنسانيّة الأكثر شموخا، ليكون أكثر رفعة من ذاك الذي يراد له أن يُمتهَن ويُدمّر ويقصى من المجموعة البشريّة.
وإنّها لتلك الحريّة الثّابتة للّشعر، وبالشّعر، هي التي كان محمود درويش قد أثارها في حوار على إذاعة «فرانس أنتار» بتاريخ 7 أكتوبر 2007. فحين سئل عن الواقع الفلسطينيّ الرّاهن، أكّد أنّه ينشد «تغيير اللّغة ورفعها إلى درجة من الصّفاء تجعلها في رقّة زهر اللّوز»، قبل أن يضيف أنّه «يطمح بالإبداع الشعريّ.. العبور إلى عالم يكون شفّافا يقف في وجه القبح بجميع أشكاله: إنّي لا أحمل بداخلي لغة القوّة أو العنف، وأرنو إلى أقصى ما يتعارض مع واقع ذلك العنف، أي أنّني أتشوّف إلى لغة تكون مختلفة نوعيّا، وتحمل في طيّاتها نفساً روحيّا. فلأنّي أرى جدار العزل والجيش ومراكز المراقبة، أريد أن أدرك عالما يكون شفّافا، يقف في وجه هذا الواقع وجلافته. إنّي أرفض أن يَفرِض عليّ المحتلّ لغة العنف التي هي لغته، وأقول للدبّابة: لقد أخفقت في انتهاب حميميّتي، فتفْقِد الدبّابة بعضا من سطوتها. فبإمكان الشّعر أن ينال من الدبّابة، ويجعلنا قادرين على الابتهاج لرؤية زهر اللّوز، وبهذا المعنى نثبت للمحتلّ أنّه لم يفلح، ولن يفلح، في النّيل من جذوة الرّوح فينا».
وتعطي هذه الأمثلة المختلفة ردّا على سؤال أدرنو: «هل لا يزال بالإمكان كتابة الشّعر بعد أوشويتز؟». يبدو أنّه لا يزال بالإمكان فعل ذلك، بل ينبغي أن نمعن في كتابة الشّعر، لأنّ كل ما تحمله روح الإنسان من طاقة إبداعيّة، ومن توق جامح إلى الحريّة، مآله الانتصار على الفكر الّذي غذّى أوشويتز. ولكن كيف للخطاب الشّعريّ أن تكون له مثل تلك السّطوة؟ لا شكّ بالعمل الذي يجريه هذا الخطاب على ذاته، وهو الذي يرفض أن يكون خطابا مُعقّما بالأعراف السّائدة، ويقاوم بلا هوادة قوى الجمود لحفظ اللّغة من التبدّد. فالخطاب الشّعري يعمل أيضا على الانعتاق من القيود اللّغويّة والجماليّة.
الشّاعر هو بلا شكّ ذلك الذي يتميّز دوما بوعيه الحادّ لحدود اللّغة وقصورها، وهو ذاك الّذي تسكنه رغبة محتدمة لمدّ تخومها، واستكشاف ما يستكنّ فيها من إمكانيّات، واستثمار ما ينطمر داخلها من ذخر وكنوز مخفيّة. وقد اشتدّ هذا الإحساس بشكل خاضّ في زمننا الرّاهن، وإنّا لنلمسه بشكل صريح في ما ذهب إليه إيف بونفوا في «الألواح المحدودبة»:

إيه ! أيّها الشّعر..
كم يطيب لي أن أسمّيك
أنت الذي ما عدتّ لتروق
للمتسكّعين في خرائب الكلمات
أعلم كم يزدريك وينكرك هؤلاء
أنت الذي غدوت في مخيّلتهم
لعبة تغزل السّراب والهباء
وتحمل وزر ما تضجّ به الكلمات
من لُمَعٍ غامضةٍ.. منكتمة.. خرساء

