الاتحاد

الملحق الثقافي

كاسترو آخر رجال «الموهيكان»

الزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو (أرشيفية)

الزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو (أرشيفية)

حنا عبود

في أواسط خمسينيات القرن الماضي قامت انقلابات في معظم أقطار العالم الثالث، ومنها أقطار أميركا اللاتينية، ومن أوائلها ثورة فيديل كاسترو. قام في أوائل الخمسينيات، ففشل واعتقل وعفا عنه باتيستا، ولكنه انتصر في أواخر خمسينيات ذلك القرن. وكان لحسني الزعيم في سوريا الأسبقية في افتتاح هذه الثورات، فقد قام بانقلاب سمي انقلاب حسني الزعيم في عام 1949 وبقي في السلطة ثلاثة أشهر، فقام انقلاب ضده وبدأ مسلسل الانقلابات. من الصعب إحصاء كل الانقلابات في العالم الثالث في تلك الفترة، وثورة كاسترو من بواكيرها.


في القرن الماضي كانت الانقلابات أو الثورات تحمل اسم بطل من أبطالها، كعبد الناصر ولومومبا ونكروما وعيدي أمين وسيكوتوري وغيفارا والخميني... في القرن الحالي لم يرتفع اسم أي بطل من أبطال الحركات الثورية، بل بدأت ظاهرة عدم طغيان الاسم منذ القرن الماضي، فهناك ربيع براغ وربيع بيكين وثورة الطلبة... الخ. وهذه ظاهرة لم يتريّث عندها الدارسون، ربما اعتقدوا أنها ليست بحاجة إلى دراسة، لأن «عصر العولمة» شهد نموّاً في المؤسسات، بحيث لم يعد الفرد قادراً أن يقود مؤسسة من المؤسسات، وحتى المؤسسة العسكرية لم تعد كما كانت في القرن الماضي، فظروف العولمة شملتها، مهما تخيلنا ابتعادها عنها. وربما كان «عصر الحرب الباردة» من أهم أسباب ظهور أولئك «الأبطال» الذين قاموا بالانقلابات، والعصر الجديد يحتاج صيغة جديدة، والصيغة الجديدة تحتاج إلى مجموعة وليس إلى فرد. ومن هنا نفهم وصية الزعيم كاسترو بألا يطلقوا اسمه على أي شيء، كان يدرك أنه آخر رجال الموهيكان « الزعيم الأوحد»، وأن ظرفه لن يعود إلى أبد الآبدين. يبدو أنه كان مدركاً تماماً الاتجاه العام لهذا القرن. وقد أصدرت الحكومة الكوبية قراراً منعت فيه إطلاق اسم كاسترو على شارع أو باحة أو مؤسسة... قبل أقل من نصف قرن كان هذا شيئاً غريباً، غرابة تعيين أمين عام سابق للحزب الشيوعي البرتغالي أميناً عاماً للأمم المتحدة. يبدو أن النمور الحديثة باتت بلا مخلب ولا ناب.

