نوف الموسى (دبي)

تتجه أنظار العالم اليوم إلى الجسد، مرةً أخرى، لإدراك تلك العلاقة البديعة بين كل ما يحدث في العالم، وبين القوة التي تمتلكها دواخلنا للتأثير في هذه العوالم اللانهائية، وفتح أفق واحتمالات جديدة، قد تغيرنا للأبد، وتنقلنا إلى مستوى أعلى من الوعي بذواتنا.
كتاب «جسد لا يشيخ عقلٌ يتخطى الزمن ـ البديل الكمي للشيخوخة»، للدكتور ديباك شوبرا، (صدرت ترجمته العربية عن دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع بتوقيع منذر محمود صالح)، يُقدم للقراء فضاء لإعادة النظر في طبيعة تفكير الفرد حول الصحة البدنية واتصالها العميق بالصحة العقلية، من خلال بحثه في عدة محاور تتصدرها الفلسفة وعلم الأحياء والعلوم الكمية والحكمة القديمة، واللافت في الكتاب ما صرح به الكاتب ديباك شوبرا أن «أروع ما في الشيخوخة أن أحداً لم يستطع أن يثبت أنها ضرورية»، مقدماً بذلك امتداداً لأبعاد أثر الفلسفة الهندية القديمة في تشكيل الوعي، عبر إيمانها بأن «الناس يشيخون ويموتون لأنهم يرون أشخاصاً آخرين يشيخون ويموتون»، فالفكرة بالنسبة لديباك مهما بدت بساطتها، فإنها بمثابة ثورة جريئة، قادمة من التعليم الأساسي في الهند القديمة التي تمحورت حول أن الوعي يأتي أولاً.

الوعي بالكينونة
يقول شوبرا: «انبثقت عملية الخلق برمتها من رحم الوعي المطلق أو الكينونة الصرفة. هناك ثلاثة مستويات لعملية الخلق: عالم الأشياء المرئية، وعالم الأشياء اللطيفة، وعالم الأشياء غير المرئية. عالم الأشياء المرئية سهل تبينه؛ الصخور والأشجار والغيوم والنجوم. حواسنا الخمس معدةٌ لمخر عباب العالم الأول هذا. عالم الأشياء اللطيفة كذلك، ليس بعيد المنال: الانفعالات والأفكار والأمنيات والأحلام والمخاوف. عقولنا مهيأة لتمخر عباب هذا العالم الثاني أيضاً. لكن الخاصية الحقيقية التي امتاز بها العارفون الفيداويون القدامى تجلت أكثر ما تجلت، في العالم غير المرئي حيث لا يقبع فيه سوى الوعي، ولا يميز الوعي سوى نفسه»، يضيف ديباك في هذا العالم «يتم زراعة بذور الخلق، وفيه يقبع الحب والحقيقة والجمال والحكمة والسلام الذي يتجاوز الفهم. على الرغم من أنه غير مرئي، إلا أن هذا العالم الثالث يتمتع بطاقة مطلقة».

تحدي جوهر الشيخوخة
يشير ديباك شوبرا إلى أنه لكي يتم تحدي الشيخوخة في جوهرها، يجب تغير المشهد الكوني برمته أولاً، لأنه لا شيء يتحكم بالجسد أكثر من المعتقدات التي تنضح عن العقل. واضعاً نحو 10 فرضيات جديدة، توفر لنا مزيداً من الحرية والقوة، مبيناً أنها ستلعب دوراً جوهرياً في إعادة صياغة برنامج الشيخوخة الذي يقوم الآن بتوجيه خلايانا، أولاً: العالم المادي، بما في ذلك أجسادنا، هو عبارة عن انعكاس لما يراه المراقب، نحن نكوِّنُ أجسادنا في الوقت الذي نكوِّن تجربتنا عن العالم. ثانياً: أجسادنا تتكون من الطاقة والمعلومات، وليس من أية مادة صلبة. ثالثاً: العقل والجسد هما كلٌّ لا ينفصم. فالوحدة التي هي «أنا» تنقسم إلى مجريين من التجارب. أخوض أنا تجربة المجرى الذاتي على شكل أفكار ومشاعر ورغائب. وأخوض في الوقت عينه المجرى الموضوعي على هيئة جسد.
ورابعاً: كيمياء الجسد الحيوية هي نتاج الوعي، فالمعتقدات والأفكار والانفعالات تخلق ردات الفعل الكيميائية التي تدفع بالحياة إلى كل خلية من خلايانا. خلية الشيخوخة هي النتاج النهائي للوعي الذي نسي كيف يبقى جديداً أو شاباً. خامساً: الإدراك الحسي ظاهرة طبيعية ومتطورة، لو حدث وغيرت إدراكك الحسي هذا، فإنك بذلك تغير تجربة جسدك وكذلك عالمك، سادساً: نبضات الذكاء لديك تعيد تشكيل جسدك بأشكال وصيغ جديدة مع كل ثانية تمر بك. سابعاً: على الرغم من أن كل شخص منا يبدو كياناً منفصلاً ومستقلاً عن الآخرين، فإننا جميعاً مشدودون إلى نماذج من الذكاء الذي يتحكم بالكون برمته. أجسادنا ما هي إلا أجزاء من جسد كوني، وعقولنا ما هي إلا مظهر من مظاهر العقل الكوني، ثامناً: الزمن لا يوجد بصفته ظاهرة مطلقة؛ بل هو الأبدية وحسب. الزمن هو أبدية كمية. تاسعاً: كل واحد منا يقبع في واقع يقع خارج إطار التغير أو التحول. يتوضع في أعمق أعماقنا مما لا تدركه حواسنا الخمس، أسُّ الكينونة وجوهرها، إنه حقل «الثابت» الذي لا يعترف بالتحول، وهو الذي يكون الشخصية والأنا والجسد. والفرضية العاشرة: نحن لسنا ضحايا الشيخوخة والمرض والموت. إنها جزء من المشهدية، لا من الشاهد المتنبئ المعصوم عن أي شكل من أشكال التغير. هذا الشاهد المتنبئ ما هو في حقيقة الأمر سوى الروح التي تعبر عن الكينونة الأبدية.