الاتحاد

الإمارات

النمو الاقتصادي وحده لا يكفي

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

عرض: وائل بدران

في كتابه الجديد «العمود الثالث: كيف تخلت الأسواق والحكومات عن المجتمع»، يعيد الخبير الاقتصادي الهندي «راغورام راجان» التفكير بصورة جذرية في سبب نجاح الأنظمة الديمقراطية الرأسمالية في الماضي، وسبب تراجع الإجماع عليها في الوقت الراهن، وظهور الحركات الشعبوية في عدد من دول العالم.
وبصفته خبيراً مصرفياً سابقاً، يولي «راجان» اهتماماً خاصاً بدور المجتمع في أسواق المال وفي الاقتصاد بشكل عام، ويذهب إلى حد الدفاع عن محظورات قائمة منذ وقت طويل مثل الفوائد المصرفية.
ويرصد «راجان» الانفعالات والعواطف التي بدأت تظهر مع التحول من المجتمع المحلي إلى ظهور القومية، بينما أضحى نظام الدولة يلبي بعض الاحتياجات التي لم يعد الجيران يلبونها. ويزعم أن بعضاً من أشد المخاوف الاقتصادية والسياسية الملحة راهناً في أرجاء العالم، بما في ذلك نهوض الشعبوية والتباينات الشديدة في الدخل، تعكس التغيرات التكنولوجية التي تمخضت عن عدم توازن في الأعمدة الثلاثة التي يرتكز عليها المجتمع.
وهذه الأعمدة التي تحافظ على تماسك المجتمع: هي العمود السياسي، المتمثل في الحكومة، والعمود الاقتصادي، المتمثل في الأسواق، والعمود الاجتماعي، المتمثل في عموم الشعب. وعندما تقوى ركيزتان على حساب الثالثة، يُحدث ذلك خللاً، وعندئذٍ لابد من إصلاح هذا الخلل.
على مرّ التاريخ وقعت أحداث جسيمة مزعزعة للاستقرار، وأحدثت خللاً في التوازن، إما بسبب كارثة مأساوية، مثل الطاعون الأسود الذي فتك بنحو ثلث سكان أوروبا، أو بسبب التقدم التكنولوجي أو العلمي، مثل الثورة الصناعية. ويزعم المؤلف الذي شغل أيضاً منصباً كبيراً بين الخبراء الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، أننا نخوض الآن شيئاً مماثلاً، هي ثورة تكنولوجية، تمنح قوة هائلة للأسواق وكذلك الحكومات لكن على حساب العمود الثالث ألا وهو: الشعوب والمجتمعات.
ويرى «راجان»، المحافظ السابق للبنك المركزي الهندي، أن هذا الخلل يدفع الناس مرة أخرى إلى المفهوم التاريخي، فالناس يلتفون حول بعضهم بعضاً مرة أخرى من أجل بذل جهود محلية، سواء أكان إنشاء مدرسة قوية، أو رعاية الفقراء والمساكين في المنطقة المحلية، بل وربما الحد من الجريمة والحفاظ على الأطفال، أضف إلى ذلك بناء تكتل من المشاركة الديمقراطية!
وفي حين أن المجتمع الافتراضي، أو الدولة بالمعنى النظري، يضطلع ببعض من هذه المهام، لكن ليس هناك في الحقيقة بديل للمجتمع المحلي، بحسب المؤلف، الذي يلفت إلى أنه لا يدعو للعزوف عن الأنماط المختلفة من المجتمعات، لكنه يرغب في التأكيد على أن الطبيعة الملموسة للمجتمعات المحلية لا تزال موجودة ولم تتلاشَ.
ويُشخص المؤلف المشكلة في الوسيلة الأساسية التي تحاول الحكومات من خلالها تقديم سياسات أفضل للشعب، وهذه الوسيلة هي «المجتمع»، موضحاً أن الأمر لا يتعلق بالأسواق ولا بالحكومات. ويقول: «دائماً نتجادل بشأن الحكومات في مقابل الأسواق، وخفض الضرائب في مقابل زيادتها، وتقليص التشريعات في مقابل تشديدها»، مضيفاً: «على رغم من أن جلّ هذه الأمور لها أهمية كبيرة، لكنها لا تشغل محور اهتمام المواطن العادي، وما يشغله هو وصول الخدمات والأنشطة الاقتصادية إلى الأماكن التي بدأت تختفي فيها». ويزعم أنه بمجرد التفكير في الأمر بهذه الطريقة، ستبدأ الحلول في الظهور في أنحاء المجتمع.
ويدعو «راجان» إلى ما يصفه بـ«محلية استيعابية»، والتي يقصد بها «تمكين الشعب»، قائلاً: «نحتاج بالدفع مرة أخرى بعملية اتخاذ القرارات إلى المجتمع، فبينما أصبحت الأسواق أكثر تكاملاً، والحكم أكثر مركزية، انتقلت عملية اتخاذ القرار على مرّ السنين من المستوى المحلي إلى مستوى الولاية فالمستوى القومي ثم إلى المستوى الدولي». وأضاف: «لابد أن تعود بحيث يصبح لدى الناس شعوراً أكبر بالسيطرة على حياتهم».