والحديث عن «خرائب الكلمات»، يفترض إثباتا لما يمكن اعتباره انحدارا وتشظّ للّغة، وتصدّعا لتناغمها، وضلالا للكلمة التي غدت أسيرة وتائهة في عالم يعمل على استرقاقها، لأنّ هذا العالم بات غافلا عن معناها والرّسالة التي تحملها. لا شكّ في أن بونفوا يلتقي هنا ب «الحدس المؤسّس» لمالارميه الذي اعتمد تمييزا شهيرا بين «اللّغة الجوهريّة» واللّغة المعيبة التي يسمّيها ب «التقرير العالمي». وعامّة ما تكون هذه الأخيرة لغة إخباريّة.. نفعيّة.. تداوليّة بالأساس، حبيسة الظّروف، مرتهنة للضّرورة، ومنذورة بعد ذلك للإمّحاء. فهي تنتمي إذن إلى عالم الأموات. أمّا «اللّغة الجوهريّة»، والتي في نظره هي الشّعر، فهي تكون على العكس من ذلك، متحرّرة من الاحتمال ومن الصّدفة، وكذلك من الضّرورة، حتّى تحقّق جوهرها المتمثّل في توليد الجمال، وبالتّالي الاستجابة لما يسمّيه «الحدس السّماوي ّ» في الإنسان، أي رغبتة في البقاء والانفلات من قبضة الفضاء، ومقاومة عوامل التّلاشي والفناء. إنّ اللغة الأسمى و«الكلمة الخالدة» أسيرة لغة مشوّهة، ودور الشّعر هو تحريرها وإفشاؤها.. كيما تكون طلقة ونقيّة.. خالصة.
«إنّ اللّغات النّاقصة أو المعيبة تفتقر لما هو متسامٍ، التّفكير فيها هو عبارة عن كتابة بلا تركيب ولا دندنة...». نلمس عند مالارميه ذلك الحلم بتحرير «الكلمة الخالدة»، المضمرة في اللّغة المعيبة، وذلك من داخل اللّغة ذاتها. وينبغي للشّعر أن يتوق لمثل تلك الغاية، لأنّ الشّعر «يكافئ»، أي أنّه يعوّض «نقائص اللّغة»، ولأنّه يقدّم بإمكانيّاته الخاصّة، الإيقاع والصّور والنّغميّة، أي ما لا يتيسّر للغة التّواصل المحض.. نقله. ونعثر على مثل تلك القناعة لدى شاعر قريب منّا.. يعدّ تلميذا لمالارميه، ألا وهو سان بول رُو:

إيه أيّتها اللّغة، أنت.. الإله الغريب..
إنّك لتسكنين الطّبيعة والإنسان الفاقد للشّعور، الذي
متى أطللت، أحطّك إلى مرتبة الكلام
أوالنّشاز، كيما يصيّرك شيئا ما تافها أومدنّسا