من غيفارا إلى كاسترو
عندما مات غيفارا اهتزت كل القوى الشيوعية والاشتراكية والتقدمية والثقافية والأدبية والفنية وما يسمى حركة الشباب الثوري، وكل من ينتمي إلى المعسكر اليساري في كل العالم، باستثناء الصين التي رأت فيه مغامراً وليس ثورياً متسلحاً بالجماهير.
كل القوى الدينية وما يطلق عليه «الرجعية» السياسية و«الرجعية» الاجتماعية، من كل الأديان والمراتب الاجتماعية، في كل أرجاء العالم أظهروا الشماتة والارتياح لرحيل هذا الشاب الثائر، الذي يريد بحق عالماً فيه شيء من العدالة والحرية.
انتشرت صوره في كل العالم، وصارت تظهر على قبعات الشباب، التي صنعت على موديل قبعة غيفارا «البيريه». وألفت فيه القصائد والأشعار والأزجال، ولحنت مئات الأغاني، حتى الشيخ الإمام قدم له «غيفارا مات»... يمكن القول كان هناك مهرجان عالمي أقيم بهذه المناسبة السوداء، وما أكثر الشعراء الذين كرسوا لهذه المناسبة قصيدة، وربما أكثر. وبات غيفاراً رمزاً عالمياً لبطولة تنشد العدالة والحرية.
عندما مات كاسترو لم يحدث لموته ما حدث لغيفارا، بل على العكس، فإن معظم القوى التي رثت هذا الرجل لا تنتمي إلى الشيوعية أو الاشتراكية أو الثورية (بمفهوم القرن الماضي) ولا حركات الشباب العالمي ولا الشباب اليساري الفرنسي، ولا قيلت فيه القصائد ولا لحنت له الأغاني. إن من احتفى بموت هذا الرجل تلك القوى الدينية التي ورثت «الثورية» من الحركات الشيوعية السابقة. وهذه ظاهرة تبدو غريبة للوهلة الأولى، فكثير من رجال الدين والملالي والمتروبوليتات والفاتيكان نفسه (الذي لم ينطق بكلمة في غيفارا) أبدوا حزنهم وأسفهم على رحيل هذا الرجل. فردياً هناك تشابه كبير بين غيفارا وكاسترو، وإن كان موت الأول فاجعاً، وموت الثاني طبيعياً، ولكن جماعياً ليس هناك تشابه بين وقع خبر رحيل الرجلين.
يبدو أن القوى الدينية التي ورثت «الثورية» عن القوى الشيوعية واليسارية، والتي أظهرت حزنها على كاسترو، لو كان في صفوفها أحد شبيه بكاسترو لعلق على خشبة أو ربط عنقه بأنشوطة حبل في الساحة العامة للعاصمة. فـ«الثورية الملحدة» كانت منطقية مع نفسها إلى حد ما، بينما «الثورية المؤمنة» تمارس الأنواع الأخبث والأشد غموضاً من الدعاية المزيفة التي اعتاد استخدامها منتجو البضائع الكاسدة... تتفق مع هذه الدولة وتعلن عداءها، وتتفق مع هذا الزعيم وهي تحفر له، وكلما انهار اقتصادها أعلنت ازدهاره، وكلما اشتدت الأزمة السياسية أعلنت الوحدة والتضامن، وتعلن الحرب على التكفيريين وهي تكفر حتى كاتب رواية وتهدر دمه، إنها تنتقد علناً وتبصم مستسلمة في السرّ... حتى أن بعضهم رأى أن الضرر الذي سببته «الثورية» الملحدة لا يكاد يذكر أمام ما سببته وتسببه وسوف تسببه «الثورية الدينية» التي تنامت في القرن الحادي والعشرين، برعاية بعض القوى العالمية. والنقاش يدور الآن حول عرّاب هذه الثورية الدينية والمستفيد منها، وهل يستمر العرّاب، وإلى أي مرحلة يستمر النفاق على شعوب العالم، وحماية التكفيريين والمتعصبين والمذهبيين والطائفيين تحت اسم الاتفاقات المعقولة، سامحين لهم بتصدير الثورة الدينية عالمياً، معلنين عن ذلك بلا وجل.

التغيرات في كوبا
التغيرات الظاهرية كثيرة جداً في كوبا، ولكن لو سمينا هذه التغيرات بحسب الواقع لقلنا «طوارئ»، فقد طرأت أحداث جديدة كل الجدة بعد الثورة الجديدة، ولكنها طوارئ، إذ بعدها تعود البلاد إلى المسار، وتستأنف رحلتها، بقيادة كاسترو، فاختارت الطريق الثوري والانضمام إلى المعسكر الاشتراكي العالمي. والأحداث الطارئة كانت قاسية جداً على كوبا والرفيق كاسترو، الذي أقسم أن تبقى لحيته ما دامت كوبا لم تدخل مرحلة الاشتراكية والأمان. وتوفي الرجل وبقيت معه لحيته لأنه لم يشعر أن بلاده دخلت مرحلة الأمان، على الرغم من الوعود الأميركية التي لم يصدقها.
واشتدت الأزمة عندما أدخل المهرج المشهور خروشوف المدعي الحرص على الماركسية والاشتراكية والسلم العالمي، الصواريخ العابرة للقارات إلى كوبا. وأمسكت الناس بقلوبها عندما أعلن كينيدي الحصار الكامل، وجعل خروشوف بين خيارين: سحب الصواريخ، أو غزو كوبا، فاضطر المهرج أن يسحب الصواريخ، تحت زعم أنه تلقى وعداً بعدم التدخل الأميركي في كوبا، وظن أنه بذلك ضمن السلم والخبز والاشتراكية لكوبا. وعلى أثر ذلك أقيل المهرج من مركزه واتهم بالخيانة العظمى، إلا أن سمعة السوفييت كانت ستسوء أكثر لو حوكم بهذه التهمة.
وتعرضت كوبا للخطر عندما غزاها الكوبيون المهاجرون في خليج الخنازير، ولكنهم وقعوا في الأسر، حسب الخطة الأميركية الموضوعة لهم، كعادة الخطط الأميركية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكن انفراجاً نسبياً حدث بعد ذلك مباشرة، لأن الزعيم الكوبي أجرى تبادلاً: كل أسيرين بتراكتور، مما جعل الأراضي المزروعة في تلك السنة تتسع أكثر من ضعفين.