مخاطر الإقصاء
بيد أن المؤلف يشعر بالقلق من أن الإقصاء في المجتمعات يجعل المجتمع فقيراً، على الصعيدين الاقتصادي والنمط المعيشي، أكثر مما لو كان المجتمع منفتحاً، لذا يدعو إلى «محلية جامعة تستوعب الجميع».
ومن المحتمل تماماً أنه إذا لم تتكيف الحكومات لتمنح الناس شعوراً بأن لديهم فرصاً متوافرة، وأن لديهم القدرات لاستغلال هذه الفرص، فإن الناس سيبحثون عن أنواع جديدة من الحكومات من شأنها مساعدتهم على النهوض مرة أخرى.
ويقول «راجان»، إن الديمقراطيات في الوقت الراهن تستجيب لاعتقادات الشعوب ورغباتهم، فإذا توقفت عن الاستجابة، فلا شك أن الناس سيبحثون عن شيء جديد، وهو ما نراه بالفعل من خلال الموجة الأولى من السياسيين الشعبويين الذين يزعمون أن «النظام القديم لم يعد يجدي نفعاً، وأن لديهم نسخة أفضل يرغبون في ترويجها». غير أن المؤلف يُحذر من أن ما لديهم لن يجدي أيضاً لأن أولئك السياسيين يحاولون الاستفادة فقط من الغضب الشعبي من دون أن تكون لديهم أي حلول واضحة لما ينبغي القيام به.

الثقة بالمستقبل
ويعزو المؤلف سبب غضب الشعوب ليس فقط إلى أنهم شاهدوا النخب أثناء الأزمة المالية العالمية يكترثون لأنفسهم، ولكن أيضاً لأنه يشعرون بأن المستقبل لا يحمل خيراً لأبنائهم بقدر ما كان يحمل لهم. وهذا تغيير كبير في العالم، فالتاريخ خلال القرنين الماضيين كان يحمل التقدم دائماً، ولكننا الآن نرى الانحدار رأي العين، ويرجع ذلك مرة أخرى إلى أننا لم نتكيف مع التغيّر التكنولوجي!
وينوّه المؤلف بأن علينا أن نفكر تفكيراً عميقاً في الأخطاء الموجودة، والسبب في أن نظام السوق الحرة الديمقراطي أتى أكله على مدار 60 أو 70 عاماً ثم توقف، وكيف نعيده إلى مساره. ويرى أن ذلك يقتضي تغييراً جوهرياً، فهو لا يتعلق فحسب بالسياسات النقدية أو التحفيز المالي هنا أو هناك. وإنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإعادة هيكلة جذرية للعقد الاجتماعي الموجود بين الحكومات وشعوبها.

أهمية اللامركزية
ويخشى المؤلف من أن في ظل صعود موجة القومية الشعبوية، عندما يختفي الشعور بالانتماء والمجتمع على الصعيد المحلي، ويظهر من جديد على المستوى القومي، فعندئذ سيكون هناك ميل للبحث عن الأشخاص الذين يبدون مختلفين خارج الدولة وداخلها، باعتبارهم مجموعة من الأعداء. ويوضح أن ذلك سيحدث لأن الروابط التي تربط الناس والمجتمع سوياً على هذا الصعيد القومي المتخيل أكثر ضعفاً، لذا يبحث الناس دائماً عن شيء يعيد تنشيط هذه الروابط من خلال إيجاد أعداء جدد. وهذه بالتأكيد وصفة لصراع أكبر!
وأعرب المؤلف عن اعتقاده بالحاجة إلى مزيد من اللامركزية لأننا نحتاج إلى منافسة على الصعيد الإداري بقدر ما نحتاج منافسة اقتصادية. ويقدم الكتاب مجموعة من المقترحات، بعضها مفضل لدى «اليسار» وبعضها مفضل لدى «اليمين»، لكن في مجملها توفر وصفة أكثر حيوية من أجل المضي قدماً، ورأسمالية أكثر استدامة واستقراراً من النسخة الموجودة لدينا في الوقت الراهن.

المؤلف في سطور:
راغورام راجان: أستاذ المالية بكلية «بوث» للأعمال في جامعة شيكاغو والمحافظ السابق للبنك المركزي الهندي وكبير الخبراء الاقتصاديين السابق لدى صندوق النقد الدولي.
وكان راجان فاجأ مسؤولي الحكومة الهندية وزملاءه في 2016 بإعلان عزمه التنحي بعد فترة ولاية واحدة مدتها ثلاث سنوات.
ويحظى راجان بتقدير كبير من صناع السياسات والمستثمرين في الداخل والخارج لدوره في إصلاح طريقة عمل بنك الاحتياطي الهندي.
لكنه واجه انتقادات متصاعدة من فريق بالحزب الحاكم بسبب إبقائه على أسعار الفائدة مرتفعة وبدعوى أنه بدأ يقحم نفسه في السياسة.
ينشر بترتيب مع خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اقرأ أيضا

محمد بن راشد يصدر مرسومين بتعيين مديرين عامين