إنّه يدين إذن، مثل مالارميه، ما آل إليه حال اللّغة الأصيلة من حجز وفساد. ولكن.. كيف للأدوات الخاصّة المتاحة للشّعر أن تمنحه القدرة على الانعتاق؟ وما هي ترى الصّفات المميّزة التي تجعله، في قلب المواقف الأكثر تعقيدا وإحباطا، يسمح بانفساح الأفاق، ومحو أو ربّما التّخفيف من الأسر الدّاخليّ؟ ثمّ..كيف للشّعر أن يكون سبيلا للتحرّر؟
لنتحدّث أوّلا عن الاعتراضات التي قد نواجهها، وهي اعتراضات ليس بإمكاننا دحضها أوالاسخفاف بها. أوّلا: أنّ إرادة التحرّر تلك، ليست في كلّ الحالات ناجعة، ولا تكون دوما متوّجة بالنّجاح، ثمّ إنّه ثمّة من السّجون الباطنيّة ما يُبدي مقاومة عنيدة، وذلك رغم شدّة التّوق إلى الحريّة. والحال أنّ الشّعر لا يمكن اعتباره البتّة عمليّة سحريّة، أو لعبةُ مُخادعة، أو شيئا ما يشبه المخدّر المريح، أو وصفة صائبة ومعصومة. ولنفكّر في قدر نرفال وأرتو وبول سيلان وآخرين كثر، كان الانعتاق بالنّسبة لهم مؤقّتا وعابرا، وبالتّالي محبطا ومخيّبا للآمال. وقد يعارضنا البعض الاخر متذرّعا بأنّ التّقليد الشّعريّ يمعن في أسر الكلمة الحرّة في قواعد وتصانيف وأعراف، غير أنّ تلك «السّلاسل الرّائعة» على حدّ تعبير بول فاليري، تمكّنه أيضا من الإفصاح واستخدامٍ أقصى لكلّ إمكاناته. وتاريخ الأدب ينبئنا أنّ أعظم الشّعراء كانوا قد تمرّدوا على مثل تلك القيود. (ولنفكّر مثلا في قصيد «المركب النّشوان» لرمبو، الذي كان يتوق فيه الشّاعر إلى شعريّة التّيه، والحريّة المنفلتة، حتّى وإن أدّى ذلك إلى حالة إرباك وهياج يصل حدّ التّدمير الذّاتيّ)، وإن كانوا لا يلقون بها جانبا بصورة تامّة، مقرّون بأنّها لا تشكّل حجزا بقدر ما تكون تزهّدا وإذعانا ضروريّا للقواعد الملازمة للوظيفة الشّعريّة كما يعرّفها جاكوبسون. إنّهم يحاولون حينئذ بإدغامها وتجاوزها – دون إنكارها – تجديد اللّغة.
وفي «كتابة تخطيطيّة» يقول لنا أبّولينير أنّ الإنسان يبحث عن لغة جديدة لا يمكن لأيّ نحويّ أن يقول بصددها أيّما شيء، وفي مقدّمة (عيون إلزا) أشار أراغون إلى أنّ الشّعر لا يوجد إلاّ بفضل خلق للّغة يكون متجدّدا على الدّوام، وينتهي إلى كسر بنى اللّغة والقواعد النّحويّة ونظام الخطاب. إنّا لنلتقي إذن في قلب الممارسة الشّعريّة ذاتها، جدليّة النّظام والمغامرة، الخضوع والتمرّد، الانتقال من المغلق إلى المنفتح، ومن الأسر المُتقبَّلِ طواعيّة إلى التّوق الجموح إلى الحريّة. وفي (القافية والحياة)، يؤّكد هنري ميشونيك أنّ «الشّعر يستمدّ الحياة من كلّ الأشياء»، و»أنّه ذلك الأسلوب من الحياة الذي يصنَع من كلّ الأشياء لغة، وهو لا يلامسنا إلاّ متى غدت اللّغة ذاتها شكلا من أشكال الحياة، إنّه إنصات ويقظة تخترقنا، والإيقاع الذي لا نعرفه ويَعرِفُنا، إنّه تأسيس داخل اللّغة لما كان يعتبر دائما متفلّتا عن اللّغة، أي الحياة ونبضُ ما ليس بوسع أيّة كلمة تسميته أوالبوح به»، إنّ الإيقاع الذي تكتشفه اللّغة وترجعه بإمكانه حينئذ الإفراج عن إيقاع داخليّ، يجعل الشّاعر يظفر بتناغم خالص، بين ما يتوق إليه، والخطاب الذي ينخرط فيه، وما كان غامضا أو مضمرا أو منكبتا سوف يتجسّد حينئذ في ذلك الإيقاع، فيفرج الشّعر عندئذ عمّا كان مستكنّا بسرّ الشّاعر، وظلّ على قيد الأسر بداخله.
ويذهب ستيفان هيسّال إلى حدّ التّأكيد على البُعد المخلّص والتّدميري للشّعر، لأنّ الشّعر يشيد قواعده الخاصّة، ويقيم لغته داخل اللّغة، لغة تغدو فضاء لحريّة باطنيّة محفوظة من إكراهات النّظام القسريّ السّائد.
والصّورة التي تعدّ عنصرا أساسيّا في الخطاب الشّعريّ، هي الأخرى أداة تحرّر ذات سطوة وتأثير بالغ، كما تشير إلى ذلك تحاليل غاستون باشلار.. قائد جوق الخيال المتملّص والمبدع، وقد كتب هذا الأخير في مقدّمة (الهواء والأحلام): «نحن نريد من الخيال أن يكون دائما ملكَة لتشكيل الصّور، في حين أنّه، على العكس من ذلك، ملكةٌ لتشويه الصّور الأوّليّة التي يستوعبها الإدراك الحسّي. وإذا لم يكن ثمّة تغيّر للصّور، واقتران غير متوقّع لها، فلا خيال، ولا فعل تخيّل (...). إنّ قيمة أيّ صورة يقاس بمدى إشعاع هالتها التّخييليّة. فبفضل المتخيّل.. يكون الخيال منفتح ومتملّص، إنّه يندغم في الاختبار ذاته.. للانفتاح».
ومن بين الصّور الشّعريّة المختلفة، تكون الاستعارة بلا شكّ وحدها هي التي تستجيب على نحو أفضل لتوق الإنسان إلى مثل ذلك التحرّر. ويؤكّد رونيه شار على دورها المخلّص، إذ هي تفتح الفكر على آفاق مدهشة، وتقوم بحبك علاقات متجدّدة، والتّمييز بين المتشابهات، والانفلات من أسر فِكْرٍ، يكون بشكل وثيق.. نفعيّا وعقلانيّا.
هذا جانب تكوينيّ آخر للشّعر يمكن أن يكون سبيلا للتّجاوز والتّسامي على واقع الأسر الذي هو في الحقيقة وضعنا الأصليّ، والذي نقضّي كامل حياتنا في مواجهته عبر التعلّم وكسب المعارف (فنحن مأسورون بحاجاتنا الأساسيّة، بنزواتنا، بمساحة الجهل فينا، بأحكامنا السّبقيّة.. بأوهامنا...). والغنائيّة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بصوت الشّعر، هي أيضا تجاوز للسّجن وللفردانيّة. إن الغنائيّة الأصيلة ليست كما يعتقد البعض، تعبير متملّق للأنا النّرجسيّة، وإنّما هي انفتاح على الآخر عبر التّجربة الذّاتيّة، وعبور من الإنسان المفكّر إلى مثيله كما يقول ميشال مولبوا، مستعيرا بذلك التّمييز الذي أثبته بول ريكور. وأعتقد أنّه بإمكاننا القول أنّ رغبة التحرّر، التي تتحقّق بمدّ حدود الكائن وإفشاء الكلمة، لصيقة وملازمة لحركة الإبداع الشّعريّ ذاته.