ومضة نظرية
وصلتنا في تلك الأيام ومضة نظرية من الرفاق الكوبيين لم تكن مطروحة عند السوفييت، وهي «الياقات البيض». خلاصتها أن الإنتاج الحديث يحتاج إلى مدير من الياقات البيض، وليس من الياقات الزرق، أي مديراً مقتدراً، دارساً، عليماً، خبيراً بالاقتصاد وبفروع الإنتاج، وبالسوق... الخ وليس العامل، صاحب الياقة الزرقاء، أي، يجب أن يكون العالم وليس العامل مديراً لمركب الإنتاج الصناعي، أو حتى الزراعي. وعزز الرفاق الكوبيون نظريتهم بأمثلة عملية، على الأخص من اليابان. ومثل هذه النظرية تقتضي أن تكون للمدير مكانة خاصة وحرية خاصة، إلى جانب دخل خاص أيضاً (حتى أن بعض الرفاق اقترحوا له عائداً من الإنتاج) إلى جانب إتاحة الفرصة له حتى يدخل السوق العالمية.
دار النقاش على مستوى عالمي، وطرحت القضية في أوروبا الشرقية، وعلى الأخص في تشيكوسلوفاكيا التي كانت تتميز بإنتاجها المتنوّع قبل انضوائها تحت راية السوفييت. ولاحظ الرفاق الإيطاليون أن السوق العالمية ليست بهذه البساطة، فهي سوق «سياسية» أيضاً، وسوف تسعى بكل طاقتها لإجهاد أي محاولة تمنح الدول الاشتراكية نوعاً من أوكسجين العناية الفائقة. وأصرّ الرفيق توغلياتي (ويقال إن الرفيق موريس توريس الفرنسي أيّده) أن تنشأ سوق اشتراكية يكون فيها التعاون والتبادل والتقاص... بأخلاق مختلفة عن أخلاق السوق الرأسمالية. ولذلك اقترح السوفييت السوق الاشتراكية التكاملية... فتبيّن أن الرفاق السوفييت يوزعون الأدوار بحيث كل دولة اشتراكية تنتج ما قرره لها هؤلاء الرفاق «حتى يكون الإنتاج متكاملاً»، وحتى لا تكون هناك منافسة على غرار السوق الرأسمالية.
واقتنعت كوبا، وتحولت إلى الصناعات المتوسطة، وخففت من المنتجات الزراعية، كقصب السكر، ففشلت في الفرعين: القديم والجديد، ووقع العالم في «أزمة السكر» واحتكر الاتحاد السوفييتي تجارة السكر بعد أن اشتراه من كوبا وحرم الصين منه، حتى اضطرت أن تشرب الشاي الصيني من دون سكر لمدة عام.
كل هذه التغيّرات كانت طارئة، فظلت كوبا كما كانت: السكر والسيجار والعائد من قاعدة غوانتانامو، وسياسياً سوف يصير ما صار مع أنظمة أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين.

