صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أخادير بلقيس وفارسة ذي قار

تتسع المساحات الدلالية للخيمة وقابليتها المرنة للاستعادة إبداعياً وأيديولوجياً ورمزياً (أرشيفية)

تتسع المساحات الدلالية للخيمة وقابليتها المرنة للاستعادة إبداعياً وأيديولوجياً ورمزياً (أرشيفية)

لينا أبو بكر

القبر برزخ القيامة، ولذلك لن أتفق مع أدونيس حين جزم أن لا مأوى في الكتب!
للقبور قوة غامضة تشبه الطاقة المظلمة، التي ينبثق منها الكون، وبها يزول.... القبور ملعب الأرواح، التي تنثال كغمامات حارة، وأحياناً أخرى، كعناقيد المجرات.
هناك، في وادي الملوك، حروف سرية، تفتح بها دولاب التابوت، لتقرأ كتاب الموتى، فتخبئ رئتيك وقناعك الجنائزي «وجهك» وتعاليم الخلود، في صندوق الشطرنج، ثم تجدف نحو خباء نفرتيتي الموميائي... فأهلاً بك، في أخادير النساء!

شقشقة الروح
عندما أموت سآخذ معي أحلامي التي صحوت من مناماتها قبل أن أتمها، لأكملها هناك، في خدر الغيب... سآخذ معي ديوان شعر لمحمود درويش، لغة لوركا، قلم روج لسلفيا بلاث، وأسطوانة قديمة لعبد المجيد عبد الله، وعندلات فيروزية، أشبه بدعاءات أمي قبل شقشقة الروح في برعم الفجر.. صوراً لملائكتي، هاتفاً نقالاً.. وقهوة وأقلاماً وأسراراً لم أخبر بها أحداً، غير ربي!
سأفتح شقاً صغيراً في قبري ليعبر منه هواء القمر وخيط الصباح الحيي قبل البياض، وأطلب من أمي أن تزرع لي نخلة صغيرة، هي اسمي، وتكتب على شاهد لغتي الأخير رسالتي الأولى.


مَحْرَم بلقيس
الارتباط بين الخيمة وربة البيت، يفطر القلب، لأن من عادات البدو تنكيس الخيام حين ترحل رباتها إلى الماوراء، في تعبير رمزي عن انتماء حِرَفي ووجودي للنساء، يتجسد بمهارة حياكة النول، الذي يتحول مع لعبة الأصابع والخيوط إلى سقف يحمل الأفق.. ووطن جذره ثابت وفرعه الروحي، في السماء..
قد تتخذ العلاقة بين المرأة والخيمة بعداً دينياً بحتاً، فالبناء كفلسفة لم ينبع من ممارسة روتينية تتطور بفعل تنامي القدرات واستحداث الأدوات وتنوع الحاجات، بقدر ما هو تلبية لإلحاح فطري، بتقديس البيوت ليس كمكان للسكن فقط بل للعبادة، وإن عدت إلى (محرم بلقيس)، لوجدت أنه المعبد الرئيس لإله الدولة، الإله «المقة» الذي عرف بإله القمر عند السبئيين، فكيف تنسجم فكرة القدسية والبناء مع المرأة ككينونة عظمى، وتتحد في آن مع الثقافة البكر للمجتمع البدوي، أو ما يمكنك أن تسميه ممالك الخيام.
إنها اللغة، فبعض علماء اللغة وجدوا رابطاً لغوياً بين بلقيس والمقة في اللغات القديمة، وهم وإن اختلفوا مع علماء آخرين في هذا التأويل اللغوي للكلمة، فإنهم التقوا جميعاً عند نهم المخيال الشعبي والميثولوجيات التراثية التي لعبت على وتر الألوهية، فصبغت الشخصية بطابع مقدس استوجب إحاطته بهالة بيتوتية ترقى إلى مرتبة المعبد أو المحرم طالما أن الملكة ابنة السماء، حسب اعتقاداتهم آنذاك..
تلتقي هذه التصورات مع ذهنية الأعراف البدوية، التي تضفي على المخادع النسائية طابع القداسة.. وهي وإن تعصرنت في هيكلها البنائي، فإنها ظلت متشبثة بأصولها البلقيسية، التي أبقتها مصونة داخل هذا الإطار المخدعي، في تجلياته العقائدية وثقافته الأخلاقية.