الشعر.. مخلّصاً
إنّ الشّاعر المعاصر هنري بوشوالذي كان شاعر وعالما نفسانيّا، في ديوان رائع له بعنوان «محظوظون هم المهترون»، يرى أنّه في الشّعر كما في علم النّفس، تكمن طاقة بالغة من الهذيان تساعد على التحرّر ممّا يستكّن في الباطن. وفي هذا الدّيوان يعطي الكلمة للقصيد:
أسير إنسانٍ وزمنٍ
منطويا في لغتي وشبكة صوري،
أنا لك مثل هذه السّماء
هكذا قال القصيد

أن يُشبَّه القصيد بالسّماء أي بالشّعر اللاّمتناهي، من قبل شاعر لاأدريٍّ، يمنحني فرصة العبور الطّبيعي إلى النّقطة الأخيرة من مبحثنا هذا، أي الخطاب الشّعريّ المخلّص على المستويين الوجودي والميتافيزيقي.
لا شكّ أنّه ليس من قبيل الصّدفة أن يكون بول كلودال قد ختم كتابه (حذاء حريريّ) بهذه الصّرخة: «لتُعتَق هذه الأرواح الحبيسة». وكان ذلك هو موضوع مجمل أعماله، وبلا شكّ.. موضوع كلّ خطاب شعريّ، لأنّ هذا الخطاب يظلّ لغة التّخوم، لغة تحاول تجاوز اللاّتواصل بين السّرائر، وتحريرِ وتجسيدِ ما قد يظلّ في غياب الشّعر.. مبهما وعصيّا على الوصف والإدراك.