تغيّرات الأدب
كما حصل في الناحيتين السياسية والاقتصادية، حصل في الناحية الأدبية، فقد كان الأدب منخرطاً في المسيرة العامة لأدب أميركا اللاتينية، فلما انتصرت ثورة كاسترو اندفع بعض الأدباء، وربما الكثير منهم، إلى تمجيد العهد الجديد، ولكن بعضهم ترك البلاد وهاجر إلى بلدان أوروبا أو بلدان أميركا اللاتينية، وعلى الرغم من ذلك فإن عقد السبعينيات عرف نوعاً من العودة إلى الطابع الأدبي العام.
إن انخراط كوبا في المعسكر الاشتراكي، جعل بعض الأدباء ينجرفون وراء الأدب الدعائي، تماماً كما حصل في الاتحاد السوفييتي، ولكنه كان انجرافاً ولم يكن تياراً راسخاً، وكما عاد الأدب الروسي اليوم إلى ما كان عليه قبل ثورة أكتوبر، كذلك نتوقع أن يعود الأدب الكوبي إلى حضن الأدب اللاتيني.
إن خط مسار الأدب الكوبي يشبه الأدب الروسي، فقد كانت الواقعية السحرية مسيطرة سيطرة كاملة، على الرغم من التيار الرومانسي الذي كشف جمال كوبا في شعره وأدبه. والواقعية السحرية جاءت من تمازج الثقافة الأفريقية مع الثقافة الأوروبية، بين المهاجرين من القارتين... أي بين البيض الذين حملوا معهم العقائد المسيحية الكاثوليكية، والزنوج الذين حملوا معهم العقائد الدينية الأفريقية، منهم من سمى الدين الجديد «سانتريا» وتقوم طقوسهم على قرع الطبول بالدرجة الأولى، مع أصوات الأبواق، ومنهم من ظل يحتفظ بالاسم الأفريقي «الهودو» أو «الفودو» كما يسميها بعضهم. فمن تمازج الخيال الأفريقي الجامح، والخيال الإيماني للكاثوليكية نشأت نظرة في أميركا اللاتينية هي معالجة الواقع بمعطيات القارتين، فأطلق النقاد على ذلك اسم «الواقعية السحرية». والغريب أن الكتاب الذين عاشوا في المنفى بعد ثورة كاسترو، وكذلك الكتاب الذين مجدوا هذه الثورة وظلوا في الديار الكوبية، انخفض مستوى الواقعية السحرية لديهم، بسبب الحماسة لدى الطرفين حتى أواخر السبعينيات، ولكن الواقعية السحرية عادت لدى الطرفين إلى مسارها المألوف في كل بلدان أميركا الجنوبية، وكما في كل بلدان أميركا الجنوبية، كان هناك من يدافع عن الزنوج وآخر عن الخلاسيين والقليل عن الحضارة البيضاء... ليظل تيار الواقعية السحرية هو التيار الأكبر والأقوى. إنها من الأصباغ التي لا يمكن أن يتخلص منها الكتاب قبل الثورة وبعدها، لا جوزيه ماريا هيريديا ولا جوزيه جاسينتو ميلانيس ولا الكاتبة الرومانسية غيرتروديس غوميس دي أليلانيدا... ولا أي كاتب موالٍ أو معارض تنكر لتقاليد القارتين المتأصلة في أعماق وجدان الكوبيين والأمريكيين الجنوبيين.
وهكذا عادت الآداب والعادات إلى ما كانت عليه، في انتظار التطورات الجديدة التي أخذت تظهر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والتبخر العجيب لمعسكر اشتراكي يشكل ثلث العالم. وإذا كان المعسكر الاشتراكي في أوروبا واجه قبل انهياره معسكراً رأسمالياً قوياً، فإن كوبا الوحيدة في أميركا الوسطى التي قامت بما قام به المعسكر الاشتراكي بكامله، فكلفها ذلك الشيء الكثير، والشيء الكثير بات مطلوباً من القيادة السياسية الجديدة لكوبا.
كل هذه التغيرات كانت طارئة، وقد عادت كوبا إلى الواقعية السحرية.

مفارقة
عندما مات غيفارا اهتزت كل القوى الشيوعية والاشتراكية والتقدمية والثقافية والأدبية والفنية وما يسمى حركة الشباب الثوري، وأظهرت كل القوى الدينية وما يطلق عليه «الرجعية» السياسية و «الرجعية» الاجتماعية، من كل الأديان والمراتب الاجتماعية، في كل أرجاء العالم الشماتة والارتياح لرحيل هذا الشاب الثائر، الذي يريد بحق عالماً فيه شيء من العدالة والحرية.
عندما مات كاسترو لم يحدث لموته ما حدث لغيفارا، بل على العكس، فإن من احتفى بموت هذا الرجل تلك القوى الدينية التي ورثت «الثورية» من الحركات الشيوعية السابقة. وهذه ظاهرة تبدو غريبة للوهلة الأولى. فكثير من رجال الدين والملالي والمتروبوليتات والفاتيكان نفسه (الذي لم ينطق بكلمة في غيفارا) أبدوا حزنهم وأسفهم على رحيل هذا الرجل.


اقرأ أيضا