خيمة الفردوس
عرج على معمودية «القديس يوحنا» أو ما يسمى معمودية فلورنسا في إيطاليا، بمواصفاتها الكاتدرائية المستلهمة من الطراز الروماني للكنائس الكاثوليكية التي شيدت بين القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ستعثر على خيمة عربية هي بوابتها الشرقية التي برع بلوحاتها الفنان الإيطالي «لورنزو جيبيرتي»، وأطلق عليها مايكل أنجلو «بوابات الجنة».. والتي تضم في أجزائها العشرة لقطات متخيلة من قصص الأنبياء، تبدأ بآدم وحواء وتنتهي بلقاء النبي سليمان وبلقيس ملكة سبأ، وقد استغرقت من (جبيرتي) أكثر من سبعة وعشرين عاماً..
المعمودية خيمة بقبة فسيفسائية، وبوابات برونزية تتبدى للعيان نفحة ذهبية مستوحاة من رمال الصحارى العربية التي ضمت بين طياتها كل أبطال البوابة الفردوسية.. مما يوحي إليك بأنها خيمة السماء ومخدع الآلهة..
بلمحة مخاتلة، تنقلك المشاهد الفردوسية إلى عرش بلقيس، وما له من أبعاد سياسية، تستوحي من الخيمة ديوانيتها ومجالس عشائرها في السلم والحرب، لتتأمل اتساع المساحات الدلالية للخيمة عبر العصور، وقابليتها المرنة للاستعادة إبداعياً، وأيديولوجياً، ورمزياً. هنا فقط يمكن لها أن تكون وطناً للصحراء، بحيث يصبح الانتماء بينهما مُرَكّباً، لا تحكمه الطبائع الجغرافية، ولا الأنظمة الاجتماعية، بقدر ما تُغوى به المخيلات الفالتة من زمام اللجام الثقافي.. والتحيز العرقي للأنماط العمرانية.

خدر هند
حين تتذكر هند بنت النعمان، فارسة (ذي قار)، تحن إلى مُعتكف الدير.. فخيمة العزلة، هي الصحراء.. والصحراء دير كبير يتسع لأحزان النساء، وصلواتهن السرية بعيداً عن أعين الفرس وأطماع الغزاة.. ولكن؟ هل كان الحزن وحده يكفي لكي تختار بنت النعمان مصير وحدتها واعتزالها؟ أم أن الاستعداد النفسي للعزلة كان مهيئاً وجاهزاً لتلقي صدمة قتل أبيها النعمان «ملك الحيرة» هرساً تحت أقدام الفيلة في فارس؟
الخيار الأصعب لم يكن بين الزهد والبذخ، فلكبريائها ما يغنيها عن هذه الاختيارات المتوازية، بين النقائض، إنما هي كرامة الحزن، وحكمته، فأن تمتلئ بأسبابه وغواياته وارتقاء عقله على العقل الجمعي، فهذا يعني أن ما يُحزن الآخرين ليس هو ذاته ما يحزنك، ما دامت أحزانهم قابلة للتبدد بفعل البهجات الحياتية المعتادة، ونعمة النسيان، والانخراط بمشاغل ومسؤوليات وملاهٍ لاهية، وهنا يكمن الفرق، فحزن هند هاجسها الذي تتعلق به ويتعلق بها، وهذا مبعث البهجة لها، طالما أن التنازل عنه يعني اختلال اليقين بالذاكرة.. والوجود، وهذا لا يعني خيانتها للعدم، على العكس تماماً، فتقويمها التأملي يبدأ من الساعة صفر، ثم يخترق الأبد، فالتاً من عقال الزمن، لكنه ثابت بإحكام وإصرار في مخيمه «الدير»!
هذا الخدر، لي، فأنا هند.. بشكل أو بآخر، علينا أن نعترف أن التوارد بالإحساس بين لغتين، حقيقة تاريخية قبل أن تكون اكتشافاً علمياً، فأوجاع التاريخ أصدق بكثير من عبقرية العلم، لأن الوجع هو العقل الأقوى للمعرفة.
وعلى طريقة إليوت لم تكن هند لتتمنى أن تتمنى، مغادرة خدرها ذاك، فذاكرتها في وطنها «الحيرة» وحدها كفيلة بمد جسر من الأحلام يسمح بعبور الشفق بين الحياة والموت، كما رأى إليوت، ولكن هذه المرة على طريقتها، لأنه بين الاستعادة والفقد يغدو العبور إلى العدم هو الجسر الممتد بين شفقين من دم، لأن عالمها يلتقي مع عالم سلفيا بلاث حيث: العالم هو الحلم السيئ.

خيمة اللغة
بين بلقيس وفارسة ذي قار، أخادير بدوية، تفتح شهية اللغة لتأمل مخادع الغواية وديار المحبوبة والطلليات الشعرية ورسومات المستشرقين الغربيين، ثم إعادة الاعتبار للخيمة ليس كوطن بديل، أو فندق للشتات، إنما كملاذ مخيمي، وثكنة نضالية، وكوكب دري.
يبقى أن نجدد البيعة للغة، كونها خيمة الأزل، ووتد الأبد، وما بينهما أخادير شفافة، تشف عما تستشرفه دون أن تصفه، وتستحضر غُيّاَبَهُ دون أن تُحرّم غربته.. اللغة خيمة المصير، ومظلة الملائكة.. اللغة برقع الفتنة وشال العفة.. اللغة دير الآلهة وخدر النساء.. فديتك أيتها اللغة!

تنكيس رمزيّ
الارتباط بين الخيمة وربة البيت، يفطر القلب، لأن من عادات البدو تنكيس الخيام حين ترحل رباتها إلى الماوراء، في تعبير رمزي عن انتماء حِرَفي ووجودي للنساء، يتجسد بمهارة حياكة النول، الذي يتحول مع لعبة الأصابع والخيوط إلى سقف يحمل الأفق، ووطن جذره ثابت وفرعه الروحي، في السماء.