فالشّعر يتوق بالفعل إلى استكشاف ما لا يوصف، ويحاول ترجمة الأحاسيس الأكثر انخطا فا، والتجربة الحميمة للحضور في العالم، أي لحظات الامتلاء، التي تبدو وكأنّها نعمة غامضة وتجلٍّ للمقدّس. وهذا ما كان أشار إليه بودلير: «في بعض الحالات النّفسيّة التي تكون غامضة، يتجلّى عمق الحياة بأكملها في المشهد.. تحت أعيننا، ومهما كان ذلك المشهد مألوفا، فإنّه يصبح رمزا لها»، وهذا ما يلمح إليه مثلا قصيد لفيليب جاكوتّيه، حيث يفتح صوت رقرقة مياه جدول، الباب خارج أسر المظاهر، ولكن بالنّسبة لذاك الذي يعرف كيف يكون متيقّظا:

المعزف النّحاسيّ لشجرة الدّردار
أومض طويلا وسط الثّلج.

وحين نرحل
لملاقاة الغيوم،
يتهادى إلينا صوت الجدول
تحت فِرائهِ الذي قدّ من ضباب.

لتَصمُتْ: ما كنت تريد قوله
قد يكْتُم صوته،
حسبُك الإنصات: لقد شرّع الباب.

إنّها تلك اللّحظات النّادرة من الرّواء، التي يتغافل عنها الكثيرون، أو بها يستخفّون، هي التي يحاول الشّاعر القبض عليها، التّمديد فيها ومقاسمتها. ففي (خيمياء الكلمة) يعتبر رامبو أنّ المطمح الأسمى للشّعر هو التّعبير عن إحساس بالخلاص، ولولا الشّعر، لما كان له من حقّ آخر في الوجود غير إلتزام الصّمت: «كنت أكتب.. وأنا أسجّل ما لا يوصف».
ومثل ذلك الطّموح هو بلا شكّ المهمّة الأكثر إلحاحا للشّعر، لأنّ الشّعر يتوق إلى منح قدر من التّناغم الاتساق والرّنين، لذلك «العالم القصيّ المنطمر في الباطن» الذي يتحدّث عنه هنري ميشو، عالم يشكّل فرادة كلّ كائن بشريّ، والذي قد يظلّ بصورة دائمة أسير ما يندّ عن الوصف.
ومثل هذا التّوق هو بلا شكّ أفضل السّبل للانفلات ممّا يدعوه أرمان روبان (الكلمة الزّائفة)، والتي سجّل استشراءها الفاجع خلال سنوات ما بعد الحرب. ونحن نعلم أنّه حين أنصت هذا الأخير إلى ما تبثّه المحطّات الإذاعيّة، أدرك الخطر المتمثّل في التّلاعب باللغة وبالعقول، ومن قلب ذلك الإحساس أطلق صيحته: «أيّتها الأذان الصمّاء، إنّي لأنصت من وراء هدير الكلام، إلى القتل الأخرس للكلمة». وأختم بسؤال لإيف بونفوا يتصالح فيه القبول بالحدود مع الحريّة المنظورة: «ألا يكون المكان الآخر الذي نتوق إليه ماثلا في الجمال المتجاهَلِ للعالم الذي يأوينا؟». ويُسِرّ لنا الشّعر أنّ هذا الجمال الجوهريّ هو الآخر أسير المظاهر الخادعة، وأنّنا بحاجة إلى إطلاق سراحه وإنعاشه وبثّ الحياة فيه من جديد.

الكلمة الحرّة
قد يتحدّد مستوى تحرّر الكلمة في مقام أوّل في المجال السّيــاسيّ، وهو في هذه الحالة كلمة محجورة، مذعنة للرّقابة ومُختَـنَـقة، ولكن بإمكانها، في انعدام حيلتها وتصاغرها، أن ترفع في وجه الأشكال المختلفة للقهر والطّغيان، طبيعتها المتعذّر إنقاصها وفرادتَها الثّابتة. ملجأُ ومعتصم السرّ، فهي تنبذ كلّ ما يعمل على محو الإنسان والدّوس على كرامته. وبإمكانها أن تفعل ذلك حين ترسل في وجه الكلمة المخادعة للدّعاية والأيديولوجيا صرخة ضمير حرّ، مثلما كان شعراء المقاومة خلال فتـــرات احتجاز الأجساد والأفكار.. فترات الاحتلال.


اقرأ أيضا